الخميس، 4 يوليو 2019

لو اتغير جوزي حياتي هتبقى سعيدة ؛ لو أتغيرت مراتي حياتي هتتغير للأحسن !!!

تبدأ معظم مشاكلنا نتيجة احتياجات غير مُسددة ، ورغبات غير مُحققة.

لا شك أن أننا دائما كمشيرين نتعامل مع مشاكل الأسرة والأزواج نجد أن  رغبة كل زوجة و زوج هي تغيير الآخر ، وهذه في بعض الأحيان تكون رغبات مكبوتة غير مُعلنة ، وأحياناً آخرى تكون واضحة وصريحة.
وفي حالة ما إذا كانت رغبات مكبوتة دون التعبير الواضح والصريح عنها ، فإنها مع مرور الوقت تزداد تعمُقاً وتصبح أحلام يقظة. فنجد أن كلا من الزوجين يُخاطب نفسه في حديث ذاتي غير مُعلن ".. آه بس لو حصل وعملت كذا.. ، هو بس لو بطل كذا...، هي لوبطلت تعمل كذا .." نجد إنها رغبات غير مُعلنة نتيجة احتياجات غير مُسددة. يظن كل شريك إن الاخر لو فعل أمر معين فإن احتياجات الآخر سوف يتم تسديدها. أها !

فيتصور - في احلام اليقظة -  الزوج مثلاً: زوجته وقد قامت بالتغيرات التي يرغب فيها ، ويتخيل نفسه وهو يستمتع بوجود هذه الإنسانة الجديدة ؛ بينما تتصور الزوجة أن زوجها أصبح يُخرج القمامة من غير ما تطلب منه ذلك. ههههههه.
تصبح هذه التخيلات (احلام اليقظة) لتخيل الزوج المثالي أو الزوجة المثالية عقبات أمام العلاقات الزوجية الصحية في عالم الواقع.

أما في حالة الأزواج الذين يعلنون بصراحة ويرغبون في تغير كل طرف للآخر ؛ ويحدث هذا في الغالب أثناء شجارهم مع بعض والتعبير عن غضبهم ، فمن خلال الكلام المؤلم والتصرفات الفظة يتم الكشف عن هذه الرغبات في تغير الشريك الآخر بشدة وبوضوح؛ على سبيل المثال:
" إن الزوج الذي يتشاجر مع زوجته بأسلوب غير لائق سواء بالكلام أو بالسلوك ، عندما تطلب منه زوجته أن يكف في التعامل معها بهذا السلوك أو أن يتكلم معها بأسلوب لطيف لائق ، فإنه سريعاً ما يُعبر عن الرغبة الكامنة (المكبوتة) في داخله بتغيرها ، فيبادر بقوله ، عندما تقومي أنتي بتغيير أسلوبك في التصرف وفي كلامك ؛ عندما تتصرفي كزوجة كما ينبغي أن تكون الزوجة - هنا نجد أن الزوج لديه تصور مظنون عن صورة الزوجة المثالية - عندها سوف أقوم أنا بالتغيير.
هنا يتضح من كلمات الزوج مثل (تتصرفي كزوجة) إن لدى الزوج رغبة وتوقعات محددة تتطلب من زوجته التغيير .
" إن الزوجة التي تشتكي دائماً وتقول: لقد تعبت من إني عماله ألملم وراك و ورا عيالك الأشياء التي تتركها أنت وهم ورأكم  - زي الشغالة - أمتى بقى تتحملوا المسؤولية أنت وهما وتكبروا في تصرفاتكم ؛ فهي هنا تكشف عن رغبة مكبوتة وتعلنها صراحة عن أملها في تغيير زوجها وأولادها.
في الحقيقة إن ما بين التعبير الصريح أو الصامت عن المطالبة بتغيير كل شريك للآخر نجده لدى عدد كثير جداً ممن يعيشون على أمل لم وربما لن يتحقق ألا وهو (تغيير الآخر) مما يجعل الحياة الزوجية صعبة الاحتمال ، وهم في بعض الأحيان يُعبرون عن هذه الرغبة في التغيير ، وفي أحياناً أخرى يستسلمون لمشاعر الإحباط .


الثلاثاء، 2 يوليو 2019

ما الشيء الذي أتمنى أن يغيره زوجي؟


ما الشيء الذي أتمنى أن يغيره زوجي؟
أتمنى أن يجلس كل أسبوع ويتكلم معايا لمدة 10 دقائق
أتمنى أن يساعدني في الأعمال المنزلية.
أتمنى أن يتمشى معايا في فسحة كل ليلة ولو لمدة قصيرة.
أتمنى أن تكون متابعته للتليفزيون أو استخدامه للموبايل أقل مما هي عليه الآن.
أتمنى أن يساعدني في المذاكرة للاولاد.
أتمنى أن يصغي إلي ويعطيني انتباهه عندما اتحدث إليه.
أتمنى أن يخطط للخروج للفسحة مرة أو مرتين في الشهر.
أتمنى أنه يعبرلي عن تقديره لي لِما أقوم به .
أتمنى أن يقضى وقتاً أكثر مع الاولاد .
أتمنى أن يكون أقل انتقاداً للأعمال المنزلية التي أقوم بها.
أتمنى أن يمضي وقتاً أكثر في التفكير في ما هو مهم بالنسبة لي.
أتمنى أن يكون حكيماً في صرف النقود ، ويساعدني نضع خطة لتسديد ديوننا.
أتمنى أن يقوم بجمع الأشياء المبعثرة في المنزل بدلاً من أن يعطيني التعليمات بأن أقوم أنا بجمعها .
أتمنى أن يسألني : أنتي محتجاني أساعدك في أيه؟
أتمنى أن يتركني أعبر عن مشاعري من غير ما يكون رد فعله هو الغضب
أتمنى أن يكون كلامه معايا أكثر لطفاً
أتمنى يطفي الموبايل أو التليفزيون ويتكلم معايا 10 دقائق
أتمنى يتكلم معايا قبل ما يتخذ بعض القرارات ، أود أن نكون كشريكين نعمل كفريق.
أتمنى أن يذهب إلى الفراش في الوقت الذي أذهب فيه أنا إليه حتى نتمكن من الحديث ومن ممارسة الحب أحياناً.
أتمنى أن يمنحني وقت أكون فيه وحدي.أنا أريد فقط وقتاً أنفرد فيه بنفسي.
أتمنى أن يمدح مظهري والأشياء التي أقوم بها ، وأن يعمل على تشجيعي.
أتمنى أن يضع ذراعيه حولي ويمسك بيدي عندما نسير معاً.
أتمنى أن يحتضني ويلمسني ، حتى عندما لا يؤدي هذا إلى ممارسة الحب.

كيف تكون معالج أنثوي؟ - العلاج الأنثوي Feminist Therapy

أولا: الخلفية التاريخية

1- السياق التاريخي لنظرية الإرشاد والعلاج النفسي الأنثوي Feminist Therapy

تتأصل جذور العلاج الأنثوي في الحركة النسائية الحديثة التي وضعت قيمة كبيرة على الخبرة وأهمية تمكين النساء وتحليل الجنس أو النوع ، فالحياة في القرن الـ 21 جعلت من الصعب تخيل أن النساء من أربعة أجيال مضت لم يكن لهن الحق في الانتخابات ، والملكية الخاصة ، وإدارة الأعمال ، أو حتى حق المساواة في التعليم ، ولدي الحركة النسائية تاريخ طويل يرجع إلى أواخر القرن الـ 18 وبداية القرن الـ 19حيث مهدت المرأة الطريق بشجاعة للعديد من التغيرات السياسية ، والاقتصادية ، والاجتماعية الرئيسية من خلال الحركات النسائية المعاصرة.

في الستينات من القرن الـ 20 أدت أحداث عديدة في الولايات المتحدة و أوربا مثل تسويق أقراص منع الحمل لأول مرة عام 1960 ، ونشر كتاب سحر الأنوثة Feminine Mystique  لبيتي فريندان .Friendan, B عام 1963 ، وأقرار قانون تساوي الأجور عام 1963 ، وقانون الحقوق المدنية عام 1963 ، وتأسيس المنظمة القومية للمرأة عام 1966 التي أخذت على عاتقها تطوير إمكانات النساء والفئات المهمشة الأخرى ، وفي السبعينات بدأت المرأة في الدخول إلى مجال العمل بأعداد متزايدة ، وصدر قانون حظر التمييز على أساس النوع في الولايات المتحدة عام 1972 ، وفي نفس العام صدرت التشريعات التي تمنع العُنف الأسري في أمريكا وحول العالم ، ثم قرار المحكمة العليا بتشريع الإجهاض في الولايات المتحدة عام 1973 ، ثم إنشاء الرابطة النفسية الأمريكية وثلاثون قسماً لدراسة سيكولوجية المرأة عام 1975 ، وسن أول قانون للاغتصاب الزواجي عام 1976.

وهكذا كانت حقبة الستينات والسبعينات من القررن الماضي وقت التغيير السياسي والاجتماعي للمرأة وبداية التعبير عن رفض الأدوار النسائية التقليدية التي نُظر إليها على أنها أدوار محدودة وجائرة ، وبدأت النساء يتحدثن عن تجاهلهن ، وعدم حصولهن على حقوقهن ، ونقص المعلومات المتاحة عن حياتهن ، وكانت أحد التأثيرات الهامة لهذه المناخ في مجالات الإرشاد وعلم النفس هو ظهور النظرية النسائية Feminist Therapy حيث بدأت المرأة بالتعبير عن رأيها في أن العلاجات النفسية التقليدية غير معنية بها ، ومن المحتمل أن تُؤذيها بدلاً من أن تساعدها (Enns, 1996; Sturdivant, 1980).
وأصبحت الكثير من المعالجات النفسيات من النساء أكثر حساسية وأنتقاداً للآراء التقليدية في مجال الصحة النفسية ، حيث تفتقر إلى تقيم المصادر الثقافية والاجتماعية للضغوط النفسية ، وازداد الطلب على المداخل العلاجية التي تُسهم في تمكين المرأة في مجتمعات يسيطر فيها الرجال على مجريات الأحداث منذ زمن بعيد (أي مجتمعات ذكورية) من جانب ، وتدعم القالب الإيجابي للصحة النفسية للمرأة من جانب آخر.. وتم تطوير عدد من الفنيات التي أستخدمت كمفاتيح للعلاج الأنثوي لمعالجة هذه القضايا خاصة مثل: مجموعات إذكاء وتنمية الوعي ، وتحليل الدور الاجتماعي و دور النوع ، والتنشئة الاجتماعية ، والفعالية الاجتماعية.
....

كيف تكون معالج أنثوي؟ - العلاج الأنثوي Feminist Therapy

مقدمة عن العلاج الأنثوي (Feminist Therapy)

فيليز شيسلر (1940 - ) وآخرون

يضع العلاج الأنثوي Feminist Therapy أهمية كبيرة للطرق التي يؤثر بها دور النوع (ذكر أو أنثى) ، والتنشئة الاجتماعية ، و وضع الأقليات على الكيفية التي يصنع بها البشر معنى لحياتهم والضغوط النفسية التي يعانون منها . بالإضافة إلى عوامل مثل العمر ، والعرق أو السلالة ، والقدرة أو السلطة ، والتوجه الجنسي ، والمنزلة الأجتماعية على عملية العلاج ، حيث يأتي الكثير من العملاء للإرشاد وهم لايضعون في اعتبارهم الخلفية الثقافية التي ينحدرون منها التي ربما تكون قد ساهمت في معاناتهم ، فهم غالباً ما يدركون ما بينهم من اختلافات ولكنهم لا يلقون بالاً لتأثير عمليات التمكين الاجتماعي ، والثقافي ، والسياسي التي تتفاعل مع نموهم ، وهو ما يحاول المُرشد(المُشير) عمله لمساعدة العملاء على مواجهة بعض المعايير الثقافية التي تميز الجنسين خاصة.

فلكي تكون معالج أنثوي يجب أن تمتد الخلفية العملية لديك إلى أبعد من مجرد مناقشة القضايا النظرية والفنيات اللازمة لممارسة هذا الدور ، فالعمل مع النساء اللاتي يطلبن المساعدة يتطلب أن تكون على بينة وفهم جيد للسياق الكامل لخبراتهن والعوامل المؤثرة على نموهن عبر الحياة ، فالقهر ، والإذلال ، والقسوة ، والتحرش الجنسي ، والاغتصاب ، وسلب العفة والشرف والكرامة ، بل وأحياناً سلب الحق في الحياة ، والتفرقة في فرص العمل والأجر ، وحق الترشيح لمناصب قيادية أو اعتلالها ، والتمييز على أساس اللون أو الدين أو الجنس أو حتى المستوى الاقتصادي الاجتماعي هي من القضايا التي ما زالت تتعرض لها المرأة في كل مجتمعات العالم ، ومازالتتُمارس بقوة في مجتمعنا الإسلامي رغم نهي الإسلام عن ذلك ، بل أن معدلات انتشار هذه السلوكيات قد زادت بعد ثورة 25 يناير التي قامت من أجل تحقيق المساوة والحرية والعدالة الاجتماعية، حيث يهتم العلاج الأنثوي بمعالجة قضايا تتعلق بتأثير الأدوار الجنسية والتنشئة الاجتماعية  وتهميش دور المرأة في المجتمع على قدرتها على إيجاد معنى لحياتها وخفض الضغوط النفسية التي تتعرض لها وإكسابها الفعالية لمواجهتها . (محمد السيد 2015).

