الصراع الزوجي الخفي - أ
إعداد/ زكريا حبيب - ماجيستير المشورة ؛ دراسات في الإرشاد والعلاج الإسري والزوجي - عضو الجمعية المصرية للعلاجات الجماعية
نقصد بالصراع الزوجي الخفي تلك الحالة
من انطفاء علاقة العاطفة – الجنس ، أو خفوتها إلى درجة متقدمة ، مع ما يضاف إليها
من تراكم التناقضات في التوقعات والسياسات والأولويات وما يتبعها من حاجات . يبدو
الرباط الزوجي وكأنه قد استنزف على صعيد العاطفة والشراكة في تحقيق الأهداف على حد
سواء. ومع هذا الاستنزاف يتزايد التباين والتناقض وتتقلص منطقة التقاطع بين دائرتي
الرباط الزوجي (كل شخص يمثل دائرة) ، كما هو موضح بالشكل التالي، وتتباعد هتاين
الدائرتان مما ينشأ عنه عالمان وجوديان مختلفان: كل من الزوجين يبدأ التحرك في فلك
خاص به ، على مختلف الصعد والاهتمامات .
على الرغم من هذا الأنطفاء
والتباعد ، يحتفظ الرباط الزوجي بمظاهره القانونية والاجتماعية ، لأسباب تتعلق
بالسمعة والمكانة ، أو لضرورات مادية أو مصلحية ، أو لضرورات الحفاظ على مرجعية
أسرية للأطفال. ونكون عندها بإزاء حياة زوجية تتصف بالتمسك ظاهرياً فقط ، كما
يتجلى في الأنشطة الاجتماعية. إنما الواقع كل من الزوجين أو أحدهما على الأقل يدير
ظهره للرباط العاطفي – الجنسي ، ويسعى وراء اهتماماته الخاصة. وتستمر مع ذلك
الحياة الأسرية إلى ما يحلو للبعض تسميته ’’البيت الفندق’’.
تتعدد عوامل بروز هذه الحالة التي
تتفاوت في درجات التباعد النفسي والانطفاء المميز لها. أبرزها استنزاف الرباط
العاطفي – الجنسي لمختلف الأسباب التي ذكرناها سابقاً. ومنها كذلك الانخراط في
رباط زوجي لايقوم على تكافؤ معقول يحمل التوازن الكافي والاعتراف المتبادل. ويضاف
إليهما التناقضات الكبرى على مستوى التوقعات والسياسات وخصوصاً حالات قصور النضج
النفسي.
يعجز هذا القصور عن توفير مقومات
الواقعية والمرونة والتبادلية في الشراكة ، ويحرك ، بعد خفوت مراحل الحماس الأولى
، النزعات الفردية الأنانية التي تؤدي إلى حالات الصدام والمجابهة وما يتبعها من
إحباطات. حين يقوم الرباط الزوجي على أسس غير متينة توفر له الصحة والاستمرار ،
وحين يندفع أحد الشركاء إلى الارتباط بهذا الشكل متغاضياً عن تناقضات كبرى كامنة ،
بسبب من إلحاح رغبة جزئية تطمس التقدير الموضوعي للواقع ، أو هي تطمس الثمن الباهظ
الذي يتعين دفعه لقاء إرضاء هذه الرغبة أو هذا الميل ، نكون بإزاء احتمال بروز
حالة ما من التصدع الخفي الذي نحن بصدده. وقد لا ينشأ التباعد عن عوامل تكوينية
ذاتية بالضرورة ، بل هو يتشكل تدريجياً بسبب تدني صيانة الحياة الزوجية ، أو
تراجعها لأسباب متنوعة ، مما يؤدي إلى تراكم التناقضات التي لم تجد لها الحلول
المناسبة. ومع هذا التراكم يتزايد التبياين والتباعد . وقد ينشأ التباعد الخفي
لعوامل خارجية محضة تعطل القدرة على العطاء اللازم لتغذية الحياة الأسرية ، أو
عوامل خارجية قاهرة. منها مثلاً عوامل خارجة عن إرادة أحد الزوجين تجعله يفقد
مكانته ومرجعيته من مثل البطالة الدائمة ، أو الخسارة المادية وانهيار المكانة
المهنية – الاجتماعية ، أو سواهما. قد يحدث في هذه الحالة إنكفاء نفسي في نوع من
