[1] كفافي،
د.علاء الدين ؛ الإرشاد والعلاج النفسي الأسري ، ط1/ 2012
(121:132) – دار الفكر العربي
2-الاتصال بالآخرين في
المراهقة:
كان الطفل في سنواته
الباكرة وقبل نمو اللغة يعتمد على التلامس مع الآخرين ليعبر بذلك عن حاجته للاتصال
بهم. وكان تحقيق الكبار للاتصال اللمسي مع الوليد والطفل يمثل أقصى درجات الأشباع
النفسي والجسمي له، أما الآن وقد اكتسب الطفل اللغة واستطاع أن يعبر بها عن نفسه ،
وأن يفهم عن الآخرين ما يقصدون إليه عندما يتحدثون فإن قنوات أخرى قد ظهرت للتعبير
عن الحاجة إلى الاتصال. كما ان النمو الاجتماعي الكبير الذي يحققه الطفل في مرحلة
الطفولة المتأخرة (6 – 12) تجعله قادراً وراغباً في التعبير عن حاجته الاتصالية
بالآخرين بوسائل جديدة غير اللمس والاتصال الجسدي. ويجب أن ننبه هنا إلى أمر هام
وهو أنه عندما تحل وسيلة جديدة للتعبير عن الحاجة للاتصال بالآخرين فإن الوسائل
القديمة لا تلغي أو يبطل مفعولها بل تظل باقية بجانب الوسائل الجديدة. فعندما
يستخدم الطفل اللغةل يُعبر عن علاقته بالآخرين فإن استخدام اللغة لايكون أبداً على
حساب الاتصال الجسدي الذي يظل من أقوى أساليب التعبير عن الاتصال الإنساني الحميم.
وفي الخطوات الواسعة التي يحققها في
ارتقائه الاجتماعي في مرحلة الطفولة المتأخرة نجد لديه رغبة شديدة في الحصول على
رضا الكبار وموافقتهم على ما يفعل. وبالطبع فإن محاولات الطفل للإنصياع والطاعة
وتنفيذ توجيهات الكبار والتصرف طبقاً لقواعد الأسر كلها تعكس حاجة نفسية للاتصال
مع الكبار والتمتع بالأمن والحماية والسلامة التي يوفرها التأييد والموافقة
الوالدية ، مما يجعله يستمر في هذا السلوك ويحرص على الالتزام إذا ما نجح في
الحصول على التأييد الوالدي. ولكن "سوليفان" يشير إلى أن الطفل إذا فشل
في الحصول على رضا الكبار فإنه قد يتحول من السلوك الملتزم بقواعد الأسرة إلى سلوك
كراهية هجومي مدمر يسميه التحول الحاقد Malevolent Transformation[1] .
فالطفل يفصح عن حاجته إلى المعاملة
الرقيقة وإلى التأييد والموافقة من والديه وإذا لم يجد استجابته لهذا الإفصاح ، أو
عوقِب لذلك فإنه لن يتنازل عن حاجته ، كما أن الحاجة لن تختفي من نفسها لمجرد
رفضها ولكن ما يحدث هو أن الطفل سيتعلم أنه من غير الحكمة أن يدع الآخرون يعرفون
حاجته ، وينمي اتجاهاً بأنه يعيش وسط أعداء كما يقول سوليفان ، وربما يبدأ الطفل
في السلوك على نحة يجعل من الصعب على أي شخص آخر أن يشعر بالرقة والتفهم أو
التعاطف معه ، مما يقدم دليلاً على صحة اتجاهه ، ومن ثم تبدأ الدائرة الخبيثة Vicious Circle (Sullivan, 1953,
214).
والفرق الهائل بين المراهق والطفل فيما
يتعلق بالحاجات الاتصالية بالآخرين هو أن المراهق يبحث عن تحقيق اتصاله بالآخرين
من خلال الدخول إلى جماعة الأقران وحصوله على تقبلها ورضائها وتجنب الانتقادات من
جانب رفاقه واقرانه وأصدقائه. ولأول مرة تصبح الأسرة شيئاً فشيئاً أقل أهمية من
الناحية السيكولوجية بالنسبة للمراهق في الوقت الذي تزيد فيه أهمية جماعة الأقران.
والوالد الذي يحاول مقاومة حركة المراهق ، أو الذي يحاول حمايته من إيذا مُحتمل
لايجد ترحيباً من جانب المراهق كما يجد رفضاً من جانب جماعة الأقران. وإذا أردنا التعبير
عن هذه الحقيقة بمصطلحات نظرية المجال نقول: إن منطقة الأسرة في حيز حياة المراهق
قد تم الاستيلاء عليها أو على معظمها من جانب مناطق أخرى جديدة مثل مناطق الأصدقاء
والمدرسة والرياضة والتجمعات من الأقران وغيرها ، ولكن الأسرة تظل كعامل مؤثر.
