الجمعة، 7 يونيو 2019

بحث في الحياة الأسرية كمنظومة أو نسق رؤية: اجتماعية / نفسية (5)


 تفكك الرباط الزوجي (الهجر والطلاق)
          قد يؤدي أي من التصدع أو الصراع الزوجي الخفي أو الصريح إلى التفاقم الذي ينتهي بانفصام عرى الرباط الزوجي عملياً ومادياً في الهجر الفعلي أو الطلاق. أما الهجر الفعلي فيتخذ على الأغلب شكل الزواج من امرأة ثانية بدون طلاق الأولى التي تُتَرك مع أولادها. بينما يرحل الزوج إلى منزل زوجية جديد قاطعاً صلته بشكل كامل بالعلاقة الزوجية الأولى ، ومتخلياً عن مسؤولياته المادية والرعائية تجاه الأبناء. وقد تظل هذه العلاقات متباعدة وواهنة في حالة من توقف القيام بالدور الوالدي. وقد تنقطع أخبار الزوج – الأب تماماً ، أو هي تبقى معروفة مع حالة من عدم الإكتراث الذي يتفاوت في إصراره.
          وأما الطلاق فيكرس الانفصال مادياً وشرعياً ، مع حالات متنوعة من إدارة الظهر لمسؤولية رعاية الأولاد. فهناك حالات طلاق مع توافق الزوجين المطلقين على سياسة لرعاية الأبناء ، وأخرى يصحبها مختلف ألوان الإهمال والتسيب والنبذ وحرمان الزوجةوأبنائها من حقوقهم.
          يقوم كل من الهجر والطلاق على أرضية من إنطفاء الرباط العاطفي – الجنسي. سيحب كل التوظيف العاطفي مولداً حالة من الحياد والتباعد تجاه الآخر. وفي حالات أخرى يحدث التباعد بعد فترة من المجابهات والمنازعات تطول أو تقصر يحدث فيها توظيف مضاد للعدوانية تجاه الآخر والحرب عليه ، ومحاولة إنزال أكبر الأذى به. أما طاقة الحب التي يتم سحبها ، فيعاد توظيفها في علاقة بديلة ، أو هي تركز في الذات على شكل استعادة للاعتبار المفقود ، وإزالة للغُبن الذي وقع عليها. وهنا تبدو العدوانية مبررة كدفاع عن الذات ، وإنقاذاً لها من علاقة حملت المعانة والإحباط والأذى. ولابد من تحميل العلاقة المنفصمة هذه الأوزار كلها كي يمكن للعدوانية أن تمارس فعلها في نوع من راحة الضمير ، وفي تبرير لسلوك الانفصال لايدع مجالاً للشعور بالذنب. ذلك أن الإنسان لايمكنه عن وعي تحمل مسؤولية عدوانيته تجاه الآخر. لابد لهذه العدوانية أن تجد لها المبررات التي تجعلها تتخذ طابع الدفاع المشروع عن الكيان الذاتي ومصالحه. وإلا فإن مشاعر الذنب والخطيئة ستجتاح المرء ، الذي يقع عندها في أزمة نفسية داخلية لا قِبَل له بتحملها. وحتى يفعل نجد كل من الزوجين المنفصلين ، أو أحدهما الذي بادر بالأنفصال ، يبالغ في تسويد صورة الآخر وتحميله كل الأوزار والمثالب ، مما يجعل سلوكه يبدو حلاً مشروعاً يحمل له الخلاص. ولا تستمد العدوانية من الإحباط العلائقي وحده إلا في عدد نحدود من الحالات التي تنتهي بالانطفاء والحياد. أما في الحالات الأخرى فإن القرين يتحول إلى موضوع لإسقاط كل مصادر الإحباط الوجودي. وكأن مآسي الكيان الذاتي ، وعثرات الوجود وما تولده من احتقانات نفسية وغيظ وحقد ورغبات في التشفي تنحصر كلها في العلاقة الزوجية المُحبطة.