عناصر المقالات القادمة لمن يريد المتابعة من خلال المدونة :
أولاً: الخلفية التاريخية للعلاج الأنثوي
ثانياً: الأفتراضات والمفاهيم المحورية
ثالثاً: العلاقة العلاجية
رابعاً: القياس ، والاهداف ، وعملية العلاج
خامساً: الفنيات العلاجية
سادساً: التطبيقات الأساسية للعلاج الأنثوي

الأحد، 30 يونيو 2019

البشر كآلات ، والألة الحاسبة لتشرلز باباج

تأثيرات فلسفية على علم النفس (4)

البشر كآلات

إن تشارلز باباج أول من اخترع الآلة الحاسبة هو الذي جسد في القرن 19 فكرة أن البشر إنما يعملون كما لوكانوا ماكينات، كان سابقاً لعصره بحق. لقد كانت آلته الحاسبة التي جسدت أول محاولة ناجحة لمحاكاة الوظائف المعرفية البشرية ، وتطوير شكل من أشكال الذكاء الاصطناعي ، بمثابة البداية المبكرة للكمبيوتر الحديث. لقد كان العلماء والمخترعون في عصر "باباج" يتنبئون بأنه لن تكون هناك حدود لما يمكن أن تقوم به تلك الماكينات من أعمال البشر.

بدايات العلم الحديث

لقد شهد القرن 17 العديد من التطورات في مجال العلوم . لقد كان الفلاسفة حتى ذلك الوقت يتجهون إلى الماضي بحثاً عن الإجابة عن تساؤلاتهم ، مُنقبين في أعمال أرسطو وغيره من المفكرين القدامى ، فضلاً عن الكتاب المقدس . لقد كانت القوى الحاكمة للبحث تتمثل المسلمات الفكرية (التي تضعها الكنيسة) ، وممثلو السلطة. وشهد القرن 17 بزوغ قوة حاكمة جديدة هي الإمبيريقية (وهي تُعني التماس الحقيقة من خلال ملاحظة الطبيعة وإنساب المعارف كافة للخبرة عن طريق الحواس) . بمعنى التماس المعرفة من خلال الملاحظة والتجريب ، ومن ثم أصبحت المعرفة المستندة إلى الماضي مشكوكاً فيها. لقد عمت الاستنارة القرن ال17 بفضل المكتشفات ، والأفكار التي عكست ما طرأ على طبيعة الاستقصاء العلمي من تغير.
ومن بين العديد من المفكرين الذين تركوا بصماتهم على تلك المرحلة الفيلسوف والرياضي (عالم رياضيات) الفرنسي رينيه ديكارت ، الذي كان له تأثير مباشر على تاريخ علم النفس الحديث. 
لقد ساعدت مؤلفاته في تحرير البحث العلمي من سيطرة المعتقدات الثقافية ، والدينية التي يرجع تاريخها لقرون موغلة في القِدَم . لقد كان ديكارت رمزاً للانتقال إلى العصر الحديث للعلم ، ولقد قام بتطبيق فكرة القوانين الميكانيكية التي تعمل وفقها الساعات على الجسم البشري. ونستطيع لتلك الأسباب القول بأنه قد افتتح هذه المرحلة من علم النفس الحديث.

وللحديث بقية ...

السبت، 29 يونيو 2019

تأثيرات فلسفية على علم النفس (2)

روح الميكانيكية

لقد انتشرت عبر إنجلترا و أوروبا الغربية أعداد كبيرة من الآلات للاستخدام البومي توفيراً للقوة العضلية للإنسان. لقد انتشر استخدام المضخات ، والروافع ، والبكرات، والأوناش ، والمولدات المحركة للمعاصر ، والطواحين الهوائية لطحن الحبوب ، ونشر الأخشاب ، ونسيج الأقمشة ، وغير ذلك من الصناعات كثيفة العمالة. وقد أدى ذلك إلى تحرر المجتمع الأوروبي من الاعتماد على العمل العضلي. لقد أصبح الناس بمستوياتهم الاجتماعية كافة - من الفلاحين إلى الأرستقراطيين - على ألفة بالالات ، التي لم تلبث أن اصبحت جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية.

وقد أقيمت بالحدائق الملكية آنذاك آلات ميكانيكية تقدم أشكالاً غريبة من التسلية... ومن بين هذه الآلات الجديدة ، كانت الساعة الميكانيكية Mechanical Clock هي الأكثر تأثيراً على الفكر العلمي.
ورب مَن يتسأل ؛ ما علاقة ذلك التطور التكنولوجي الكثيف بتاريخ علم النفس الحديث؟ إننا نتحدث عن فترة سبقت قيام علم النفس رسمياً باعتباره علماً بـ 200 سنة ، وفي وقت كانت فيه علوم الطبيعة والميكانيكا لاتقترب مطلقاً من دراسة الطبيعة البشرية. لقد كانت تلك العلاقة حتمية ومباشرة ، حيث إن المبادئ التي تجسدت في تلك الالات الهادرة ، والأشكال الميكانيكية والساعات التي شهدها القرن الـ 17 للمرة الأولى ؛ قد أثرت على توجه علم النفس الجديد.

لقد كان المناخ الثقافي الحضاري السائد من القرن 17 إلى القرن 19 بمثابة التربة الفكرية التي تغذى عليها علم النفس. ولقد كانت الفلسفة الكامنة - أي القوة الحاكمة للسياق الثقافي - هي روح الميكانيكية ؛ أي تصور الكون كما لو كان آلة ضخمة. وكانت عمليات الطبيعة كافة - وفقاً لهذا التصور - مصممة ميكانيكياً ، ويمكن تفسيرها وفقاً للقوانين الفزيائية والميكانيكية.

لقد بدأت فكرة الميكانيكية في الفيزياء ، ولم تلبث أن أطلق عليها الفلسفة الطبيعية ، ونتيجة لبحوث عالم الفيزياء الإيطالي جاليليو (Galileo Galilee (1564-1642. وعالم الفيزياء والرياضيات الإنجليزي إسحق نيوتن Isaac Newton (1642-1727). الذي تدرب في البداية على صناعة الساعات ، أصبح النظر إلى موجودات الكون كافة باعتبارها تتكون من جزيئات مادية تتحرك. ووفقاً لجاليليو، فإن المادة تتكون من جسيمات أو ذرات منفصلة تؤثر كل منها في الأخرى بالاتصال المباشر. وقد راجع نيوتن رؤية جاليليو الميكانيكية بتصور مؤداه أن الحركة لا تنتقل عير الاتصال الفيزيقي المباشر بل من خلال قوى تعمل على جذب تلك الذرات وطردها. وعلى الرغم من أهمية فكرة نيوتن في الفيزياء، فإنها لم تحدث تغييراً جوهرياً في المفهوم الأساسي للآلية والطريقة التي كان يطبق بها هذا المفهوم على المشكلات ذات الطابع النفسي. إذا ما كان الكون عبارة عن ذرات في حركة دائمة ؛ فإن كل تأثير فيزيقي (حركة كل ذرة) ؛ إنما ينبعث من سبب مباشر (حركة الذرة التي اصطدمت بها) . وبما أن التأثير يخضع لقوانين القياس Laws Measurement ، فإن ذلك التأثير يمكن التنبؤ به قبل وقوعه. وبذلك فقد كان يُنظر إلى الكون الفيزيقي (أي المادي) باعتباره يعمل بشكل منظم كما تعمل الساعة الدقيقة أو آلة نافعة.وقد كان الظن الغالب ، هو أنه بمجرد أن تمكن العلماء من معرفة القوانين التي تحكم حركة الكون ؛ فإنهم يستطيعون تحديد الكيفية التي سوف يكون عليها الأمر في المستقبل.
لقد تسارع نمو مناهج العلم ونتائجه في مجال التكنولوجيا خلال تلك الحقبة،وتشابك كل ذلك بشكل فعال. لقد أصبحت الملاحظة وإجراء التجارب أهم ملامح العلم، وتبع ذلك مباشرة الاعتماد على المقاييس. لقد حاول العلماء تعريف أي ظاهرة ووصفها بإعطائها قيمة عددية ، وكانت تلك العملية لدراسة الكون الذي يشبه الآلة . لقد تطور إتقان إنتاج مقاييس الحرارة ، ومقاييس الضغط الجوي ، والمساطر الهندسية المنزلقة، ومقاييس القيم متناهية الصغر، والساعات البندولية ، وغير ذلك من أدوات القياس ، مما أدى إلى الاعتقاد بأن كل ما في عالم الطبيعة قابل للقياس. وحتى الوقت الذي لم يكن يظن في السابق أنه قابل للتجزئة إلى وحدات أصغر؛ أصبح ممكناً الأن قياسه بدقة.
ولقد كان للقياس الدقيق للوقت أثاره العلمية والعملية. "لقد كان مستحيلاً بدون توافر آلات ميقاتية (لقياس الوقت) دقيقة ، قياس تلك اللحظات الصغيرة من الزمن المنقضية بين الملاحظات المتتالية، وبدون ذلك لم يكن من الممكن تحقيق ما شهدناه من تلك المنجزات العلمية التي بدأت اعتماداً على استخدان التليسكوب والميكروسكوب" . وبالإضافة إلى ذلك فقد كان علماء الفلك والبحارة في حاجة لآلات ميقاتية مضبوطة تمكنهم من التسجيل الدقيق لحركة الأجرام السماوية ، حيث إن تلك المعلومات كانت حيوية لتحديد مواقع السفن في البحار المفتوحة

وللحديث بقية.


البطة التي تُخرج فضلاتها على طبق من الفضة

تأثيرات فلسفية على علم النفس (1)

مجد فرنسا والبطة التي تُخرِج فضلاتها:

إنها تُشبه البطة. تُبطبط (صوت البط) كالبطة. تقف على ساقيها حين يمد الحارس يده لتقديم قبضة من الحبوب. تمد رقبتها للأمام ، وتلتقط الحَب بمنقارها، وتبلعه. تماماً كالبطة. ثم تُخرج فضلاتها على طبق من فضة . تماماً كالبطة.
غير أنها ليست بطة حقيقية. إنها بطة ميكانيكية . مجرد ألة مملوءة بالرافعات والتروس والأدوات التي تُسبب حركتها ، مُحاكية (مُقلدة) لسلوك البطة. إن كل جناح من أجنحتها يتكون من 400 جزء. لقد كانت تعتبر واحدة من العجائب في وقتها.

كان ذلك عام 1739 ، وكان المشهد في مدينة باريس الفرنسية حيث تدفقت جماهير غفيرة من بلدان أوروبية عديدة لمشاهدة تلك البطة التي تُخرج فضلاتها. كان الناس مأخوذين بقدرة المخترعين على صناعة مثل ذلك الكائن الذي يبدو كما لو كان حياً. كانوا ينظرون إليها وهي تتحرك ، وتأكل ، وتبلع ، وتُخرج فضلاتها ، فتروعهم القدرة على إنتاج مثل تلك الآلة الرائعة المعجزة ، حتى أن الفيلسوف العظيم فولتيرVoltaire انبهر بتلك البطة ومتب "بدون هذه البطة التي تُخرج فضلاتها ، قد لايبقى شيء يذكرنا بمجد فرنسا".
ولكن رب من يتسأل فيم هذه الضجة؟ ولماذا اعتبرت هذه اللعبة الميكانيكية كما لو كانت معجزة؟ إن في مقدورنا اليوم أن نرى في أي ميدان رئيسي ما هو أكثر ولقعية وتعقيداً. ولكن علينا أن نتذكر أننا كنا أنذاك في القرن 18 ، حيث كانت مثل تلك الإبداعات نادرة. لقد كان الاهتمام الكبير الذي حظيت به تلك البطة الفرنسية العجيبة ، جزءاً من الانبهار الجديد بأنواع الآلات كافة التي يجري ابتكارها وإعدادها للاستخدام في مجالات العلم ، والصناعة والترفيه.

وللحديث بقية

الأربعاء، 26 يونيو 2019

يجب عليك أن تنتشل نفسك من مشيئة الظروف ومن مشيئة الناس

اخرُجْ من كهف الماضي وانفُضْ عنك وَهْمَه
اشدُدْ عليك مستقبلَكَ واجعلُه إحداثَكَ وارتكازَك
من المستقبل تنطلقُ إلى الحاضر عبر الماضي
مشدوداً إلى ما ينبغي لا إلى ما أنجزْت
كُن قلقاً إذن كوترِ القيثار فما صلاحيتُك إلا في القلق
وما صلاحيةُ الوترِ إلا في الشد
انطلق في حِجتكَ المقدسةِ إلى نفسك
مجتزئاً بوحدتِكَ ... مُشْتمِلاً بمُمكناتك
كُفَّ عن التفكير المكاني البليد ... فأنت ظاهرةٌ زمنية
وقتُكَ هو جوهرُكَ وفحواك وثروتُك النهائية
اعرِف كيف تُصادقهُ ولا تعاديه
تُحيِيه ولا تقتُله
كيف تتعهد فيه مُمكاناتِكَ إلى أَشُدِّها ، وتنميها إلى مداها
أو يتلبَّسَكَ إحساسٌ مُقْعِدٌ بالإثم يماشيك كظلك
وتأخذَك غصةٌ وجوديةٌ لا تبرحك
وتنظر إلى نفسك بانكسارٍ وخجلٍ نظرة المَدين إلى الدائن
عليك أن نختار صنفَ وجودك وفقَ مشيئتك ومُمكناتك وأشواق روحك
وألا تتهربَ من الاختيار تحت أي شعار
عليك أن تنتشل نفسك من مشيئة الظروف
ومن مشيئة الناس
فالحياة حياتُك
والعمرُ عمرُك
والرحلةُ رحلتُك
والوحدةُ وحدتُك
والموتُ موتُك
د. عادل مصطفى

الفراغ الوجودي ومرضى اضطراب الشخصية الحدية Borderline Personality Disorder

إن الفراغ الوجودي existential vacuum  هو المطلح الذي أطلقه فيكتور فرانكل على فقدان الفرد للشعور بأن حياته ذات معنى. والفراغ الوجودي ظاهرة واسعة الانتشار في القرن العشرين - والواحد والعشرين - . ويكشف هذا الفراغ عن نفسه في حالة الملل. الملل مو آيةُ (علامة) الفراغ الوجودي. فالفراغ هنا فراغٌ من المعنى وليس فراغاً من المشاغل والتلهيات.

ومن المتوقع أن تتفاقم مشكلةُ الفراغ هذه بدرجة خطيرة على مر الأيام نتيجة التقدم الآلى والتكنولوجي الذي من شأنه أن يطرح فائضاً وقتياً رهيباً في حياة الشخص العادي. ولنا أن نتوقع أعداداً هائلة من البشر لا يعرفون ماذا يفعلون بكل هذا الوقت.

من تمثلات هذا الفراغ الوجودي حالةٌ تُعرف باسم (عُصاب يوم الأحد) Sunday Neurosis  أي عُصاب يوم العطلة الأسبوعية {ولنا أن نسميه في الشرق العربي عُصاب الجمعة} . وهو نوع من الاكتئاب والكرب يُصيب الأشخاص الذين يصيرون واعين بما يَنْقُص حياتهم من مضمون حينما ينحسر اندفاع الأسبوع المزدحم بالمشاغل، ويصبح الفراغُ بداخل نفوسهم جلياً مُدَوياً . يَعرِف هذا اللون من العُصاب كل معالج ممارس ، ويراه في صورته الصارخة عند مرضى اضطراب الشخصية البينية (الحدية) BPD وهم النماذج المثلى للفراغ الوجودي ، إذ تزداد عليهم وطأة الفراغ الذاخلي يوم العطلة الأسبوعية ويتعرضون للانتكاس والتناثر ، وكثيراً ما يتلفنون (أي يتصلون بالتليفون) المعالج متشبثين به مستغيثين من هَولِ الوحدة وعضة الفراغ.

مدخل إلى العلاج النفسي الوجودي - رولو ماي و إرفين يالوم

ما هي الحياة الصالحة من وجهة نظر العلاج النفسي الوجودي ؟

إن ذاتية الإنسان لَتُنتَهَك منذ هو في المهد وتُلجِئُهُ إلى خداع النفس. والانتهاك Violation هو كل موقف تتعرض فيه رؤية المرء الشخصية للقمع والتسفيه والحظر والمصادرة ، ويتعرض فيه تكامُلُه الداخلي للخطر والتفسخ ، ويطر فيه اضطراراً إلى تبني وجهة نظر "الآخر" والانصياع لفكرِه . وهو في أغلب الأحوال فكرٌ قائم على الهوى الشخصي لهذا "الآخر" الذي يأبى أن يرد فكره إلى مجرد هوى شخصي ، بل يريد أن يفرضه على المرء بالقهر والإرهاب.

كثيراً ما يضطر المرء ، لحرصه على إرضاء الآخرين ومعايشتهم وإيثاراً للسلامة والعيش الرخِيَ ، أن يُغْضِي عن هذا الانتهاك وينفيه من ساحة الشعور ويبقى مُستَلَباً مُعَمَّي عن ذاته الحقيقية ويتبنى التقِيَّة والكتمان والكبت والمسايرة كأسلوب حياة. وترى الوجودية أن الصحة النفسية هي على النقيض التام من ذلك. فالوجود الأصيل authentic being يهتف بالمرء أن يكون شُجاعاً صريحاً يعبر بوضوح وبملء فيه عما يريد وأن يكون نفسَه في كل موقف.

وهل تكون ماهيةُ الواقع سوى هذا الصدق والوضوح والخصوصية؟ وهل تكون حياةُ التعامي والانتهاك والتقية سوى الزيف والوهم واللاواقع ؟ إن المريض في المشهد العلاجي مدعو إلى أن يُفْضي بذات نفسه ويعلن عنها بجسارة ويستكشفها بعمق ويعيها بوضوح . والكبت repression  والانتهاك violation. وهو بذلك يعيد الرابطة المفقودة بين رغباته وأفعاله ومصائره. وهي رابطة لا غنى عنها لتكامل الشخصية ووحدتها وحيويتها وتطورها.

إن الحياة الصالحة هي تلك الحياة التي لا يتم فيها خَنْقُ أي جانب من الشخصية أو التضحية به لحساب جانب آخر ، بل تجد فيه كل أجزاء الكائن مُتَّسعاً للنمو. ولا مُتَّسعَ ولا نمو إلا بثمن على المرء أن يدفعه من راحتِه وأمانه ومن رضا الآخرين.

مدخل إلى العلاج النفسي الوجودي - رولو ماي و إرفين يالوم - ط1/ 2015 - رؤية للنشر والتوزيع

الثلاثاء، 25 يونيو 2019

الأخصائي النفسي ، والطفل الرضيع ، والمطرقة : لا تُجرِب هذا في المنزل!

كلن هُناك طالبة خريجة جميلة تحمل طفلاً رضيعاً ، عندما كان أحد الأخصائيين المتميزين المطرقة .
لوحت بيدها ببُطء في الهواء لتجذب انتباه الطفل الرضيع ، لكي ينظُر إليها ، ولا يُدير رأسه لينظر فوقه أو خلفه.
ونظراً لحيرة الطفل ، فلم يلاحظ القضيب الصلب الذي يبلغ طوله أربعة أقدام ، وسُمكَهُ 3/4 بوصة ، مُتدلٍ من السقف.
ولم يرى الرجل الذي يرفع المطرقة وبشدة طرق بها القضيب المعدني.
وينص الكلام المتداول في بحوثهم " على أن الطفل بدا عنيفاً ، وتم فحص تنفسه ورفع ذراعيه " . وعندما طرق عالم النفس القضيب المعدني مرة أخرى ، نجد أن شفتي الطفل تجعدت وارتعشت وانفجر في بكاء مفاجيء (Watson, Rayner, 1920, p.2).

هل خمنت أو فكرت من هؤلاء الناس وماذا يفعلون ؟ لقد أصبح ذلك الطفل الذي خضع لهذه التجربة معروفاً و مشهوراً ، وهو الطفل الرضيع ألبرت Little Albert  أكثر المشهورين في تاريخ علم النفس ، وكان عالم النفس الوسيم الذي يبلغ من العمر 42 عاماً هو "جون واطسون" John B. Watson ، مؤسس مدرسة الفكر التي تُسمى بالسلوكية. ومساعدته هي رينر R. Rayner التي تبلغ من العمر 21 عاماً ، وهي طالبة خريجة ، سافرت بسيارتها Stuts Bearcat إلى حرم جامعة "جونز هوبكز" ، وكانت أغلى سيارة سباق في ذلك الوقت. وغيرا معاً علم النفس ، وبهذه العملية أنهيا المسار الأكاديمي للعبقري واطسون.

كان ألبرت - الطفل الرضيع - غير معروف ، عندما كان عمره 8 شهور و 26 يوماً ، عندما طرقَت المطرقة القضيب المعدني خلف رأسه . فهو طفل سعيد يتمتع بصحة جيدة ، اختاره "واطسون" بدقة ليكون موضوع بحثه ، لأنه يبدو أنه مُستقر انفعالياً ولا يُستثار بسهولة.

وقبل شهرين من أن يُفاجأ بضربات المطرقة - أي قبل أجراء التجربة - كان ألبرت يُطهر تنوعاً من المثيرات ، التي تشمل الفأر الأبيض ، والأرنب ، والكلب ، والقرد ، والصحف المحترقة ، وتشكيلة من الأقنعة . ولم يُظهر أي خوف تجاه تلك الأشياء . وفي الواقع لم تلاحظ أم ألبرت ولا أي فرد آخر أن الطفل أظهر خوفاً من أي نوع في أي موقف - حتى ذلك اليوم الذي دخل فيه المعمل.

وبعد أن طرق "واطسون" القضيب المعدني في البداية ، خاف ألبرت لأول مرة في حياته. وهذا أعطى واطسون استجابة انفعالية غير مشروطة عمل عليها. فكان يُريد أن يكشف ما إذا كان يستطيع أن يتسبب في استجابة انفعالية مشروطة - كخوفه من الفأر الأبيض الذي لم يخف منه من قبل ، عن طريق مصاحبة رؤية الفأر بضوضاء عالية مُخيفة. وبعد سبع محاولات أظهر الطفل خوفه في كل مرة يرى فيها الفأر ، حتى ولو لم يطرق القضيب خلفه.

أسس "واطسون" و "رينر" ، استجابة الخوف تجاه شيء محايد ، وقاما بذلك بسهولة وبفاعلية. وأوضحا أن استجابة الخوف لألبرت يمكن تعميمها على الكائنات البيضاء الخرى ذات الفروة مثل: الأرنب ، والكلب، والبالطو ذي الفرو ، والقناع.

وتوصل "واطسون" إلى أن مخاوف الكبار ، وأشكال القلق ، والمخاوف يجب أن تكون استجابات انفعالية مشروطة ، والتي تكونت في الطفولة وظلت معنا طوال حياتنا.

تاريخ علم النفس الحديث - داون شولتز ؛ سيدني إلن شولتز - المركز القومي للترجمة - ط1 / 2017

الاثنين، 24 يونيو 2019

هل يُطبق المعالجون المعرفيون السلوكيون العلاج المعرفي السلوكي على أنفسهم عندما يواجهون المشاكلات ، سواء داخل العلاج أم خارجه ؟

إيها المُعالِج مارس ما تدعو إيه
هل يُطبق المعالجون المعرفيون السلوكيون العلاج المعرفي السلوكي على أنفسهم عندما يواجهون المشكلات ، سواء داخل العلاج أم خارجه ؟ 
ليس دائماً ، كم يؤيد البعض أسطورة المُعالج غير المُضطرب (Adams, 2014) ، توضح لنا خبرتنا في التدريب والإشراف على المُعالجين ، أن بعض المعالجين يظنون أن العلاج المعرفي السلوكي يُقدَّم للمرضى ، ولا يُطبَّق على أنفسهم ، وأن الآلية المعرفية السلوكية تهدف إلى علاج مشكلات الآخرين ، وليس مشكلات المُعالجين أنفسهم ، ويُعدُّ هذا التوجه مؤسفاً ، لأنه يؤدي بهؤلاء المعالجين إلى ممارسة العلاج المعرفي السلوكي دون اقتناع حقيقي به ، و لايقدرون الصعوبات التي يواجهها مرضاهم في تنفيذ مهارات العلاج المعرفي السلوكي في حياتهم اليومية ( ومن المرجح أن يروا مرضاهم  ’’مقاومين للعلاج’’ إذا توقف التقدم في العلاج) ويفعلون ما هو ضروري لكي يُنظر إليهم على أنهم متخصصون محترفون (مثل التدريب الإضافي ، وحضور ورش العمل، والخضوع للإشراف المنتظم) ولكنهم يفتقرون إلى العنصر التجريبي لاستخدامه على أنفسهم ، وعلاوة على ذلك ، إذا ذهب بعض هؤلاء المعالجين في نهاية المطاف طلباً للعلاج النفسي ، فمن المرجح أن يختاروا منهجاً مُختلفاً في العلاج النفسي ، مثل العلاج النفسي الدينامي  Psycho-dynamic Therapy  (( أعرف كل شيء عن العلاج المعرفي السلوكي )) وأفعل ذلك كل يوم ، وأريد أن أجرب شيئاً جديداً ومختلفاً لنفسي ، وسوف نقدم ثلاث ملاحظات على هذا الرد:
1- إنه شخص مُتسرع يدعي أنه ((يعرفكل شيء عن العلاج المعرفي السلوكي)) ونحن نشك أن "أرون بك" ، مؤسس العلاج المعرفي السلوكي يستطيع ادعاء ذلك ، لأنه قد حدد بعض المجالات في العلاج المعرفي السلوكي التي تحتاج إلى البحث مستقبلاً (Beck and Dozois, 2011) ومن واقع خبرتنا ، فإن أولئك الذين يزعمون أنهم يعرفون كل شيء عن العلاج المعرفي السلوكي لم يدركوا بعد مدى اتساع وعمق هذا المنحى ، ومن ثم يعتقدون أن مشكلاتهم لايمكن احتواؤها من خلال هذا النموذج ، ومع الأسف هناك عدد قليل من المعالجين يشاركون في تحريف العلاج المعرفي السلوكي ، وعلى سبيل المثال ، أن يشير هؤلاء إلى أن العلاج المعرفي السلوكي في الأساس هو استبدال التفكير السلبي بالتفكير الإيجابي .. ، وربما هذه هي الطريقة التي يمارسون بها العلاج على مر السنين ، ووفقاً لهذه الوجهة من النظر ، فإن المُعالج سوف يمارس العلاج المعرفي السلوكي بطريقة آلية ، وربما لايكتسب مزيداً من المعلومات حول هذا المنحى عند نهاية حياته المهنية ، أكثر مما كان عليه في البداية.
2- إن تجربة "شيء جديد ومختلف لنفسي" يعني تلقي العلاج المعرفي السلوكي كمريض ، وليس كمعالج ، ويشير "بادسكي" Padesky إلى أن " العملية النهائية {بعد التدريب والأشراف} التي تعزز كفاءة المعالجين المعرفيين السلوكيين هي المشاركة في العلاج المعرفي السلوكي كمريض ، وذلك من أجل فهم كامل للعملية العلاجية ، ولا يوجد بديل لاستخدام العلاج المعرفي السلوكي على أنفسنا (288: 1996) ، وقد يجد بعض المعالجين مناحي أخرى بديلاً أفضل.
3- إن ممارسة العلاج المعرفي السلوكي مع المرضى ، واستخدام منحى آخر عند معالجة المشكلات الشخصية ، يوحي بوجود انشقاق بين العقل والقلب: حيث يستجيب العقل للمنحى المعرفي السلوكي الاقائم على الأدلة التجريبية ، والمشاركة النشطة ، ومحدد الوقت ، والذي يتعامل مع عدد هائل من الحالات ، بينما يتوق القلب لاستكشاف منحى غير مقيد ، ومجرد من كل أشكال المقاييس ، وجداول الأعمال ، وأهداف الجلسات العلاجية ، والواجبات المنزلية "حيث يمكنني أن أكون نفسي، وأتجول أينما أريد، عندما أريد" كما قال لنا بعض المعالجين ، وعلى الرغم من أن هؤلاء المعالجين قد يكونوا ماهرين في ممارستهم للعلاج المعرفي السلوكي ، فإنهم يقدمون شخصية زائفة إلى مرضاهم ، لأنهم إذا سألوا من قبل مرضاهم ، هل تطبقون العلاج المعرفي السلوكي على أنفسكم ، سوف تكون الإجابة لا ، ومن خلال فحص وإعادة تشكيل معارفهم المختلة ، يظل المعالجون متسقين مع ما يقولونه في الأماكن العامة ، ويفعلونه مع أنفسهم ، ومن ثم يطبقونه مع مرضاهم.
إذا اختار المعالج المعرفي السلوكي أن يلجأ إلى أحد المتخصصين في العلاج المعرفي السلوكي ، فمن الأفضل ألا يختار زميلاً له ، وذلك للأسباب الآتية: قد تمنع درجة المودة بينهما إفصاح المريض عن كل ما يجول بخاطره "هل أريد حقاً أن يعرف ذلك عني؟" وقد يحدث الرضا عندما يناقش خبيران في العلاج المعرفي السلوكي حالة المريض ، كما لو كان إشرافاً مشتركاً طارئاً تبعاً لحاجة المريض ، بينما يحدث التوتر عندما يضع المريض المعالج تحت الملاحظة ، لمعرفة مدى كفائته ، ويسعى المعالج إلى إقناع زميله بمهارته ، والنتيجة عدم جدوى العلاج ، ويتضح ذلك من خلال توتر علاقتهما بعد العلاج، ويمكن الشعور بذلك داخل القسم الذي يعملان به.
نجد من خلال خبراتنا أن بعض المعالجين المعرفيين السلوكيين ، الذين يلجؤون إلى العلاج المعرفي السلوكي يقللون من فاعلية الإجراءات نفسها التي استخدموها بنجاح مع مرضاهم ، من أجل إثبات أن مشكلاتهم معقدة جداً بالنسبة إلى العلاج المعرفي السلوكي ، ويستخدمون مصطلحات العلاج المعرفي السلوكي بكثرة ، في محاولة لإثارة إعجاب المعالج بدون إبداء أي قناعات بما يقولونه ، أو يبدون بعض الحيرة بشأن كيفية تطبيق العلاج المعرفي السلوكي على أنفسهم.
درايدن، ويندي ؛ نينا، مايكل -العلاج المعرفي السلوكي - مكتبة الانجلو المصرية - ط1/ 2019

الأحد، 23 يونيو 2019

لم أرى دماً احمر ؟

قصة حقيقية
.. في ذلك اليوم كُنت أجلس أصمم بيني وبين نفسي على غلق عيادتي الطبية حين دخلَت هذه الفتاة . شدتني إلى عينيها نظرة غريبة مذعورة تبحث بلهفة في عيني عن النجدة ، وبمرور السنين نسيت ملامح الفتاة تماماً لكن هذه النظرة في عينيها إنحفرت في ذهني وأصبحت جزاءاً مني.
لم تكن وحدها . كان معها رجل قال بصوت غليظ منفعل: 
- أرجو يا دكتورة أن تفحصيها.
ووجهت سؤالي إلى الفتاة قائلة: بما شكين؟ ولكنها أطرقت ولم ترد. وقال الرجل بصوت أكثر غلظة وانفعال أشد: تزوجنا بالأمس واكتشفت أنها ليست عذراء.
وسألته: وكيف اكتشفت ذلك ؟
وقال بغضب : هذا شئ معروف لم أرى دماً أحمر!
وحاولت الفتاة أن تفتح فمها لتقول شيئاً. لكنه قاطعها قائلاً:
- إنها تدعي أنها بريئة ولهذا جئت إليك لتفحصيها.
واتضح لي بعد الفحص أن الزوجة تملك غشاء بكارة وانه سليم تماماً ، ولكنه من ذلك الذي يُسمى في الطب بالنوع "المطاط" يتسع ويضيق بمرونة دون أن يتمزق ودون أن تسيل منه قطرة دم واحدة.
وشرحت الأمر للزوج بدقة ، وكان رجلاً مُتعلماً سافر إلى الخارج في بعثة. وخُيلَ إليَّ أنه اقتنع ، وتنهدت العروس كأنها تتنفس لأول مرة بعد طول اختناق.
لكن الأمر لم يكن بهذه البساطة . بعد أيام قليلة جاءتني الفتاة وحدها . لم يكن وجهها وجه فتاة الثامنة عشر التي رأيتها منذ أيام وإنما وجه امرأة عجوز شاخت قبل الأوان ورسم الحزن و الألم على وجهها تعبيراً غريباً أشبه بوجوه الموتى التي رأيتها كثيراً في ظل مهنة الطب.
وقالت بصوت مشروخ: طلقني وكادت تكون فضيحة لولا أن أبي تكتم الأمر.
وسألتها: وهل يفهم أبوك ؟
وهزت رأسها بالنفي وكست عينيها الذبلتين سحابة أوحت بدموع سالت وجفت حتى نضجت تماماً.
وقالت: لا أحد يعرف براءتي إلا أنت يا دكتورة . وأنا الآن أعيش في خوف من انتقام أبي وأخي.
ذهبت معها إلى أبيها وشرحت له الأمر. قلت له أن أبنته عذراء ، وأن غشاء البكارة من النوع المطاط الذي لايتمزق إلا عند ولادة أول طفل.
ودُهش الأب حين سمع هذه الحقيقة العلمية وضرب كفاً على كف وقال في غضب: هذا يعني أن ابنتي اتظلمت.
قلت: نعم.
قال: ومن المسؤول عن هذا الظلم؟
قلت: أنتم ... زوجها وأهلها !
قال بغضب: بل أنتم المسؤولون يا أطباء ! لأنكم تعرفون هذه الحقائق وتخفونها عن الناس ، ولولا هذه الحادثة التي حدثت لإبنتي بالصدفة لما عرفت شيئاً . لماذا لاتشرحون هذه الأمور لكل الناس.
انه واجبكم الاول حتى لا تُطلم مثل هؤلاء الفتيات البريئات.

د. نوال السعداوي - من كتاب المرأة والجنس - مكتبة مدبولي بالقاهرة - طبعة2 - 2006

الأربعاء، 19 يونيو 2019

ما هو الإرشاد الأسري وأهدافه ؟

الإرشاد الأسري: هو عملية مُساعدة مدروسة يُقدمها مُرشد (مشير) أسري متخصص في استخدام أسس الإرشاد (المشورة) وفنياته لمساعدة الأفراد والأسر في شكل إنفرادي أو جماعي ، لحل المشكلات وتحقيق الأستقرار والتوافق والتكيف الأسري ويتضح من هذا أن الإرشاد (المشورة) الأسري ليس مجرد إعطاء نصائح لحل مشكلة ما ، بل هو أسلوب علمي يسير وفق أهداف وخطط مرسومة ومحددة لتخليص (مساعدة) الفرد والأسرة من المتاعب والمشاكل التي يعيشونها ، مع تكوين أتجاهات عقلية خالصة تساعدهم على التخلص من الاتجاهات الانفعالية التي تعوق تفكيرهم أو تمكنهم للحد منها ، لذا ليس من الأخلاقيات أن يهب كل من شاء لممارسة الإرشاد الأسري.

أهداف ممارسة الإرشاد الأسري: 

  1. المحافظة على الصحة النفسية للأسرة وأعضائها.
  2. إحداث تغييرات إيجابية في الأفكار والمعتقدات والسلوكيات الخاطئة لدى أعضاء الأسرة.
  3. مساعدة الأسرة وأعضائها على حل المشكلات واتخاذ القرارات وتحقيق الوعي في التعامل الأمثل مع ضغوطات الحياة المختلفة.
  4. تحقيق الذات مع تكوين مفهوم إيجابي عن الذات لدى أعضاء الأسرة ، ثم تكوين اتحاد ذاتي للأسرة ككيان واحد مترابط.
  5. تنمية التواصل والتفاعل الإيجابي بين أعضاء الأسرة وتحقيق التكيف الاجتماعي للأسرة ككل.

الثلاثاء، 18 يونيو 2019

المشكلات الزوجية وتأثيرها

إن الخلافت الزوجية مع استمرارها تضرب بنيان الأسرة واستقرارها كله ؛ ليس من يناله الاضطراب الزوج والزوجة فقط بل الأولاد أيضاً وهنا تكمن الخطورة. فالخلافات الزوجية تساعد على تنشئة جيل من الأطفال مُضطربين نفسياً حتى لو تم توفير كل سبل الراحة المادية والترفهية لهم.
فلنأخذ مثل ؛ قد يلجأ أحد الزوجين - إو كلاهما - إلى تعويض النقص العاطفي والتنفيس عن نفسه من خلال إثبات الذات في مجال العمل ، وتكثيف العلاقات الاجتماعية خارج المنزل ، والسعي نحو مركز اجتماعي مرموق ، أو إشغال الوقت بأعباء كثيرة من الأعمال والزيارات والنشاطات - حتى لو كانت نشاطات خيرية - وغيرها.
فإن السلوك التعويضي المشار إليه بأعلى إذا قام به أحد الزوجين أو كلاهما ، يُعَد هروباً من المنزل لتفادي المشاكل والخلافات ، ولكنه ينعكس سلباً على العلاقة الزوجية . فالمشكلة ما زالت قائمة وهذا التصرف (بالهروب التعويضي) لم يحلها لكنه عمل على طول مدة الشكل الظاهري للعلاقة الزوجية - ولكنه كبركان يحتمل انفجاره في أي وقت - وأجلاً أم عاجلاً ستنفجر النزاعات بشكل مؤذٍ قد يؤدي إلى تحطيم كيان الأسرة والرابطة الزوجية.

الثلاثاء، 11 يونيو 2019

قصيدة لجبران خليل جبران عن الزواج


الزواج[1]

لقد وُلِدتُما معاً ، ومعاً تظلاّن إلى الأبد،

ومعاً تكونان ، حينما تذهب بأيامكما أجنحةُ الموت الشَّهبْاء.

أجل كذلك تظلان معاً ، في سِرِّ الله المكْنون.

ولكن ، فَلْيَتَخَلَّلِ التئامكما فُسْحات ؛

حتى تُتاح لرياح السَّماوات أن ترقص بينكما.
***
ليُحِبَّ أحدُكما الآخر ، ولكن لا تجعلا من الحبِّ قيداً ،

بل اجعلاه بحراً مُتَدَفِّقاً بين شواطئ أرواحكما.

وليملأ أحدكما كأس رفيقه ، وحذارِ أن تشربا من كأس واحدة.

وليُعْط أحدكما الآخر من خُبْزه ، وحَذار أن تجتمعا على رغيف واحد.

غنِّيا وارقصا وامرحا معاً ، ولكن لِيَخْلُ كلٌّ إلى شأنه ؛

فإن أوتارَ القيثارة مشدودة على افتراق ، وإن خَفقتْ جميعاً بلحن واحد.

***
وَليَهَبْ كلٌّ منكم قلبَه لعشيره ، لكن دون أن يستأثر به ،

فَلِيَدِ الحياةِ وحدَها أن تَسَعَ قلبيْكُما.

ولتنهضا متكافيْن ، لكن دون أن تتلاصقا ؛

فإن أعمدة المعبد على انفصال تقوم ،

والسَّنْديان والسرَّوْ لا ينمو بعضُها في ظلِّ بعض.




] قصيد "جبران خليل جبران" من كتاب "النبي" ترجمة ثروت عكاشة – دار الشروق ط12/ 2008

الأحد، 9 يونيو 2019

سوء استخدام الأدوار الوظيفية في الأسرة يسبب الصراعات والمشاكل


فمطلب التغير أمر عادي من حياة الأسرة ، وينبغي أن ننبه أن الصعوبات العادية ليست هي التي تخلق المشكلات وإنما سوء تناول الصعوبة المزمن هو الذي يخلق المشكلة. إن أفكار ضرورة التغير ، ومعاملة التغيرات النمائية العادية كما لو كانت مشكلة ، والنضال من أجل ما نتصوره كمالاً ، كل ذلك يحتمل أن يؤدي إلى الضغط الأسري. وبصفه عامة ، فإن رد فعل سوء الوظيفة الأسرية قد يُقابل بالعمل المتطرف أو المُبالغ فيه من قبل أفراد الأسرة. فالأسرة التي تضيق على ابنها الذي بلغ مرحلة المراهقة وتظل تعامله كطفل قد يزداد عناداً ويبالغ في تحطيم القواعد الأسرية فيزداد ضغط الآباء وعقابهم له مما يجعله يتأكد من أنه مُضّيَق عليه وأنه هدف للظلم والاضطهاد أيضاً ، مما يزيد ثورته وهكذا . وتأتي المشكلة أيضاً عندما يحاول بعض أفراد النسق الأسري القيام بأدوار غير دوره أو أن يستمر في ممارسة دوره الذي ينبغي أن يتغير مع التغيرات الجديدة. وكثيراً ما يقع الأجداد في هذا الموقف حيث يستمرون في التمسك بالدور الوالدي مع أحفادهم فيتدخلون في أساليب تربة أحفادهم بقواعد وأساليب تختلف في كثير من الأحيان مع قواعد وأساليب الوالدين مما يسبب مشاكل في جوانب النسق الأسري

الجمعة، 7 يونيو 2019

بحث في الحياة الأسرية كمنظومة أو نسق رؤية: اجتماعية / نفسية (5)


 تفكك الرباط الزوجي (الهجر والطلاق)
          قد يؤدي أي من التصدع أو الصراع الزوجي الخفي أو الصريح إلى التفاقم الذي ينتهي بانفصام عرى الرباط الزوجي عملياً ومادياً في الهجر الفعلي أو الطلاق. أما الهجر الفعلي فيتخذ على الأغلب شكل الزواج من امرأة ثانية بدون طلاق الأولى التي تُتَرك مع أولادها. بينما يرحل الزوج إلى منزل زوجية جديد قاطعاً صلته بشكل كامل بالعلاقة الزوجية الأولى ، ومتخلياً عن مسؤولياته المادية والرعائية تجاه الأبناء. وقد تظل هذه العلاقات متباعدة وواهنة في حالة من توقف القيام بالدور الوالدي. وقد تنقطع أخبار الزوج – الأب تماماً ، أو هي تبقى معروفة مع حالة من عدم الإكتراث الذي يتفاوت في إصراره.
          وأما الطلاق فيكرس الانفصال مادياً وشرعياً ، مع حالات متنوعة من إدارة الظهر لمسؤولية رعاية الأولاد. فهناك حالات طلاق مع توافق الزوجين المطلقين على سياسة لرعاية الأبناء ، وأخرى يصحبها مختلف ألوان الإهمال والتسيب والنبذ وحرمان الزوجةوأبنائها من حقوقهم.
          يقوم كل من الهجر والطلاق على أرضية من إنطفاء الرباط العاطفي – الجنسي. سيحب كل التوظيف العاطفي مولداً حالة من الحياد والتباعد تجاه الآخر. وفي حالات أخرى يحدث التباعد بعد فترة من المجابهات والمنازعات تطول أو تقصر يحدث فيها توظيف مضاد للعدوانية تجاه الآخر والحرب عليه ، ومحاولة إنزال أكبر الأذى به. أما طاقة الحب التي يتم سحبها ، فيعاد توظيفها في علاقة بديلة ، أو هي تركز في الذات على شكل استعادة للاعتبار المفقود ، وإزالة للغُبن الذي وقع عليها. وهنا تبدو العدوانية مبررة كدفاع عن الذات ، وإنقاذاً لها من علاقة حملت المعانة والإحباط والأذى. ولابد من تحميل العلاقة المنفصمة هذه الأوزار كلها كي يمكن للعدوانية أن تمارس فعلها في نوع من راحة الضمير ، وفي تبرير لسلوك الانفصال لايدع مجالاً للشعور بالذنب. ذلك أن الإنسان لايمكنه عن وعي تحمل مسؤولية عدوانيته تجاه الآخر. لابد لهذه العدوانية أن تجد لها المبررات التي تجعلها تتخذ طابع الدفاع المشروع عن الكيان الذاتي ومصالحه. وإلا فإن مشاعر الذنب والخطيئة ستجتاح المرء ، الذي يقع عندها في أزمة نفسية داخلية لا قِبَل له بتحملها. وحتى يفعل نجد كل من الزوجين المنفصلين ، أو أحدهما الذي بادر بالأنفصال ، يبالغ في تسويد صورة الآخر وتحميله كل الأوزار والمثالب ، مما يجعل سلوكه يبدو حلاً مشروعاً يحمل له الخلاص. ولا تستمد العدوانية من الإحباط العلائقي وحده إلا في عدد نحدود من الحالات التي تنتهي بالانطفاء والحياد. أما في الحالات الأخرى فإن القرين يتحول إلى موضوع لإسقاط كل مصادر الإحباط الوجودي. وكأن مآسي الكيان الذاتي ، وعثرات الوجود وما تولده من احتقانات نفسية وغيظ وحقد ورغبات في التشفي تنحصر كلها في العلاقة الزوجية المُحبطة.
          ومن هُنا يمكن فهم حالات التشفي ومحاولة إنزال أشد الأذى بالقرين فيما يتجاوز المبررات الواقعية – الموضوعية. إنه يتحول إلى مصب لاستقطاب كل طاقة العدوان المتراكمة من مختلف منحي الوجود. كما يمكن فهم ذلك الإصرار العنيد على استمرار الرغبة في التشفي خلال إجراءات الطلاق وبعده ، ورفض كل محاولة للتوافق على سياسة انفصال معقولة. إن إزاحة كل مصادر تفجر العدوان على قرين – ضحية من الآليات النفسية المألوفة. يحدث هنا إنشطار ما بين الشر الذي يتجسد كله في القرين لبمُطلَّق ، وبين الخير الذي يتجلى في كل ما عداه. يتيح هذا الإنشطار تحرير المرء من الصراعات الذاتية ، مما يسمح له بالشعور باسترداد هناء العيش ، والإنطلاق في مشاريع وعلاقات جديدة بعد أن تم له الخلاص من مآسي الغُبن الكياني التي أسقطت كلها على القرين المُطلَّق. تؤدي هذه الحالات عموماً إلى طمس مشاعر الوالدية تجاه الأبناء وصولاً إلى تحويلها إلى ضدها على شكل نبذ عدواني ، حين تسقط عليهم نفس دلالة السوء والشر التي أسقطت على القرين.
          كما أن العدوانية تجاه الشريك المُطلَّق قد تشتد وتتفاقم في حالة من الدفاع النفسي ضد أي مشاعر أرتباط عاطفي لازالت كامنة. تفاقم العدوانية ضروري لتحقيق الإنشطار حتى لايظل هناك أي مجال لإمكانية الشك بوجود مشاعر رغبة عاطفية – جنسية تجاه هذا القرين ، قد تلغم مشروع الأنفصال. العدوانية هنا تقوم بدور مقاومة إغراء العودة إلى الارتباط بالقرين المُطلَّق. وهو إغراء وارد في حالات لا يستهان بها من تلك التي يعود فيها الزوج إلى زوجتع بعد إنفصال عنها ، على خلفية من التجاذب العاطفي العميق تجاهها ذي الطابع المرضي. الاقتراب من القرين يؤدي إلى إطلاق آلية التباعد ، بينما الانفصال يؤدي إلى إحياء دوافع التعلق الكامن.
          تُبين هذه الحالات وسواها ، كم أن تفكك الرباط الزوجي قد يكون معقداً ومأزقاً ، مما يعود إلى تنوع الرغبات والحاجات تجاه القرين نفسه. وعلى العكس من ذلك قد يحدث الانفصال بشكل دائم في حالة من تصفية العلاقات بسرعة.
          تتعدد دوافع الانفصال كثيراً ، تبعاً لتعدد مقومات الإرطبا التي تم استعرضها ودخولها في مآزق غير قابلة للاستيعاب والتسوية . إلا أن أبرزها تعود إلى أسباب نفسية تتعلق بمستوى النضج النفسي والنضج العاطفي الجنسي.
          سيادة الأنانية والتركيز الطفلي حول الذات هو أبرز أشكال قصور النضج النفسي الذي يؤدي إلى الانفصال . وهنا تبرز حالات الأرتباط غير الواقعية أو غير المُعَد لها جيداً كي تستمر.
          أما قصور النضج النفسي – الجنسي هو أبرز أسباب تعثر الارتباط العلائقي المستقر والقابل للنماء. وتأتي  على هذا الصعيد حالات الارتباط النزوي القائم على اندفاعية آنية بدون غد.
          ويضاف إلى هذه الأسباب النفسية عوامل اجتماعية – ثقافية ، من مثل شيوع عادات الطلاق والانفصال وسهولته . وكذلك تراجع القيمة الاجتماعية للأسرة والزواج والوالدية في الأوساط التي تعلي شأن تحقيق الذات الفردي من خلال الإنجازات المهنية أو العامة . هنا يبدو الارتباط الزوجي كمعوق في طريق تحقيق النجاح والإرتقاء لايجوز تحمل اعبائه ، في نوع من التناقض الثنائي: الإنجاز أم الزواج.
          وكما هو شأن التصدع فإن الأبناء هم الذين يدفعون الثمن الأكبر في حالات التفكك على اختلافها ، على شكل صيغ متنوعة تتراوح ما بين الانكسار النفسي ، والأزمات النفسية ، وبين سلوكيات التمرد وسوء التكيف المدرسي والاجتماعي.
          يعاني الأطفال قبل الطلاق من جو انعدام الطمأنينة الذي يصاحب الصراعات الزوجية ، التي قد تطول أو تقصر ، متخذة أنواعاً من العدوانية المتبادلة ، يعيش الأطفال هذا الجو كتهديد لوجودهم ، ويفتح أمامهم قلق المجهول ، وقلق الانفصال المصاحب لمخاوف تجسيد الطلاق فعلياً . يحس الطفل من هؤلاء أنه معرض لخطر الضياع وبالتالي الهلاك ، مما يبين مدى الأذى المصاحب لقلق الانفصال أو التهديد به. ويتفاقم قلق الطفل كلما صغر سنة بالطبع. ويأتي تصعيد هذا القلق من كونه يعتبر أن التهديد بالانفصال بين الزوجين سيتحقق لا محالة. ونظراً للأنوية المميزة لهذا العمر ، يعتبر الطفل أن الوالدين موجودان ومرتبطان زوجياً لأجله هو وأن انفصالهما الممكن هو دليل غضبهما منه لإثم أو خطيئة ارتكبهما ، أو عدم القيمة لايستحق أن يظلان معاً لأجله. وهومحق في ذلك إلى حد ما ، إذ لو كانا يقيمان وزناً لمصالحه وحاجته إلى الحب والرعاية فعلاً لحافظا على الحياة الأسرية من أجله.وكونهما يتوجهان نحو الانفصال ، فإن الطفل يقع أسير مشاعر الذنب الشديدة التي ترتد على ذاته ، إدانة وملامة لها على خطيئتها أو عدم استحقاقها للقيمة. تمثل هذه الزمة الكيانية الداخلية عند الطفل الوجه الآخر لكل من قلق أخطار تركه وهجره من ناحية ، ورد فعله الحاقد ضد أهله الذين خانوه من ناحية ثانية. ويتفاعل كل ركن من هذه الثلاثية (إدانة الذات ، قلق الهجر ، الحقد على الخيانة) مع بقية الأركان كي تعصف جميعها بتوازن الطفل النفسي. هذا في الوقت الذي ينشغل فيه الوالدان بصراعاتهما وتصعيد عدائهما المتبادل ، وتأزيم جو إنعدام الطمأنينة في الأسرة ، وهما لاهيان عن المعاناة التي تعصف بأطفالهما ، وغير مقدران لمقدار الأذى النفسي الذي يمكن أن يلحق بهم.
          على هذه الأرضية العامة من إنعدام الطمأنينة نلاحظ حالات من تعاطف الأطفال مع الأم إذا كانت ضحية عدوان الأب . فالطفل نظراً لضعفه واحتمال تعرضه للخطر بسبب سنه وقلة إمكانات حمايته لذاته ، يتعاطف عادة مع الطرف الضحية . وهو ما يضعه بالطبع في وضعية أكثر حرجاً ومأزقية ، وأصعب تحملاً على النفس ، وبالتالي أكثر تسبباً لإلحاق الأذى النفسي به.
          وقد يصل الأمر حد بروز المعسكرات التي سبق الإشارة إليها ، حيث يزج الأطفال في المعركة مع أحد الطرفين ضد الآخر في الوقت الذي هم بأمس الحاجة فيه لمرجعية ثنائية ، مطمئنة وراعية من قبل كلا الوالدين. فالطفل لا يشعر بالطمأنينة والأمان والثقة والحماية ، إلا في كنف والدين متحدين.
          وقد يكون الوضع أكثر قسوة على الأطفال خلال فترة الطلاق ، إذا لم يتخذ طابع التراضي ، والانفصال بالمعروف بشكل يراعي احتياجات الأطفال. أما إذا مرّ الطلاق بمرحلة من العدوانية ومحاولة إنزال الأذى بالقرين ، فإن الأطفال هم أكثر ما يضارون. فقد يقوم الأب مثلاً بطرد الزوجة وأولادها (في حالة التنكر لهم) من السكن الزوجي مما يؤدي إلى تعريضهم إلى ظروف بالغة القسوة والتهديد لتوازنهم النفسي ، على شكل ضياع ، وقلق وهلاك. وقد يمتنع بانتظار الحكم عن دفع النفقة التوجبة للزوجة والأولاد مع ما يستتبعه ذلك من تعريضهم لصعوبات مادية ذات آثار نفسية خطيرة . وقد يماطل في إجراءات الطلاق مستغلاً وضعه الشرعي ، و روتين المحاكم التي تتكدس فيها الدعاوي ، مما يطيل أمد شقاء الأولاد والزوجة وقلقهم. وهو قد يتحول إلى صدمات نفسية فعلية تنعكس آثارها على نموهم اللاحق.
          وقد يُستخدم الأولاد أداة في الحرب ضد القرين فيقوم أحد الزوجين بمنع الآخر من رؤية الأبناء انتقاماً منه ، متناسياً أن أكبر آثار هذا المنع ستنصب على الأطفال أنفسهم بسبب حاجتهم إلى استمرار المرجعية العاطفية والعلائقية والرعائية لكلا الوالدين. وغالباً ما يصاحب هذا المنع شحن الأولاد بالحقد على القرين الذي طلّق أو هجر أو خان ، وتشويه سمعته لديهم. تضع هذه الحالة الطفل في مأزق نفسي صعب. فهو بحاجة إلى تكوين صورة مثالية عن كل من الوالدين يطمئن إليها ويحتذيها ويتمثلها ويبني هويته إنطلاقاً من مرجعيتها. وتؤدي عملية الشحن وتشويه السمعة هذه إلى زعزعة بناء هويته بشكل سليم. وهو ما قد ينعكس على شكل اضطراب في نضجه العاطفي – الجنسي اللاحق. من مثل البنت التي شحنتها أمها ضد أبيها ، فيكون أسس اضطراب هويتها الأنثوية ، وزعزعة قدرتها على إقامة ارتباط عاطفي – جنسي معافى حين تصل سن الرشد. والعكس صحيح بالنسبة للفتى في علاقته بالنساء.
          وقد يُقبل الأهل على أمثال هذه الممارسات في حالة من الغرق في أنانيتهم وأنويتهم وإشباع رغباتهم في الانتقام بدون أدنى اهتمام بما سيحل بالأبناء من اضطرابات نفسية لاحقة.
          بعد الطلاق قد يقوم أحد الوالدين (الزوجة عادة) برعاية الأولاد في ظروف صعبة مادياً ونفسياً ، مما ينعكس على توازن علاقتها بهم. فقد يحدث أن تقيم علاقة دمجية ذوبانية مع بعضهم في نوع من تحالف الضحايا ، مما يجعل هؤلاء يظلون أسرى وضعية الضحية هذه ، وفي المقابل قد يكون من نصيب بعضهم الآخر إسقاط وصمة "النحس" عليه ، فهو ثمرة هذا الزواج المأساوي . ويحدث أن تبالغ الأم في وصم الطفل هذا وبالتالي نبذه في حالة من الدفاع اللاواعي عن إحساسها الدفين بالفشل الزوجي وما يحمله من أذى لصورتها عن ذاتها. فبدلاً من أن تجابه فشلها تلقي باللوم على الطفل "المنحوس" الذي لم ترَ على وجهه الخير. وهو ما يفتح أمام هذا الآخير احتمال الانكسار النفسي ، أو التمرد وردود الفعل السلوكية غير المتكيفة ، بل الجانحة.
          وقد يتحول الأولاد ليس إلى أداة للتشفي أو الإسقاط ، بل إلى عبء حين يحرم القرين الذي يتعهدهم فرصة بناء حياة جديدة ، بسبب القيام بواجبات رعايتهم. إننا بإزاء الأطفال – العقبة الوجودية أمام هناء الأم أو الأب - . وهو ثمن باهظ بدوره على الصعيد النفسي. يضيق الأهل ذرعاً بالأولاد  وأعبائهم ، مما يفتح إمكانية مواقف النبذ تجاههم. هنا تصبح العدوانية وإساءة المعاملة مبررة ومادة لتفريج الاحتقان النفسي.
          وقد يتزوج كل من القرينين ويؤسس حياة جديدة ، مع إهمال الأولاد وإدارة الظهر لهم وتسييبهم هنا وهناك : عند جدة مُسنة ، أو جد مُقعد ، أو قريب يضيق بأعبائهم ذرعاً. ويكون الأولاد أمام احتمال الضياع: يتدهور أداؤهم المدرسي ويعصف بهم الاضطراب النفسي ، ويفقدون مهارات التكيف الاجتماعي.


إعداد/ زكريا حبيب - ماجيستير المشورة ؛ دراسات في الإرشاد والعلاج الإسري والزوجي - عضو الجمعية المصرية للعلاجات الجماعية

بحث في الحياة الأسرية كمنظومة أو نسق رؤية: اجتماعية / نفسية (3)

الصراع الزوجي الخفي - أ



          نقصد بالصراع الزوجي الخفي تلك الحالة من انطفاء علاقة العاطفة – الجنس ، أو خفوتها إلى درجة متقدمة ، مع ما يضاف إليها من تراكم التناقضات في التوقعات والسياسات والأولويات وما يتبعها من حاجات . يبدو الرباط الزوجي وكأنه قد استنزف على صعيد العاطفة والشراكة في تحقيق الأهداف على حد سواء. ومع هذا الاستنزاف يتزايد التباين والتناقض وتتقلص منطقة التقاطع بين دائرتي الرباط الزوجي (كل شخص يمثل دائرة) ، كما هو موضح بالشكل التالي، وتتباعد هتاين الدائرتان مما ينشأ عنه عالمان وجوديان مختلفان: كل من الزوجين يبدأ التحرك في فلك خاص به ، على مختلف الصعد والاهتمامات .
على الرغم من هذا الأنطفاء والتباعد ، يحتفظ الرباط الزوجي بمظاهره القانونية والاجتماعية ، لأسباب تتعلق بالسمعة والمكانة ، أو لضرورات مادية أو مصلحية ، أو لضرورات الحفاظ على مرجعية أسرية للأطفال. ونكون عندها بإزاء حياة زوجية تتصف بالتمسك ظاهرياً فقط ، كما يتجلى في الأنشطة الاجتماعية. إنما الواقع كل من الزوجين أو أحدهما على الأقل يدير ظهره للرباط العاطفي – الجنسي ، ويسعى وراء اهتماماته الخاصة. وتستمر مع ذلك الحياة الأسرية إلى ما يحلو للبعض تسميته ’’البيت الفندق’’.
          تتعدد عوامل بروز هذه الحالة التي تتفاوت في درجات التباعد النفسي والانطفاء المميز لها. أبرزها استنزاف الرباط العاطفي – الجنسي لمختلف الأسباب التي ذكرناها سابقاً. ومنها كذلك الانخراط في رباط زوجي لايقوم على تكافؤ معقول يحمل التوازن الكافي والاعتراف المتبادل. ويضاف إليهما التناقضات الكبرى على مستوى التوقعات والسياسات وخصوصاً حالات قصور النضج النفسي.
          يعجز هذا القصور عن توفير مقومات الواقعية والمرونة والتبادلية في الشراكة ، ويحرك ، بعد خفوت مراحل الحماس الأولى ، النزعات الفردية الأنانية التي تؤدي إلى حالات الصدام والمجابهة وما يتبعها من إحباطات. حين يقوم الرباط الزوجي على أسس غير متينة توفر له الصحة والاستمرار ، وحين يندفع أحد الشركاء إلى الارتباط بهذا الشكل متغاضياً عن تناقضات كبرى كامنة ، بسبب من إلحاح رغبة جزئية تطمس التقدير الموضوعي للواقع ، أو هي تطمس الثمن الباهظ الذي يتعين دفعه لقاء إرضاء هذه الرغبة أو هذا الميل ، نكون بإزاء احتمال بروز حالة ما من التصدع الخفي الذي نحن بصدده. وقد لا ينشأ التباعد عن عوامل تكوينية ذاتية بالضرورة ، بل هو يتشكل تدريجياً بسبب تدني صيانة الحياة الزوجية ، أو تراجعها لأسباب متنوعة ، مما يؤدي إلى تراكم التناقضات التي لم تجد لها الحلول المناسبة. ومع هذا التراكم يتزايد التبياين والتباعد . وقد ينشأ التباعد الخفي لعوامل خارجية محضة تعطل القدرة على العطاء اللازم لتغذية الحياة الأسرية ، أو عوامل خارجية قاهرة. منها مثلاً عوامل خارجة عن إرادة أحد الزوجين تجعله يفقد مكانته ومرجعيته من مثل البطالة الدائمة ، أو الخسارة المادية وانهيار المكانة المهنية – الاجتماعية ، أو سواهما. قد يحدث في هذه الحالة إنكفاء نفسي في نوع من إجترار المرارة ، والإحساس بالخسران مما يحول الرباط الزوجي إلى مرآة لهذا الخسران والعجز ، تولد الآلام ، وتدفع إلى مختلف آليات التجنب. ذلك أن خسارة المكانة قد تكون في الكثير من الأحيان ذات ثمن نفسي باهظ غير قابل للاحتمال. على العكس من ذلك قد يحدث التباعد النفسي وانطفاء الرابط الزوجي بسبب تحولات إيجابية كبرى لدى أحد الزوجين مما يجعل الزواج يبدو غير متكافئ بشكل صارخ ، حيث يبدو الرباط الزوجي في بنيته وتكوينه وواقعه عاجزاً عن تلبية الواقع الجديد في توقعاته وتطلعاته ومتطلباته. على أن حالة ’’البيت - الفندق،، النابعة من عوامل ذاتية ، تظل الأكثر شيوعاً ، حيث يبدو الآخر كطرف غير قادر على تلبية المتطلبات المتجددة ، أو كعقبة تحول دون الإنطلاق الوجودي. إلا أن الاعتبارات الاجتماعية أو سواها تحول دون فكّ الرباط الزوجي. وبه تتحول الحياة الزوجية إلى إطار فارغ من المضمون.
          على أن هذا الانطفاء لا يحدث دفعة واحدة ، بل يتخذ عادة طابع العملية التراكمية للتناقضات والإحباطات التي تفاقم التباعد النفسي. أو هو يكون محصلة جولات من المجابهات والصراعات والأزمات التي تُطفئ تدريجياً جدذوة العلاقة. ويشعر كل من الطرفين بنتيجتها أن كيانه قد هدر ، مما يفاقم تعبئته النفسية ضد الآخر. في محاولة للاقتصاص منه ، بهدر كيانه. وهنا تدور حرب باردة تعرف مراحل من التصعيد والخفوت ، طالما الاعتبارات الخارجية أو الموضوعية تمنع تفجر الحرب العلنية الساخنة. وقد يدور كل ذلك بصمت مؤدياً إلى تحولات نفسية تسلخ عن الآخر صفة الموضوع المرغوب ، مستهلكة بذلك قيمة الرباط الزوجي ذاته. وعندها قد يعمل هذا الطرف أو ذاك ، أو كلاهما معاً على النجاة بذاته ، وإرضاء حاجاته وتوقعاته وطموحاته ، من خلال إعادة تنظيم مجاله الحيوي بمعزل عن الرباط الزوجي الذي ينحسر إلى مجرد رباط شكلي.
          ولابد هنا من وقفة عند النظرية الاقتصادية التحليلية – النفسية في توظيف الطاقة كي نلقي مزيداً من الضوء على انطفاء الرباط الزوجي في حالة التصدع الخفي...
          عندما تُسحب طاقة الحب ، كي توظف في شخص آخر ، أو في اهتمام آخر. أو هي تُسحب كي توظف في الذات في نوع من استعادة الاعتبار ورفع الغُبن المتمثل في الثمن الباهظ الذي استهلكته العلاقة في البداية. فبعد التضحية والبذل يشعر أحد طرفي العلاقة أن عليه أن يعدل الوضعية ، ويضع حداً للهدر الذاتي الذي شعر أنه ترتب عليه ، من خلال الاهتمام بذاته ، أو الاهتمام بقضايا أخرى أكثر قيمة وأهمية بالنسبة له.
          بذلك قد تنطفئ العلاقة ويتحول الرباط الزوجي إلى نوع من التعايش الذي يقتصر على الظواهر ، حيث يتعذر انفجار الصراع علنياً. وحيث سحب التوظيف ، يحل محله البرود والتباعد ، أو يحدث توظيف عدواني بديل يظل خفياً ؛ متخذاً طابع التوترات المكظومة وحرب تسجيل النقاط. وقد تكون العملية متبادلة ، أو هي تتخذ شكل الخسارة لأحد الطرفين دون الآخر.


