الاثنين، 20 يناير 2025

الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية[2]



1الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية[1]



[1]  كفافي، د.علاء الدين ؛ الإرشاد والعلاج النفسي الأسري ، ط1/  2012  (121:132) – دار الفكر العربي
 2-الاتصال بالآخرين في المراهقة:
كان الطفل في سنواته الباكرة وقبل نمو اللغة يعتمد على التلامس مع الآخرين ليعبر بذلك عن حاجته للاتصال بهم. وكان تحقيق الكبار للاتصال اللمسي مع الوليد والطفل يمثل أقصى درجات الأشباع النفسي والجسمي له، أما الآن وقد اكتسب الطفل اللغة واستطاع أن يعبر بها عن نفسه ، وأن يفهم عن الآخرين ما يقصدون إليه عندما يتحدثون فإن قنوات أخرى قد ظهرت للتعبير عن الحاجة إلى الاتصال. كما ان النمو الاجتماعي الكبير الذي يحققه الطفل في مرحلة الطفولة المتأخرة (6 – 12) تجعله قادراً وراغباً في التعبير عن حاجته الاتصالية بالآخرين بوسائل جديدة غير اللمس والاتصال الجسدي. ويجب أن ننبه هنا إلى أمر هام وهو أنه عندما تحل وسيلة جديدة للتعبير عن الحاجة للاتصال بالآخرين فإن الوسائل القديمة لا تلغي أو يبطل مفعولها بل تظل باقية بجانب الوسائل الجديدة. فعندما يستخدم الطفل اللغةل يُعبر عن علاقته بالآخرين فإن استخدام اللغة لايكون أبداً على حساب الاتصال الجسدي الذي يظل من أقوى أساليب التعبير عن الاتصال الإنساني الحميم.
          وفي الخطوات الواسعة التي يحققها في ارتقائه الاجتماعي في مرحلة الطفولة المتأخرة نجد لديه رغبة شديدة في الحصول على رضا الكبار وموافقتهم على ما يفعل. وبالطبع فإن محاولات الطفل للإنصياع والطاعة وتنفيذ توجيهات الكبار والتصرف طبقاً لقواعد الأسر كلها تعكس حاجة نفسية للاتصال مع الكبار والتمتع بالأمن والحماية والسلامة التي يوفرها التأييد والموافقة الوالدية ، مما يجعله يستمر في هذا السلوك ويحرص على الالتزام إذا ما نجح في الحصول على التأييد الوالدي. ولكن "سوليفان" يشير إلى أن الطفل إذا فشل في الحصول على رضا الكبار فإنه قد يتحول من السلوك الملتزم بقواعد الأسرة إلى سلوك كراهية هجومي مدمر يسميه التحول الحاقد Malevolent Transformation[1] .
          فالطفل يفصح عن حاجته إلى المعاملة الرقيقة وإلى التأييد والموافقة من والديه وإذا لم يجد استجابته لهذا الإفصاح ، أو عوقِب لذلك فإنه لن يتنازل عن حاجته ، كما أن الحاجة لن تختفي من نفسها لمجرد رفضها ولكن ما يحدث هو أن الطفل سيتعلم أنه من غير الحكمة أن يدع الآخرون يعرفون حاجته ، وينمي اتجاهاً بأنه يعيش وسط أعداء كما يقول سوليفان ، وربما يبدأ الطفل في السلوك على نحة يجعل من الصعب على أي شخص آخر أن يشعر بالرقة والتفهم أو التعاطف معه ، مما يقدم دليلاً على صحة اتجاهه ، ومن ثم تبدأ الدائرة الخبيثة Vicious Circle (Sullivan, 1953, 214).
          والفرق الهائل بين المراهق والطفل فيما يتعلق بالحاجات الاتصالية بالآخرين هو أن المراهق يبحث عن تحقيق اتصاله بالآخرين من خلال الدخول إلى جماعة الأقران وحصوله على تقبلها ورضائها وتجنب الانتقادات من جانب رفاقه واقرانه وأصدقائه. ولأول مرة تصبح الأسرة شيئاً فشيئاً أقل أهمية من الناحية السيكولوجية بالنسبة للمراهق في الوقت الذي تزيد فيه أهمية جماعة الأقران. والوالد الذي يحاول مقاومة حركة المراهق ، أو الذي يحاول حمايته من إيذا مُحتمل لايجد ترحيباً من جانب المراهق كما يجد رفضاً من جانب جماعة الأقران. وإذا أردنا التعبير عن هذه