          ومن هُنا يمكن فهم حالات التشفي ومحاولة إنزال أشد الأذى بالقرين فيما يتجاوز المبررات الواقعية – الموضوعية. إنه يتحول إلى مصب لاستقطاب كل طاقة العدوان المتراكمة من مختلف منحي الوجود. كما يمكن فهم ذلك الإصرار العنيد على استمرار الرغبة في التشفي خلال إجراءات الطلاق وبعده ، ورفض كل محاولة للتوافق على سياسة انفصال معقولة. إن إزاحة كل مصادر تفجر العدوان على قرين – ضحية من الآليات النفسية المألوفة. يحدث هنا إنشطار ما بين الشر الذي يتجسد كله في القرين لبمُطلَّق ، وبين الخير الذي يتجلى في كل ما عداه. يتيح هذا الإنشطار تحرير المرء من الصراعات الذاتية ، مما يسمح له بالشعور باسترداد هناء العيش ، والإنطلاق في مشاريع وعلاقات جديدة بعد أن تم له الخلاص من مآسي الغُبن الكياني التي أسقطت كلها على القرين المُطلَّق. تؤدي هذه الحالات عموماً إلى طمس مشاعر الوالدية تجاه الأبناء وصولاً إلى تحويلها إلى ضدها على شكل نبذ عدواني ، حين تسقط عليهم نفس دلالة السوء والشر التي أسقطت على القرين.
          كما أن العدوانية تجاه الشريك المُطلَّق قد تشتد وتتفاقم في حالة من الدفاع النفسي ضد أي مشاعر أرتباط عاطفي لازالت كامنة. تفاقم العدوانية ضروري لتحقيق الإنشطار حتى لايظل هناك أي مجال لإمكانية الشك بوجود مشاعر رغبة عاطفية – جنسية تجاه هذا القرين ، قد تلغم مشروع الأنفصال. العدوانية هنا تقوم بدور مقاومة إغراء العودة إلى الارتباط بالقرين المُطلَّق. وهو إغراء وارد في حالات لا يستهان بها من تلك التي يعود فيها الزوج إلى زوجتع بعد إنفصال عنها ، على خلفية من التجاذب العاطفي العميق تجاهها ذي الطابع المرضي. الاقتراب من القرين يؤدي إلى إطلاق آلية التباعد ، بينما الانفصال يؤدي إلى إحياء دوافع التعلق الكامن.
          تُبين هذه الحالات وسواها ، كم أن تفكك الرباط الزوجي قد يكون معقداً ومأزقاً ، مما يعود إلى تنوع الرغبات والحاجات تجاه القرين نفسه. وعلى العكس من ذلك قد يحدث الانفصال بشكل دائم في حالة من تصفية العلاقات بسرعة.
          تتعدد دوافع الانفصال كثيراً ، تبعاً لتعدد مقومات الإرطبا التي تم استعرضها ودخولها في مآزق غير قابلة للاستيعاب والتسوية . إلا أن أبرزها تعود إلى أسباب نفسية تتعلق بمستوى النضج النفسي والنضج العاطفي الجنسي.
          سيادة الأنانية والتركيز الطفلي حول الذات هو أبرز أشكال قصور النضج النفسي الذي يؤدي إلى الانفصال . وهنا تبرز حالات الأرتباط غير الواقعية أو غير المُعَد لها جيداً كي تستمر.
          أما قصور النضج النفسي – الجنسي هو أبرز أسباب تعثر الارتباط العلائقي المستقر والقابل للنماء. وتأتي  على هذا الصعيد حالات الارتباط النزوي القائم على اندفاعية آنية بدون غد.
          ويضاف إلى هذه الأسباب النفسية عوامل اجتماعية – ثقافية ، من مثل شيوع عادات الطلاق والانفصال وسهولته . وكذلك تراجع القيمة الاجتماعية للأسرة والزواج والوالدية في الأوساط التي تعلي شأن تحقيق الذات الفردي من خلال الإنجازات المهنية أو العامة . هنا يبدو الارتباط الزوجي كمعوق في طريق تحقيق النجاح والإرتقاء لايجوز تحمل اعبائه ، في نوع من التناقض الثنائي: الإنجاز أم الزواج.
          وكما هو شأن التصدع فإن الأبناء هم الذين يدفعون الثمن الأكبر في حالات التفكك على اختلافها ، على شكل صيغ متنوعة تتراوح ما بين الانكسار النفسي ، والأزمات النفسية ، وبين سلوكيات التمرد وسوء التكيف المدرسي والاجتماعي.
          يعاني الأطفال قبل الطلاق من جو انعدام الطمأنينة الذي يصاحب الصراعات الزوجية ، التي قد تطول أو تقصر ، متخذة أنواعاً من العدوانية المتبادلة ، يعيش الأطفال هذا الجو كتهديد لوجودهم ، ويفتح أمامهم قلق المجهول ، وقلق الانفصال المصاحب لمخاوف تجسيد الطلاق فعلياً . يحس الطفل من هؤلاء أنه معرض لخطر الضياع وبالتالي الهلاك ، مما يبين مدى الأذى المصاحب لقلق الانفصال أو التهديد به. ويتفاقم قلق الطفل كلما صغر سنة بالطبع. ويأتي تصعيد هذا القلق من كونه يعتبر أن التهديد بالانفصال بين الزوجين سيتحقق لا محالة. ونظراً للأنوية المميزة لهذا العمر ، يعتبر الطفل أن الوالدين موجودان ومرتبطان زوجياً لأجله هو وأن انفصالهما الممكن هو دليل غضبهما منه لإثم أو خطيئة ارتكبهما ، أو عدم القيمة لايستحق أن يظلان معاً لأجله. وهومحق في ذلك إلى حد ما ، إذ لو كانا يقيمان وزناً لمصالحه وحاجته إلى الحب والرعاية فعلاً لحافظا على الحياة الأسرية من أجله.وكونهما يتوجهان نحو الانفصال ، فإن الطفل يقع أسير مشاعر الذنب الشديدة التي ترتد على ذاته ، إدانة وملامة لها على خطيئتها أو عدم استحقاقها للقيمة. تمثل هذه الزمة الكيانية الداخلية عند الطفل الوجه الآخر لكل من قلق أخطار تركه وهجره من ناحية ، ورد فعله الحاقد ضد أهله الذين خانوه من ناحية ثانية. ويتفاعل كل ركن من هذه الثلاثية (إدانة الذات ، قلق الهجر ، الحقد على الخيانة) مع بقية الأركان كي تعصف جميعها بتوازن الطفل النفسي. هذا في الوقت الذي ينشغل فيه الوالدان بصراعاتهما وتصعيد عدائهما المتبادل ، وتأزيم جو إنعدام الطمأنينة في الأسرة ، وهما لاهيان عن المعاناة التي تعصف بأطفالهما ، وغير مقدران لمقدار الأذى النفسي الذي يمكن أن يلحق بهم.
          على هذه الأرضية العامة من إنعدام الطمأنينة نلاحظ حالات من تعاطف الأطفال مع الأم إذا كانت ضحية عدوان الأب . فالطفل نظراً لضعفه واحتمال تعرضه للخطر بسبب سنه وقلة إمكانات حمايته لذاته ، يتعاطف عادة مع الطرف الضحية . وهو ما يضعه بالطبع في وضعية أكثر حرجاً ومأزقية ، وأصعب تحملاً على النفس ، وبالتالي أكثر تسبباً لإلحاق الأذى النفسي به.
          وقد يصل الأمر حد بروز المعسكرات التي سبق الإشارة إليها ، حيث يزج الأطفال في المعركة مع أحد الطرفين ضد الآخر في الوقت الذي هم بأمس الحاجة فيه لمرجعية ثنائية ، مطمئنة وراعية من قبل كلا الوالدين. فالطفل لا يشعر بالطمأنينة والأمان والثقة والحماية ، إلا في كنف والدين متحدين.
          وقد يكون الوضع أكثر قسوة على الأطفال خلال فترة الطلاق ، إذا لم يتخذ طابع التراضي ، والانفصال بالمعروف بشكل يراعي احتياجات الأطفال. أما إذا مرّ الطلاق بمرحلة من العدوانية ومحاولة إنزال الأذى بالقرين ، فإن الأطفال هم أكثر ما يضارون. فقد يقوم الأب مثلاً بطرد الزوجة وأولادها (في حالة التنكر لهم) من السكن الزوجي مما يؤدي إلى تعريضهم إلى ظروف بالغة القسوة والتهديد لتوازنهم النفسي ، على شكل ضياع ، وقلق وهلاك. وقد يمتنع بانتظار الحكم عن دفع النفقة التوجبة للزوجة والأولاد مع ما يستتبعه ذلك من تعريضهم لصعوبات مادية ذات آثار نفسية خطيرة . وقد يماطل في إجراءات الطلاق مستغلاً وضعه الشرعي ، و روتين المحاكم التي تتكدس فيها الدعاوي ، مما يطيل أمد شقاء الأولاد والزوجة وقلقهم. وهو قد يتحول إلى صدمات نفسية فعلية تنعكس آثارها على نموهم اللاحق.