إعداد/ زكريا حبيب - ماجيستير المشورة ؛ دراسات في الإرشاد والعلاج الإسري والزوجي - عضو الجمعية المصرية للعلاجات الجماعية

بحث في الحياة الأسرية كمنظومة أو نسق رؤية: اجتماعية / نفسية (3)


 الصراع الزوجي الخفي - ب
 الآثار الناتجة عن هذه الحالة متعددة فيما يتعلق بالأطفال وصحتهم النفسية. يتمثل أحد السيناريوهات الأكثر شيوعاً في إدارة كل من الزوجين الظهر للحياة الأسرية ، والانصراف إلى اهتماماته . ويوكل أمر الأطفال إلى الخدم / المربيات (أو حتى لأنفسهم) لرعايتهم.
          ولقد أصبحت الآثار الناجمة عن هذه الحالة معروفة على الصعد العاطفية والعقلية واللغوية والاجتماعية والانتمائية من خلال الأبحاث الكثيرة عن الموضوع. وهي في جلها آثار لها انعكاساتها السلبية أو حتى المعوقة على الصحة النفسية للأبناء من الناحية النمائية ولانتمائية. وخصوصاً إذا تغير هؤلاء الخدم باستمرار ، وتعرض الطفل في كل فترة لخبرة علائقية مع شخص آخر غريب ومختلف في لغته وتكوينه النفسي والثقافي ومستواه العلمي والذهني. وقد يقتصر دور الأهل في هذه الحالة وأمثالها على التعويض عن تراخي رعايتهم لأبنائهم وتوفير الحب والصلات الوثيقة والمرجعيات الراشدة المتينة لهم ، في إغداق الرشاوي المادية لشراء رضا الأبناء. وهو قد يفسد هؤلاء بالطبع على صعيد التربية القيمية والمعيارية. حيث تتحول الروابط الإنسانية المتينة إلى مجرد منافع مادية.
          ويتمثل السيناريو الآخر في شيوع جو التوتر النفسي في الأسرة ، حيث العدوانية مكظومة ، والصراع خفي (الحرب الباردة) ، والشكاوي والتبرم دائمين ، والاتهامات المتبادلة بالتقصير تتفاوت بين التصريح والتلميح. يتم لعب الصراع من خلال السلوكيات والاتجاهات واللغة غير اللفظية. يعيش الطفل في هذه الحالة في جو ملغوم من التهديدات لطمأنينته. ذلك أنه يلتقط بحساسيته المرهفة واقع الصراع والعدوانية الكامنة وراء الهدوء الظاهري بين الوالدين . وتتراكم في نفسه حالة القلق والضيق والإحباطات النفسية ومشاعر الغيظ تجاه الوالدين. إلا أنه غيرمسموح لها (أي المشاعر) بالظهور من خلال التعبير اللفظي الصريح والمواجهة. تلك هي الحالة التي تؤسس بإمتياز للاضطرابات الانفعالية التي قد تصل حداً عُصابياً: تسيطر على الطفل الكآبة والانطوائية ، وفقدان الدافعية للدرس وإنحسار الحيوية العامة ، وصولاً إلى الغرق في الهموم الذاتية واجترار الآلام . يتجلى ذلك بوضوح في المدرسة على شكل انسحاب وغرق في أحلام اليقظة . ولا تخطئ العين الخبيرة ملاحظة المعاناة الصامتة التي يعيشها الطفل.
          وقد يتخذ الأمر في حالات أخرى طابع قيام الأحلاف والمعسكرات داخل الأسرة بين كل من الوالدين وعدد من الأطفال. وتدور عندها الحرب بين الزوجين ، من خلال الأولاد ، أي بالواسطة. كل طرف يضطهد وينبذ الأطفال حلفاء الطرف الآخر. وبالطبع يدفع الأطفال في كل الحالات الثمن الأكثر فداحة من توازنهم النفسي ، طالما أنهم يتحولون إلى مجرد أدوات للمعارك الزوجية في هذه الحرب الباردة ، بدلاً من الحصول على حثهم المشروع في الاعتراف والتقدير والمحبة والرعاية والمرجعية من كلا الوالدين. يتكرر على هذا الصعيد مثلاً أن تقوم علاقة تملكية بين الأم/الأب وأحد الأبناء أو بعضهم ، في حربه الباردة مع الشريك الآخر. تقوم علاقة دمجية ذوبانية بينه (الأم/الأب) وبين هذا أو ذاك من الأطفال مكون عالماً مغلقاً على الشريك الآخر (الزوج/الزوجة) الذي يتم استبعاده تماماً بمختلف وسائل تعبئة الاولاد ضده. هنا أيضاً يتحول الطفل أداة لخدمة حاجة أحد الزوجين للتعويض عن الخسارة التي يعانيها في علاقته الزوجية ، بدل أن تكون العلاقة مع الطفل لذاته ولخدمة احتياجاته في التنشئة والرعاية. أبرز الآثار الملاحظة على هذه الوضعية الحيلولة دون نمو الطفل نحو الاستقلالية والانفتاح على الدنيا والناس. فقد تعمم الأم/الأب حربها / هـ مع الشريك الآخر على العالم الخارجي، مما يُعيق تجربة الطفل في الانتما إلى الدنيا التي تتخذ طابع الغدر الذي يجب الحذر منه وتجنبه.
          وقد يصاحب الرشوة المادية رشوة أكبر خطراً منها ، تتمثل في التراخي المعياري تجاه سلوك الأطفال . هذا التراخي مضافاً إلى الفراغ العاطفي الذي يعيشه الأبناء بسبب إدارة الزوجين الظهر لحياة الأسرة وواجبات الوالدية ، يشكل الطريق الأقصر والأكثر شيوعاً لجنوح الأبناء على الصعيد المعياري: الأنغماس في حياة اللهو والعبث ، الجري وراء إثارات اللحظة ، إدارة الظهر للإعداد للمستقبل (الدراسة خصوصاً) ، إغراءات الصحة العابثة ، إغراءات الانخراط في مغامرات تجربة المخدرات وأخطار الإدمان عليها ، إغراءات البحث عن التعويض عن الفراغ العاطفي في المغامرات الجنسية غير محسوبة العواقب.
          وهكذا يملأ الأطفال حين يشبون فراغهم العاطفي في الأسرة ، من خلال الإقدام على مختلف المغامرات غير المحصنين للتعامل معها ومع آثارها ، التي قد تلحق أكبر الأذى بتوازنهم النفسي وتكيفهم الاجتماعي ونموهم المستقبلي. فالحب والانتماء حين يفتقدان في الأسرة ، لا يمكن أن يظل مكانهما شاغراً . بل هما يملآن ببدائل تعويضية هي أبعد ما تكون عن الصحة النفسية.

إعداد / زكريا حبيب - ماجيستير المشورة ؛ دراسات في الإرشاد 

الأسري والزوجي - عضو الجمعية المصرية للعلاجات الجماعية

الخميس، 6 يونيو 2019

بحث في الحياة الأسرية كمنظومة أو نسق رؤية: اجتماعية / نفسية (4)