إجترار المرارة ، والإحساس بالخسران مما يحول الرباط الزوجي إلى مرآة لهذا الخسران
والعجز ، تولد الآلام ، وتدفع إلى مختلف آليات التجنب. ذلك أن خسارة المكانة قد
تكون في الكثير من الأحيان ذات ثمن نفسي باهظ غير قابل للاحتمال. على العكس من ذلك
قد يحدث التباعد النفسي وانطفاء الرابط الزوجي بسبب تحولات إيجابية كبرى لدى أحد
الزوجين مما يجعل الزواج يبدو غير متكافئ بشكل صارخ ، حيث يبدو الرباط الزوجي في
بنيته وتكوينه وواقعه عاجزاً عن تلبية الواقع الجديد في توقعاته وتطلعاته
ومتطلباته. على أن حالة ’’البيت - الفندق،، النابعة من عوامل ذاتية ، تظل الأكثر
شيوعاً ، حيث يبدو الآخر كطرف غير قادر على تلبية المتطلبات المتجددة ، أو كعقبة
تحول دون الإنطلاق الوجودي. إلا أن الاعتبارات الاجتماعية أو سواها تحول دون فكّ
الرباط الزوجي. وبه تتحول الحياة الزوجية إلى إطار فارغ من المضمون.
على أن هذا الانطفاء لا يحدث دفعة واحدة
، بل يتخذ عادة طابع العملية التراكمية للتناقضات والإحباطات التي تفاقم التباعد
النفسي. أو هو يكون محصلة جولات من المجابهات والصراعات والأزمات التي تُطفئ
تدريجياً جدذوة العلاقة. ويشعر كل من الطرفين بنتيجتها أن كيانه قد هدر ، مما
يفاقم تعبئته النفسية ضد الآخر. في محاولة للاقتصاص منه ، بهدر كيانه. وهنا تدور
حرب باردة تعرف مراحل من التصعيد والخفوت ، طالما الاعتبارات الخارجية أو
الموضوعية تمنع تفجر الحرب العلنية الساخنة. وقد يدور كل ذلك بصمت مؤدياً إلى
تحولات نفسية تسلخ عن الآخر صفة الموضوع المرغوب ، مستهلكة بذلك قيمة الرباط
الزوجي ذاته. وعندها قد يعمل هذا الطرف أو ذاك ، أو كلاهما معاً على النجاة بذاته
، وإرضاء حاجاته وتوقعاته وطموحاته ، من خلال إعادة تنظيم مجاله الحيوي بمعزل عن
الرباط الزوجي الذي ينحسر إلى مجرد رباط شكلي.
ولابد هنا من وقفة عند النظرية
الاقتصادية التحليلية – النفسية في توظيف الطاقة كي نلقي مزيداً من الضوء على
انطفاء الرباط الزوجي في حالة التصدع الخفي...
عندما
تُسحب طاقة الحب ، كي توظف في شخص آخر ، أو في اهتمام آخر. أو هي تُسحب كي توظف في
الذات في نوع من استعادة الاعتبار ورفع الغُبن المتمثل في الثمن الباهظ الذي
استهلكته العلاقة في البداية. فبعد التضحية والبذل يشعر أحد طرفي العلاقة أن عليه
أن يعدل الوضعية ، ويضع حداً للهدر الذاتي الذي شعر أنه ترتب عليه ، من خلال
الاهتمام بذاته ، أو الاهتمام بقضايا أخرى أكثر قيمة وأهمية بالنسبة له.
بذلك قد تنطفئ العلاقة ويتحول الرباط
الزوجي إلى نوع من التعايش الذي يقتصر على الظواهر ، حيث يتعذر انفجار الصراع
علنياً. وحيث سحب التوظيف ، يحل محله البرود والتباعد ، أو يحدث توظيف عدواني بديل
يظل خفياً ؛ متخذاً طابع التوترات المكظومة وحرب تسجيل النقاط. وقد تكون العملية
متبادلة ، أو هي تتخذ شكل الخسارة لأحد الطرفين دون الآخر.
إعداد/ زكريا حبيب - ماجيستير المشورة ؛ دراسات في الإرشاد والعلاج الإسري والزوجي - عضو الجمعية المصرية للعلاجات الجماعية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق