السبت، 29 يونيو 2019

تأثيرات فلسفية على علم النفس (2)

روح الميكانيكية

لقد انتشرت عبر إنجلترا و أوروبا الغربية أعداد كبيرة من الآلات للاستخدام البومي توفيراً للقوة العضلية للإنسان. لقد انتشر استخدام المضخات ، والروافع ، والبكرات، والأوناش ، والمولدات المحركة للمعاصر ، والطواحين الهوائية لطحن الحبوب ، ونشر الأخشاب ، ونسيج الأقمشة ، وغير ذلك من الصناعات كثيفة العمالة. وقد أدى ذلك إلى تحرر المجتمع الأوروبي من الاعتماد على العمل العضلي. لقد أصبح الناس بمستوياتهم الاجتماعية كافة - من الفلاحين إلى الأرستقراطيين - على ألفة بالالات ، التي لم تلبث أن اصبحت جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية.

وقد أقيمت بالحدائق الملكية آنذاك آلات ميكانيكية تقدم أشكالاً غريبة من التسلية... ومن بين هذه الآلات الجديدة ، كانت الساعة الميكانيكية Mechanical Clock هي الأكثر تأثيراً على الفكر العلمي.
ورب مَن يتسأل ؛ ما علاقة ذلك التطور التكنولوجي الكثيف بتاريخ علم النفس الحديث؟ إننا نتحدث عن فترة سبقت قيام علم النفس رسمياً باعتباره علماً بـ 200 سنة ، وفي وقت كانت فيه علوم الطبيعة والميكانيكا لاتقترب مطلقاً من دراسة الطبيعة البشرية. لقد كانت تلك العلاقة حتمية ومباشرة ، حيث إن المبادئ التي تجسدت في تلك الالات الهادرة ، والأشكال الميكانيكية والساعات التي شهدها القرن الـ 17 للمرة الأولى ؛ قد أثرت على توجه علم النفس الجديد.

لقد كان المناخ الثقافي الحضاري السائد من القرن 17 إلى القرن 19 بمثابة التربة الفكرية التي تغذى عليها علم النفس. ولقد كانت الفلسفة الكامنة - أي القوة الحاكمة للسياق الثقافي - هي روح الميكانيكية ؛ أي تصور الكون كما لو كان آلة ضخمة. وكانت عمليات الطبيعة كافة - وفقاً لهذا التصور - مصممة ميكانيكياً ، ويمكن تفسيرها وفقاً للقوانين الفزيائية والميكانيكية.

لقد بدأت فكرة الميكانيكية في الفيزياء ، ولم تلبث أن أطلق عليها الفلسفة الطبيعية ، ونتيجة لبحوث عالم الفيزياء الإيطالي جاليليو (Galileo Galilee (1564-1642. وعالم الفيزياء والرياضيات الإنجليزي إسحق نيوتن Isaac Newton (1642-1727). الذي تدرب في البداية على صناعة الساعات ، أصبح النظر إلى موجودات الكون كافة باعتبارها تتكون من جزيئات مادية تتحرك. ووفقاً لجاليليو، فإن المادة تتكون من جسيمات أو ذرات منفصلة تؤثر كل منها في الأخرى بالاتصال المباشر. وقد راجع نيوتن رؤية جاليليو الميكانيكية بتصور مؤداه أن الحركة لا تنتقل عير الاتصال الفيزيقي المباشر بل من خلال قوى تعمل على جذب تلك الذرات وطردها. وعلى الرغم من أهمية فكرة نيوتن في الفيزياء، فإنها لم تحدث تغييراً جوهرياً في المفهوم الأساسي للآلية والطريقة التي كان يطبق بها هذا المفهوم على المشكلات ذات الطابع النفسي. إذا ما كان الكون عبارة عن ذرات في حركة دائمة ؛ فإن كل تأثير فيزيقي (حركة كل ذرة) ؛ إنما ينبعث من سبب مباشر (حركة الذرة التي اصطدمت بها) . وبما أن التأثير يخضع لقوانين القياس Laws Measurement ، فإن ذلك التأثير يمكن التنبؤ به قبل وقوعه. وبذلك فقد كان يُنظر إلى الكون الفيزيقي (أي المادي) باعتباره يعمل بشكل منظم كما تعمل الساعة الدقيقة أو آلة نافعة.وقد كان الظن الغالب ، هو أنه بمجرد أن تمكن العلماء من معرفة القوانين التي تحكم حركة الكون ؛ فإنهم يستطيعون تحديد الكيفية التي سوف يكون عليها الأمر في المستقبل.
لقد تسارع نمو مناهج العلم ونتائجه في مجال التكنولوجيا خلال تلك الحقبة،وتشابك كل ذلك بشكل فعال. لقد أصبحت الملاحظة وإجراء التجارب أهم ملامح العلم، وتبع ذلك مباشرة الاعتماد على المقاييس. لقد حاول العلماء تعريف أي ظاهرة ووصفها بإعطائها قيمة عددية ، وكانت تلك العملية لدراسة الكون الذي يشبه الآلة . لقد تطور إتقان إنتاج مقاييس الحرارة ، ومقاييس الضغط الجوي ، والمساطر الهندسية المنزلقة، ومقاييس القيم متناهية الصغر، والساعات البندولية ، وغير ذلك من أدوات القياس ، مما أدى إلى الاعتقاد بأن كل ما في عالم الطبيعة قابل للقياس. وحتى الوقت الذي لم يكن يظن في السابق أنه قابل للتجزئة إلى وحدات أصغر؛ أصبح ممكناً الأن قياسه بدقة.
ولقد كان للقياس الدقيق للوقت أثاره العلمية والعملية. "لقد كان مستحيلاً بدون توافر آلات ميقاتية (لقياس الوقت) دقيقة ، قياس تلك اللحظات الصغيرة من الزمن المنقضية بين الملاحظات المتتالية، وبدون ذلك لم يكن من الممكن تحقيق ما شهدناه من تلك المنجزات العلمية التي بدأت اعتماداً على استخدان التليسكوب والميكروسكوب" . وبالإضافة إلى ذلك فقد كان علماء الفلك والبحارة في حاجة لآلات ميقاتية مضبوطة تمكنهم من التسجيل الدقيق لحركة الأجرام السماوية ، حيث إن تلك المعلومات كانت حيوية لتحديد مواقع السفن في البحار المفتوحة

وللحديث بقية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية[2]

1 الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية [1] [1]   كفافي، د.علاء الدين ؛ الإرشاد والعلاج النفسي الأسري ، ط1/  2012  (121:1...