صراعات ومشكلات الروابط الأسرية:
أنواعها وآثارها على الأطفال (2)
ثانياً: الصراع أو التصدع الصريح بين الزوجين (الحرب المفتوحة)
          يتفجر الصراع في هذه الحالة من الأزمات الزوجية ، إلى المستوى العلني. ويتخذ أشكالاً متنوعة من النزاعات الدائمة والشجار والعنف المتبادل ، أو الذي يمارسه أحد الطرفين (الزوج عادة). على الطرف الآخر.
          يلاحظ تكرار حدوث الصراع الصريح في الأسر من الشرائح الشعبية عموماً، حيث لايكترث الزوجان للاعتبارات الاجتماعية في الحفاظ على المظاهر في صراعها. يتصف الجو الأسري بسيادة العنف والتهديد المتبادل ، الذي ينعكس على الأطفال في المقام الأول على شكل فقدان للشعور القاعدي بالأمن . ويبين هذا التصدع أو الصراع عجزاً عن إدارة الرباط الزوجي بشكل معقول من التوافق والمرونة والتسويات الضرورية لاستمرار العلاقة . ويظهر التباين الذي سرعان ما يتفاقم إلى حد التناقض بسرعة ، حين يقوم الزواج على حالات مختلفة من الإرغام (إرغام الأهل للزوج أو للزوجة على الاقتران بمن لا يحب) أو هو يظهر بسرعة إذا تم الزواج بشكل متعجل في حالة إستسلام لنزوة أو شهوة ، أو من خلال الزواج بدون التعرف الموضوعي الكافي على القرين وخصائصه وأوضاعه.
          وقد يقوم وفاق لفترة من الزمن ثم تتراقم التناقضات والإحباطات المتبادلة بدون بذل الجهد الكافي لحلها ، أو توفير الصيانة اللازمة لاستقرار واستمرار الحياة الزوجية. وبمقدار ما تتراكم هذه التناقضات (الأختلافات) يُستنزف الزواج ويعيش كل من الزوجين أو أحدهما الحالة على شكل إحباط وغُبن لجق به من جراء زيجة غير موفقة ، أو حظ عاثر. ويتركان الأمر يتفاقم ، وكأن الوفاق الزوجي مفروض أن يستمر (أو يحدث) تلقائياً ، بدون إدارة ورعاية من طرفهما.
          ولايندر في حالات أخرى أن يتصدع الزواج بشكل صريح ، ويتحول الوفاق إلى شقاق بفعل ظروف خارجية لا يحاول الزوجان أو أحدهما بذل الجهد للتعامل معها ، أو الحد من آثارها . وخصوصاً إذا أدت هذه الظروف إلى إحباط توقعات ، أو حاجات تبدو أساسية لأحد الطرفين . كما أنه قد يحدث أن تخفت فورة الرغبة التي تشد الزوجين إلى العلاقة ، بعد زوال الحدة . ويعود الزوج مثلاً إلى تعاطي الكحول أو المخدرات ، بعد أن أقلع عنها في بداية الزواج. وإذا وصل التعاطي حد التعود الشديد أو الإدمان تبدأ المأساة المزدوجة. فمن ناحية يتدهور الأداء المهني ومعه ينحسر الدخل ، ويدخل المدمن في الحالات المعروفة من البطالة المقنعة ، أو الدائمة. ولا يعود يهتم إلا بالبحث عن المادة المُسكرة أو المخدرة وتعاطيها. كما تتدهور حياته الاجتماعية ، فيتحول من الروابط الإيجابية ، إلى مخالطة رفاق الشرب. ويتمثل الجانب الثاني من المأساة على مستوى الأسرة والعلاقات الزوجية. يتخلى تدريجياً عن الالتزام بواجباته المادية. وقد يذهب بعيداً إلى حدّ بيع ما يمكن بيعه من الأثاث والمتاع لتوفير ثمن المشروب . والآخطر من ذلك أنه قد يأتي برفاق الإدمان إلى المنزل على مرأى من الزوجة والأولاد.
          ولا بدّ أن يصاحب ذلك كله تفجر العدوانية بلا حدود: من ضرب مبرح للزوجة والأولاد ، أو طردهما ، وصولاً إلى الاعتداء الخطير على الزوجة مما يهدد سلامتها الجسدية ، بل حياتها . ويحدث هذا العنف على خلفية من الشك بوفائها وإخلاصها ، في حالة من تفجر هذيانات الاضطهاد ويتحول كل من في المنزل إلى ضحايا للعنف الجسدي والنفسي.
          وقد لايتخذ الأمر طابع الإدمان ، بل يقتصر على حالة تفجر العنف على الزوجة والأولاد. فيتعرض الجميع للضرب المبرح ولأتفه الأسباب في حالة من سيادة نزوة السطوة التي لاتقاوم أو تراجع . هنا يسود قانون القوة بدلاً من قانون التعاطف والوفاق.
          ولايندر أن يحول الزوج من هؤلاء إحباطاته الحياتية في العمل والكسب والمكانة الاجتماعية إلى حياته الزوجية ، التي تتحول إلى ميدان للتشفي. وقد يذهب أبعد من ذلك فيُسقط فشله الخارجي على الرباط الزوجي الذي تيخذ عندها طابع الغُبن الوجودي ، مما يجعل عنفه مبرراً . أما الزوجة فقد تكون الضحية المستسلمة لقدرها في حالة العجز عن المجابهة. أو هي تتصدى وتجابه مما يحول المنزل إلى ساحة نزاعات ومشاجرات دائمة . وهي في ذلك قد تتحالف مع بعض أبنائها الكبار لشن الحرب المضادة على الزوج . كما يحدث أن تتراخى الزوجة في التزامها الأسري ونلجأ إلى الهروب النفسي مسيِّبة المنزل والأولاد ، ومتحولة إلى زياراتها وطلعاتها عند الجيران والأصحاب . وفي حالات نادرة قد يتحول الموقف بسبب مرض الزوج أو فقدانه مكانته ووقوعه في العجز . عندها تستقوى الزوجة وتسدد حساباتها المتراكمة مع زوجها من خلال ما تنزله به من عنف وتحقير وعزل ، مما يحوله إلى وضعية زوج / الأب الساقط.
          يحدث التصدع الصريح عادة على خلفية من قصور النضج النفسي – الشخصي أو النضج العاطفي – الجنسي لدى أحد الزوجين أو كليهما . وهو ما يجعلهما يبقيان أسيرين لنظم توقعات غير موضوعية ، أو عاجزين عن إظهار المرونة والقدرة على حل المشكلات واستيعاب الأزمات . ولا يندر أن نجد عند دراسة تاريخهما الأسري أن أحدهما أو كليهما قد نشأ في أسرة متصدعة أصلاً. ودخل على عالم الزواج وهو مثقل بتركة نفسية تدفع به إلى تكرار المأساة . وكأن التصدع يعيد إنتاج ذاته من خلال عدم توافر النضج والصحة النفسية ، والافتقار إلى مقومات تأسيس حياة زوجية معافاة.
          وليس علينا أن نذهب بعيداً كي نتحقق من ذلك . فجد نجد عند دراسة بعض الأسر المتصدعة أن بعضاً من البنات الكبار اللواتي تزوجن قد عدن إلى الأسرة وكل منهن تصطحب معها طفلاً أو أكثر ، بعد تفكك زواجها. ويحفل تاريخ مثل هذه الأسر بتعدد حالات الزواج والطلاق على خلفية من التصدع الصريح.
          هناك بالطبع العديد من حالات التصدع الأخرى التي تشكل تنوعات على نفس الخلفية. منها مثلاً التصدع على صعيد مشكلات توظيف طاقات الحب والعنف. فلا يقتصر الأمر هنا على سحب التوظيف العاطفي من القرين ، بل يتجاوزه إلى ما يسمى بـ "التوظيف المضاد" ، حيث يحل العدوان والانفصال النفسي والتدمير المتبادل محل قوى الترابط والتآلف والحب والبناء . وحين يحدث التوظيف المضاد هذا يفتح الباب على مصرعيه ، إذا لم تحدث ظروف تضع له الحدود أو تعدله ، للحالات التي عرضناها هنا . يبدو الصراع هو العلاقة المعتادة ، وتبدو ممارسة ألوان العنف النفسي والجسدي هي الحالة العاطفية الطبيعية . وكأن لذة التشفي والانتقام والطوة تحل محل لذة الود والوفاق . وكأن كل من الطرفين من خلال إسقاط عدوانيته على العلاقة والقرين ينتقم لذاته من غُبن مفروض وقع عليه ، يتعين تصحيحه من خلال إنزال الغُبن بالآخر. وبذلك تقوم علاقة التشفي والتحطيم المتبادل مقام علاقات الود والتفاهم. يتحول الآخر من مصدر إرضاء الحاجة إلى علاقة عاطفية مشبعة إلى عقبة وجودية أمام هناء العيش ، مما يبرر سيادة نزوة العدوان.
في كل الأحوال يكون الأطفال هم أكثر ضحايا التصدع الصريح تضرراً ، وذلك على عدة محاور.
          يمثل جو التوتر النفسي والصراعات المفتوحة ، وما تتسم به من غلبة للعنف تهديداً جدياً للطمأنينة القاعدية الضرورية للنمو المعافى . ينشأ الطفل في عالم من التهديد مما يفاقم مشاعر مشاعر إنعدام الطمأنينة لديه ، ويصعد من مستوى القلق متعدد الألوان : قلق العدوان وإلحاق الأذى بتكامله الجسدي – النفسي (مما يشكل حالة فعلية بالطبع) ، قلق الهجر المصاحب للتسيب والأهمال الذي يتعرض له ، قلق تفكك الأسرة بانفصال الوالدين ، مما قد يحمله من أخطار الضياع . حالات القلق هذه التي تجد لها تغذية دائمة من خلال دوام الصراعات وتكرار العنف ، تولد حالات من الانكسار النفسي ، وفقدان الثقة بالنفس وبالإمكانات ، والعيش في حالة التعرض للتهديد. إلا أن الغالب على حالات التصدع الصريح أن تؤدي إلى ردود فعل دفاعية ضد القلق تتخذ طابع العنف والخشونة . وهو ما يعرف بآلية "جلد التمساح" ، حيث يتحصن الطفل ضد ما يعصف به من قلق بتنمية قناع من الخشونة والقسوة والفظاظة . وتساعد النمذجة على تنمية هذه الآلية الدفاعية. فهو يتخذ له من عنف الآب أو من عنف الأخوة الكبار نموذجاً يحتذيه في سلوكه وردود فعله ومشاعره ، إنه يتمثل تلك النظرة عن الدنيا التي يوجهها قانون القوة : الغلبة للأقوياء ، والأقوياء يسيطرون على الضعفاء . ولذلك فإنه يميل إلى السلوك العدواني بمقدار تقدم نموه الجسدي واكتسابه لبعض مظاهر القدرة على الفعل وردود الفعل. ويجد له في ذلك قدوة جاهزة: الأب يضرب الزوجة والأبناء ويتسلط عليهم ، وهؤلاء يستجيبون بنفس السلوكيات تجاه من هم أضعف منهم.
          ومن النمذجة (احتذاء نماذج حية) قد يصل الأمر حداً من الرسوخ من خلال نشوء ظاهرة "التماهي بالمعتدي" : فمن كان ضحية الخوف يحاول أن يخيف من هم أضعف منه ، ومن كان ضحية العدوان يمارس العدوان على من هم أقل قوة منه ، وهكذا في حالة من قلب الأدوار . كل من النمذجة والتماهي بالمعتدي يعززان آلية دفاع "جلد التمساح" التي تتحول تدريجياً إلى نوع من الطبع ، وإلى أسلوب سائد في العلاقات والسلوك. بذلك فقط يتمكن الناشئ من السيطرة على قلقه الدفين.
          يقاوم هؤلاء خلال الإرشاد النفسي بشدة ، وخصوصاً إذا ذهبوا بعيداً في تعزيز هذه الدفاعات ، كل محاولات النفاذ إلى عالمهم الذاتي الحميم. كما يقاومون محاولات التقرب منهم والتعبير عن الحب. إنهم يخشون الحب الذي يهدد دفاعتهم بالوهن ، مما يتركهم أمام قلقهم الدفين الذي لايستطيعون تحمله . وبالتالي فإنهم يشعرون بالقوة والتوازن النفسي من خلال تعميم هذه السلوكيات على مختلف مواقف الحياة . وهذا قد يؤدي بهم إلى التوجه نحو الجنوح حيث يشتد عودهم قيليلاً في نوع من الحرب على الدنيا والناس ، أو نوع من استبدال الحب بالقوة والغلبة ، والعلاقات الحميمة بعلاقات المصلحة والمنفعة . وهنا أيضاً قد يجدون في أخوتهم الأكبر نموذجاً وقدوة . إذ يغلب أن يكون هؤلاء قد سبقوهم في السير على هذا الدرب.
          يتكرر في مثل هذه الأسر المتصدعة التي تبدي عجزاً ظاهراً عن إدارة حياتها نفسياً ومادياً ، أن تكون الولادات كثيرة ، ومتتابعة . بدون حصول كل مولود على نصيبه الضروري من العلاقات الوثيقة والتعلق والحب والقبول والرعاية والتوجيه . يترك أمر الإنجاب للحتمية البيولوجية وحدها ، في نوع من فقدان السيطرة على إدارة الوالدية ، أو العجز عنها ، أو عدم الرغبة فيها أصلاً. ولذلك فإن الغالب هو سيادة أسلوب حياة الارتجال في تدبير الحال. وحيث لاتتوفر للأطفال الرعاية والتوجيه الكافيين ، كما لايتوفر لهم على الأغلب المجال الحيوي الملائم داخل المنزل ، فإنهم يتحولون إلى الشارع والحي كمجال حيوي بديل. وهو ما يحمل كل إمكانيات التعرض لمختلف الأخطار الخلقية ، وإغراءات الجنوح ، خصوصاً إذا كانو يعيشون ، كما يغلب على هذا النمط من الأسرة ، في أحياء هامشية تتصف باللامعيارية الأخلاقية، وتراخي الضوابط السلوكية.
          ونظراً لفقدان المجال الحيوي المطمئن في المنزل قد يتكرر ميل اليافعين من الأطفال إلى التشرد والهروب والتعرض للعشرة السيئة التي تفتح أمامهم أبواب الولوج في المغامرات الجانحة. ويعزز هذا الاندفاع الاحتقانات النفسية الداخلية التي يعانون منها ، والتي تتطلب التفريج في سلوكيات حركية أو إنتقام وتشفٍ لاستعادة شيء من التوازن الذاتي.
          وبالطبع فإن هذه الوضعية الوجودية بخصائصها التي أشرنا إلى ملامحها الرئيسية لاتشجع البته على التحصيل الدراسي . فليس هناك منذ البدء مقومات بيئة مواتية لنمو الدافعية للتحصيل ، والحياة المدرسية المنتظمة.
          فالفقر الثقافي يتلازم مع الصراعات والعنف ، ويرافقها بالطبع تدني مستوى توقعات الأهل على تحصيل أبنائهم ، وعدم قدرتهم على توفير الوسائل والمعززات التي تفتح الشهية للدرس والانتظام المدرسي. حتى أن الكثير من الأهل لايدرون عن دراسة أولادهم شيئا.

إعداد/ زكريا حبيب - ماجيستير الماشورة ؛ دراسات في العلاج الأسري والزوجي.

الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية[2]

1 الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية [1] [1]   كفافي، د.علاء الدين ؛ الإرشاد والعلاج النفسي الأسري ، ط1/  2012  (121:1...