الجمعة، 7 يونيو 2019

بحث في الحياة الأسرية كمنظومة أو نسق رؤية: اجتماعية / نفسية (3)


 الصراع الزوجي الخفي - ب
 الآثار الناتجة عن هذه الحالة متعددة فيما يتعلق بالأطفال وصحتهم النفسية. يتمثل أحد السيناريوهات الأكثر شيوعاً في إدارة كل من الزوجين الظهر للحياة الأسرية ، والانصراف إلى اهتماماته . ويوكل أمر الأطفال إلى الخدم / المربيات (أو حتى لأنفسهم) لرعايتهم.
          ولقد أصبحت الآثار الناجمة عن هذه الحالة معروفة على الصعد العاطفية والعقلية واللغوية والاجتماعية والانتمائية من خلال الأبحاث الكثيرة عن الموضوع. وهي في جلها آثار لها انعكاساتها السلبية أو حتى المعوقة على الصحة النفسية للأبناء من الناحية النمائية ولانتمائية. وخصوصاً إذا تغير هؤلاء الخدم باستمرار ، وتعرض الطفل في كل فترة لخبرة علائقية مع شخص آخر غريب ومختلف في لغته وتكوينه النفسي والثقافي ومستواه العلمي والذهني. وقد يقتصر دور الأهل في هذه الحالة وأمثالها على التعويض عن تراخي رعايتهم لأبنائهم وتوفير الحب والصلات الوثيقة والمرجعيات الراشدة المتينة لهم ، في إغداق الرشاوي المادية لشراء رضا الأبناء. وهو قد يفسد هؤلاء بالطبع على صعيد التربية القيمية والمعيارية. حيث تتحول الروابط الإنسانية المتينة إلى مجرد منافع مادية.
          ويتمثل السيناريو الآخر في شيوع جو التوتر النفسي في الأسرة ، حيث العدوانية مكظومة ، والصراع خفي (الحرب الباردة) ، والشكاوي والتبرم دائمين ، والاتهامات المتبادلة بالتقصير تتفاوت بين التصريح والتلميح. يتم لعب الصراع من خلال السلوكيات والاتجاهات واللغة غير اللفظية. يعيش الطفل في هذه الحالة في جو ملغوم من التهديدات لطمأنينته. ذلك أنه يلتقط بحساسيته المرهفة واقع الصراع والعدوانية الكامنة وراء الهدوء الظاهري بين الوالدين . وتتراكم في نفسه حالة القلق والضيق والإحباطات النفسية ومشاعر الغيظ تجاه الوالدين. إلا أنه غيرمسموح لها (أي المشاعر) بالظهور من خلال التعبير اللفظي الصريح والمواجهة. تلك هي الحالة التي تؤسس بإمتياز للاضطرابات الانفعالية التي قد تصل حداً عُصابياً: تسيطر على الطفل الكآبة والانطوائية ، وفقدان الدافعية للدرس وإنحسار الحيوية العامة ، وصولاً إلى الغرق في الهموم الذاتية واجترار الآلام . يتجلى ذلك بوضوح في المدرسة على شكل انسحاب وغرق في أحلام اليقظة . ولا تخطئ العين الخبيرة ملاحظة المعاناة الصامتة التي يعيشها الطفل.
          وقد يتخذ الأمر في حالات أخرى طابع قيام الأحلاف والمعسكرات داخل الأسرة بين كل من الوالدين وعدد من الأطفال. وتدور عندها الحرب بين الزوجين ، من خلال الأولاد ، أي بالواسطة. كل طرف يضطهد وينبذ الأطفال حلفاء الطرف الآخر. وبالطبع يدفع الأطفال في كل الحالات الثمن الأكثر فداحة من توازنهم النفسي ، طالما أنهم يتحولون إلى مجرد أدوات للمعارك الزوجية في هذه الحرب الباردة ، بدلاً من الحصول على حثهم المشروع في الاعتراف والتقدير والمحبة والرعاية والمرجعية من كلا الوالدين. يتكرر على هذا الصعيد مثلاً أن تقوم علاقة تملكية بين الأم/الأب وأحد الأبناء أو بعضهم ، في حربه الباردة مع الشريك الآخر. تقوم علاقة دمجية ذوبانية بينه (الأم/الأب) وبين هذا أو ذاك من الأطفال مكون عالماً مغلقاً على الشريك الآخر (الزوج/الزوجة) الذي يتم استبعاده تماماً بمختلف وسائل تعبئة الاولاد ضده. هنا أيضاً يتحول الطفل أداة لخدمة حاجة أحد الزوجين للتعويض عن الخسارة التي يعانيها في علاقته الزوجية ، بدل أن تكون العلاقة مع الطفل لذاته ولخدمة احتياجاته في التنشئة والرعاية. أبرز الآثار الملاحظة على هذه الوضعية الحيلولة دون نمو الطفل نحو الاستقلالية والانفتاح على الدنيا والناس. فقد تعمم الأم/الأب حربها / هـ مع الشريك الآخر على العالم الخارجي، مما يُعيق تجربة الطفل في الانتما إلى الدنيا التي تتخذ طابع الغدر الذي يجب الحذر منه وتجنبه.
          وقد يصاحب الرشوة المادية رشوة أكبر خطراً منها ، تتمثل في التراخي المعياري تجاه سلوك الأطفال . هذا التراخي مضافاً إلى الفراغ العاطفي الذي يعيشه الأبناء بسبب إدارة الزوجين الظهر لحياة الأسرة وواجبات الوالدية ، يشكل الطريق الأقصر والأكثر شيوعاً لجنوح الأبناء على الصعيد المعياري: الأنغماس في حياة اللهو والعبث ، الجري وراء إثارات اللحظة ، إدارة الظهر للإعداد للمستقبل (الدراسة خصوصاً) ، إغراءات الصحة العابثة ، إغراءات الانخراط في مغامرات تجربة المخدرات وأخطار الإدمان عليها ، إغراءات البحث عن التعويض عن الفراغ العاطفي في المغامرات الجنسية غير محسوبة العواقب.
          وهكذا يملأ الأطفال حين يشبون فراغهم العاطفي في الأسرة ، من خلال الإقدام على مختلف المغامرات غير المحصنين للتعامل معها ومع آثارها ، التي قد تلحق أكبر الأذى بتوازنهم النفسي وتكيفهم الاجتماعي ونموهم المستقبلي. فالحب والانتماء حين يفتقدان في الأسرة ، لا يمكن أن يظل مكانهما شاغراً . بل هما يملآن ببدائل تعويضية هي أبعد ما تكون عن الصحة النفسية.

إعداد / زكريا حبيب - ماجيستير المشورة ؛ دراسات في الإرشاد 

الأسري والزوجي - عضو الجمعية المصرية للعلاجات الجماعية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية[2]

1 الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية [1] [1]   كفافي، د.علاء الدين ؛ الإرشاد والعلاج النفسي الأسري ، ط1/  2012  (121:1...