وكثيراً ما تعرقل الأسرة نشاط المراهق مع جماعته وتحد من درجة اندماجه في نشاطها
كما تفعل كثير من الأسر المنغلقة . وتسبب هذه الأسر كثيرا من المشكلات لأبنائها
بحرصها على أن يبقى المراهق مثلما كان طفلاً تحت أعين الآباء في المنزل طوال
الوقت، وهو المكافئ لعدم الاعتراف بالتغير وبالحقائق الجديدة.
والمراهق الذي يشعر بعدم تقبله في جماعة
الأقران يشعر بصدمة أليمة ويحاول بكل السُبل أن يغيِّر من هذا الوضع وأن يحصل على
موافقة وتأييد جماعة الأقران ، وهو على استعداد لعمل أي شيء لكي يتمتع بعضوية آمنه
محترمة داخل جماعة أقرانه.
والحاجة إلى الاتصال في صورتها
التبادلية from
reciprocal تظهر قبل سن المراهقة من
سن الثامنة والنصف إلى سن العاشرة ، وقبل هذه السن يكون الطفل مشغولاً بإشباع
حاجاته فقط ولا ينتبه إلى حاجات الآخرين. ولكن منذ نهاية مرحلة الطفولة المتأخرة
يبدو عليه الاهتمام بالآخرين من ليس زاوية ما يقدمونه له بل من زاوية ما يقدمه هو
لهم ، أي من زاوية العطاء وليس من زاوية الآخذ. ولذا فإن الطفل في هذه السن يستطيع
أن يتخذ أصدقاء ويرغب في أن يضحي في سبيلهم ، حتى أنه في مرحلة المراهقة يستجيب
لتوجيهات جماعة أقرانه ربما أكثر مما يستجيب لتوجيهات والديه ، وهذا هو سر قوة
جماعة الأقران في المراهقة.
ومما لاشك فيه أن الطفل في أواخر مرحلة
الطفولة وبداية مرحلة المراهقة عندما يُحرم من تنمية علاقة صداقة بأحد أقرانه ، أو
إذا فشل في اكتساب عضوية جماعة الأقران فإنها تكون خبرة أليمة لأنه في هذه السن
يكون عرصة للشعور بالوحدة الناتج عن هذا الحرمان العلاقي.
وعندما يرتقي الطفل في مدارج النمو
ويتقدم علاقياً كذلك فإنه يتحول من الحرص على الحصول على انتباه رفاقه من نفس
الجنس إلى الرغبة في الحصول على انتباه وإعجاب أفراد الجنس الآخر. وهوليس تحولاً
سهلاً ؛ لأن الحاجات الاتصالية الأبكر لاتختفي بمجرد أن تظهر حاجات أخرى. وعندما
يبزغ الدافع الجنسي على نحو واضح وصريح فإن الحاجة إلى الاتصال الجسمي والحاجة إلى
الأمن والحاجة إلى الموافقة والتأييد الوالدي والحاجة إلى تقبل الأقران ، أي كل
الحاجات الاتصالية ترتبط الآن بالدافع الجنسي. ومما لاشك فيه أن هناك بعض التعارض
في الحاجات الاتصالية. فلو تجاوز المراهق الخطوط الحمراء التي تضعها الثقافة
لعلاقة الجنسين معاً – استجابة للحاجة الاتصالية مع أفراد الجنس الآخر – فسيغامر
بكسر القواعد المنزلية والأسرية وسيفقد الأمن المتضمن في الموافقة والتأييد
الوالدي ، ويفقد أيضاً موافقة الدوائر الاجتماعية الأوسع من دائرة الأسرة ، في
الوقت الذي يكون فيه في حاجة إلى هذا التأييد الوالدي والاجتماعي. هذا وإن كان بعض
المراهقين قد ينجحون في إحداث تكامل في تحقيق الحاجات الاتصالية.
ولكن يبدو أن الفرق الذي صاغه "سوليفان"
صحيحاً من حيث إن علاقات الراشد الصحية والسوية تعتمد على ما إذا كانت قد أتيحت له
كوليد وطفل ويافع ومراهق الفرصة الحرة للنمو والتغير وتحقيق الاتصال بالآخرين
بحرية ، في الوقت الذي تحدث فيه المشكلات العلاقية والاتصالية في الرشد عندما يكف
النسق الأسري ويحبط حاجات أفراده الاتصالية المتغيرة.
[1] التحول الحاقد Malevolent Transformation مصطلح سكه هاري ستاك سوليفان H.S. Sullivan ويصف به مشاعر الشخص الذي يعيش بين أناس يدركهم
كأعداء ولايستطيع أن يثق في أحد منهم. وهذا الاتجاه يعود إلى المعاملة الجافة
الجائرة أثناء الطفولة. وربما كان الأساس في الانسحاب الاجتماعي. وفي بعض الحالات
يؤدي إلى اضطراب عقلي دو طبيعة بارانية (جابر، كفافي، 1992، 2051).