الحقيقة بمصطلحات نظرية المجال نقول: إن منطقة الأسرة في حيز حياة المراهق قد تم الاستيلاء عليها أو على معظمها من جانب مناطق أخرى جديدة مثل مناطق الأصدقاء والمدرسة والرياضة والتجمعات من الأقران وغيرها ، ولكن الأسرة تظل كعامل مؤثر. وكثيراً ما تعرقل الأسرة نشاط المراهق مع جماعته وتحد من درجة اندماجه في نشاطها كما تفعل كثير من الأسر المنغلقة . وتسبب هذه الأسر كثيرا من المشكلات لأبنائها بحرصها على أن يبقى المراهق مثلما كان طفلاً تحت أعين الآباء في المنزل طوال الوقت، وهو المكافئ لعدم الاعتراف بالتغير وبالحقائق الجديدة.
          والمراهق الذي يشعر بعدم تقبله في جماعة الأقران يشعر بصدمة أليمة ويحاول بكل السُبل أن يغيِّر من هذا الوضع وأن يحصل على موافقة وتأييد جماعة الأقران ، وهو على استعداد لعمل أي شيء لكي يتمتع بعضوية آمنه محترمة داخل جماعة أقرانه.
          والحاجة إلى الاتصال في صورتها التبادلية from reciprocal  تظهر قبل سن المراهقة من سن الثامنة والنصف إلى سن العاشرة ، وقبل هذه السن يكون الطفل مشغولاً بإشباع حاجاته فقط ولا ينتبه إلى حاجات الآخرين. ولكن منذ نهاية مرحلة الطفولة المتأخرة يبدو عليه الاهتمام بالآخرين من ليس زاوية ما يقدمونه له بل من زاوية ما يقدمه هو لهم ، أي من زاوية العطاء وليس من زاوية الآخذ. ولذا فإن الطفل في هذه السن يستطيع أن يتخذ أصدقاء ويرغب في أن يضحي في سبيلهم ، حتى أنه في مرحلة المراهقة يستجيب لتوجيهات جماعة أقرانه ربما أكثر مما يستجيب لتوجيهات والديه ، وهذا هو سر قوة جماعة الأقران في المراهقة.
          ومما لاشك فيه أن الطفل في أواخر مرحلة الطفولة وبداية مرحلة المراهقة عندما يُحرم من تنمية علاقة صداقة بأحد أقرانه ، أو إذا فشل في اكتساب عضوية جماعة الأقران فإنها تكون خبرة أليمة لأنه في هذه السن يكون عرصة للشعور بالوحدة الناتج عن هذا الحرمان العلاقي.
          وعندما يرتقي الطفل في مدارج النمو ويتقدم علاقياً كذلك فإنه يتحول من الحرص على الحصول على انتباه رفاقه من نفس الجنس إلى الرغبة في الحصول على انتباه وإعجاب أفراد الجنس الآخر. وهوليس تحولاً سهلاً ؛ لأن الحاجات الاتصالية الأبكر لاتختفي بمجرد أن تظهر حاجات أخرى. وعندما يبزغ الدافع الجنسي على نحو واضح وصريح فإن الحاجة إلى الاتصال الجسمي والحاجة إلى الأمن والحاجة إلى الموافقة والتأييد الوالدي والحاجة إلى تقبل الأقران ، أي كل الحاجات الاتصالية ترتبط الآن بالدافع الجنسي. ومما لاشك فيه أن هناك بعض التعارض في الحاجات الاتصالية. فلو تجاوز المراهق الخطوط الحمراء التي تضعها الثقافة لعلاقة الجنسين معاً – استجابة للحاجة الاتصالية مع أفراد الجنس الآخر – فسيغامر بكسر القواعد المنزلية والأسرية وسيفقد الأمن المتضمن في الموافقة والتأييد الوالدي ، ويفقد أيضاً موافقة الدوائر الاجتماعية الأوسع من دائرة الأسرة ، في الوقت الذي يكون فيه في حاجة إلى هذا التأييد الوالدي والاجتماعي. هذا وإن كان بعض المراهقين قد ينجحون في إحداث تكامل في تحقيق الحاجات الاتصالية.
          ولكن يبدو أن الفرق الذي صاغه "سوليفان" صحيحاً من حيث إن علاقات الراشد الصحية والسوية تعتمد على ما إذا كانت قد أتيحت له كوليد وطفل ويافع ومراهق الفرصة الحرة للنمو والتغير وتحقيق الاتصال بالآخرين بحرية ، في الوقت الذي تحدث فيه المشكلات العلاقية والاتصالية في الرشد عندما يكف النسق الأسري ويحبط حاجات أفراده الاتصالية المتغيرة.



