الأحد، 23 يونيو 2019

لم أرى دماً احمر ؟

قصة حقيقية
.. في ذلك اليوم كُنت أجلس أصمم بيني وبين نفسي على غلق عيادتي الطبية حين دخلَت هذه الفتاة . شدتني إلى عينيها نظرة غريبة مذعورة تبحث بلهفة في عيني عن النجدة ، وبمرور السنين نسيت ملامح الفتاة تماماً لكن هذه النظرة في عينيها إنحفرت في ذهني وأصبحت جزاءاً مني.
لم تكن وحدها . كان معها رجل قال بصوت غليظ منفعل: 
- أرجو يا دكتورة أن تفحصيها.
ووجهت سؤالي إلى الفتاة قائلة: بما شكين؟ ولكنها أطرقت ولم ترد. وقال الرجل بصوت أكثر غلظة وانفعال أشد: تزوجنا بالأمس واكتشفت أنها ليست عذراء.
وسألته: وكيف اكتشفت ذلك ؟
وقال بغضب : هذا شئ معروف لم أرى دماً أحمر!
وحاولت الفتاة أن تفتح فمها لتقول شيئاً. لكنه قاطعها قائلاً:
- إنها تدعي أنها بريئة ولهذا جئت إليك لتفحصيها.
واتضح لي بعد الفحص أن الزوجة تملك غشاء بكارة وانه سليم تماماً ، ولكنه من ذلك الذي يُسمى في الطب بالنوع "المطاط" يتسع ويضيق بمرونة دون أن يتمزق ودون أن تسيل منه قطرة دم واحدة.
وشرحت الأمر للزوج بدقة ، وكان رجلاً مُتعلماً سافر إلى الخارج في بعثة. وخُيلَ إليَّ أنه اقتنع ، وتنهدت العروس كأنها تتنفس لأول مرة بعد طول اختناق.
لكن الأمر لم يكن بهذه البساطة . بعد أيام قليلة جاءتني الفتاة وحدها . لم يكن وجهها وجه فتاة الثامنة عشر التي رأيتها منذ أيام وإنما وجه امرأة عجوز شاخت قبل الأوان ورسم الحزن و الألم على وجهها تعبيراً غريباً أشبه بوجوه الموتى التي رأيتها كثيراً في ظل مهنة الطب.
وقالت بصوت مشروخ: طلقني وكادت تكون فضيحة لولا أن أبي تكتم الأمر.
وسألتها: وهل يفهم أبوك ؟
وهزت رأسها بالنفي وكست عينيها الذبلتين سحابة أوحت بدموع سالت وجفت حتى نضجت تماماً.
وقالت: لا أحد يعرف براءتي إلا أنت يا دكتورة . وأنا الآن أعيش في خوف من انتقام أبي وأخي.
ذهبت معها إلى أبيها وشرحت له الأمر. قلت له أن أبنته عذراء ، وأن غشاء البكارة من النوع المطاط الذي لايتمزق إلا عند ولادة أول طفل.
ودُهش الأب حين سمع هذه الحقيقة العلمية وضرب كفاً على كف وقال في غضب: هذا يعني أن ابنتي اتظلمت.
قلت: نعم.
قال: ومن المسؤول عن هذا الظلم؟
قلت: أنتم ... زوجها وأهلها !
قال بغضب: بل أنتم المسؤولون يا أطباء ! لأنكم تعرفون هذه الحقائق وتخفونها عن الناس ، ولولا هذه الحادثة التي حدثت لإبنتي بالصدفة لما عرفت شيئاً . لماذا لاتشرحون هذه الأمور لكل الناس.
انه واجبكم الاول حتى لا تُطلم مثل هؤلاء الفتيات البريئات.

د. نوال السعداوي - من كتاب المرأة والجنس - مكتبة مدبولي بالقاهرة - طبعة2 - 2006

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية[2]

1 الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية [1] [1]   كفافي، د.علاء الدين ؛ الإرشاد والعلاج النفسي الأسري ، ط1/  2012  (121:1...