          وقد يُستخدم الأولاد أداة في الحرب ضد القرين فيقوم أحد الزوجين بمنع الآخر من رؤية الأبناء انتقاماً منه ، متناسياً أن أكبر آثار هذا المنع ستنصب على الأطفال أنفسهم بسبب حاجتهم إلى استمرار المرجعية العاطفية والعلائقية والرعائية لكلا الوالدين. وغالباً ما يصاحب هذا المنع شحن الأولاد بالحقد على القرين الذي طلّق أو هجر أو خان ، وتشويه سمعته لديهم. تضع هذه الحالة الطفل في مأزق نفسي صعب. فهو بحاجة إلى تكوين صورة مثالية عن كل من الوالدين يطمئن إليها ويحتذيها ويتمثلها ويبني هويته إنطلاقاً من مرجعيتها. وتؤدي عملية الشحن وتشويه السمعة هذه إلى زعزعة بناء هويته بشكل سليم. وهو ما قد ينعكس على شكل اضطراب في نضجه العاطفي – الجنسي اللاحق. من مثل البنت التي شحنتها أمها ضد أبيها ، فيكون أسس اضطراب هويتها الأنثوية ، وزعزعة قدرتها على إقامة ارتباط عاطفي – جنسي معافى حين تصل سن الرشد. والعكس صحيح بالنسبة للفتى في علاقته بالنساء.
          وقد يُقبل الأهل على أمثال هذه الممارسات في حالة من الغرق في أنانيتهم وأنويتهم وإشباع رغباتهم في الانتقام بدون أدنى اهتمام بما سيحل بالأبناء من اضطرابات نفسية لاحقة.
          بعد الطلاق قد يقوم أحد الوالدين (الزوجة عادة) برعاية الأولاد في ظروف صعبة مادياً ونفسياً ، مما ينعكس على توازن علاقتها بهم. فقد يحدث أن تقيم علاقة دمجية ذوبانية مع بعضهم في نوع من تحالف الضحايا ، مما يجعل هؤلاء يظلون أسرى وضعية الضحية هذه ، وفي المقابل قد يكون من نصيب بعضهم الآخر إسقاط وصمة "النحس" عليه ، فهو ثمرة هذا الزواج المأساوي . ويحدث أن تبالغ الأم في وصم الطفل هذا وبالتالي نبذه في حالة من الدفاع اللاواعي عن إحساسها الدفين بالفشل الزوجي وما يحمله من أذى لصورتها عن ذاتها. فبدلاً من أن تجابه فشلها تلقي باللوم على الطفل "المنحوس" الذي لم ترَ على وجهه الخير. وهو ما يفتح أمام هذا الآخير احتمال الانكسار النفسي ، أو التمرد وردود الفعل السلوكية غير المتكيفة ، بل الجانحة.
          وقد يتحول الأولاد ليس إلى أداة للتشفي أو الإسقاط ، بل إلى عبء حين يحرم القرين الذي يتعهدهم فرصة بناء حياة جديدة ، بسبب القيام بواجبات رعايتهم. إننا بإزاء الأطفال – العقبة الوجودية أمام هناء الأم أو الأب - . وهو ثمن باهظ بدوره على الصعيد النفسي. يضيق الأهل ذرعاً بالأولاد  وأعبائهم ، مما يفتح إمكانية مواقف النبذ تجاههم. هنا تصبح العدوانية وإساءة المعاملة مبررة ومادة لتفريج الاحتقان النفسي.
          وقد يتزوج كل من القرينين ويؤسس حياة جديدة ، مع إهمال الأولاد وإدارة الظهر لهم وتسييبهم هنا وهناك : عند جدة مُسنة ، أو جد مُقعد ، أو قريب يضيق بأعبائهم ذرعاً. ويكون الأولاد أمام احتمال الضياع: يتدهور أداؤهم المدرسي ويعصف بهم الاضطراب النفسي ، ويفقدون مهارات التكيف الاجتماعي.


إعداد/ زكريا حبيب - ماجيستير المشورة ؛ دراسات في الإرشاد والعلاج الإسري والزوجي - عضو الجمعية المصرية للعلاجات الجماعية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية[2]

1 الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية [1] [1]   كفافي، د.علاء الدين ؛ الإرشاد والعلاج النفسي الأسري ، ط1/  2012  (121:1...