[1] التحول الحاقد Malevolent Transformation مصطلح سكه هاري ستاك سوليفان H.S. Sullivan ويصف به مشاعر الشخص الذي يعيش بين أناس يدركهم كأعداء ولايستطيع أن يثق في أحد منهم. وهذا الاتجاه يعود إلى المعاملة الجافة الجائرة أثناء الطفولة. وربما كان الأساس في الانسحاب الاجتماعي. وفي بعض الحالات يؤدي إلى اضطراب عقلي دو طبيعة بارانية (جابر، كفافي، 1992، 2051).

النسق المُنفتح من الأسرة

سمات الأسرة المُنفتحة
يُسمى النسق الأسري نسقاً (نظاماً) مُنفتحاً عندما يكون قادراً على التغيير وإعادة التشكيل خلقاً لحالات جديدة متوالية ، بينما يحافظ في نفس الوقت على الحدود التي تجعل منه نسقاً متميزاً ، ومن حيث إنه قادر على ادخار الطاقة (النفسية) وعدم تبديدها. والنسق المنفتح قادر على القيام بكلا النوعين من التغير، تغير الدرجة الأولى الذي يرتبط بتغيير المكونات الداخلية المنفصل عن أية تأثيرات خارجية ، وتغير الدرجة الثانية الذي يتم نتيجة ورود معلومات وبيانات جديدة من الخارج. والذي يحافظ على حالة الانفتاح في النسق هى القواعد المرنة التي تسمح للنسق أن يستفيد من المدخلات البيئية الجديدة لكي ينظم نفسه ويتكيف للضغوط التي يتعرض لها.

وأول الملامح التي يتميز بها النسق المنفتح من الأسر - بعكس ما يتميز به النسق المنغلق - هو الاتصال الخارجي. ففي مقابل العزلة والانكفاء على الداخل في النسق المنغلق يوجد الانفتاح على العالم الخارجي، ويصف "كاتنور و ليهر" هذا المناخ بقولهما أن هذه الأسر يستقبل عدداً كبيراً من الضيوف والزوار وتقوم بزيارات متعددة للأصدقاء. وأبوابها لا تغلق بالأقفال ، ولديها الرغبة في استكشاف المجتمع ، وهناك حرية في تبادل المعلومات مع وقود رقابة مرنة ورشيدة على وسائل و أساليب الاتصال ، وهو نسق لايستقبل الضيوف فقط ، بل إنه يشعرهم بقيمتهم لما يقدمونه للأسرة. ولا يوجد تشجيع على الانغلاق أو العزلة ، وأنما يُسمح فقط بالابتعاد المؤقت للتخفيف من شعور عدم الارتياح والذي يمكن أن ينتج من الاقتراب الشديد ... كل فرد حر في تحديد تحركاته نحو الأفراد الآخرين أو نحو الأهداف التي ينشدها ما دام يحركة داخل نطاق الخطوط الهادية التي تم ترسيخها عبر الإجماع الأسري. وباختصار فإن النسق الأسري المُنفتح يحافظ على التماسك الجماعي في الوقت الذي يحافظ فيه أيضاً على الحرية الفردية (Kantor & Lehr, 1975, 127).

وثاني الخصائص التي تميز النسق المنفتح من الأسر هي "المرونة" والتي تتمثل في سهولة الاتصال بالخارج والتفاعل معه. ونظراً لأنه مسموح لكل فرد في الأسرة بقدر أكبر من تعدد الأدوار واختلاف جوانبها ، فإنه يكون لدى الأسرة عدداً أكبر من بدائل المسالك والقنوات وأساليب السلوك لكي تحل محل تلك التي تفقد قيمتها أو يتجاوزها تيار الزمن والتطور وحتى مثل تلك الأحداث الكارثية أو العنيفة والقاسية مثل وفاة أحد أعضاء الأسرة أو الانفصال طويل المدى له لا يُسبب انهيار التكوين والبناء المرن للأسرة المنفتحة (Sieburg 1985, 27).  ومع وجود ذلك القدر الأكبر من المحصلة equifinality فإنه يمكن توقع أن يكون لدى الأسرة المنفتحة قدر أكبر من الحيوية والقابلية للنمو من الأسر قليلة المرونة والأقرب إلى الانغلاق.

أما الخاصية الثالثة التي تميز النسق المنفتح من الأسر فهي الاتصالية Connectivity السوية. وهي القدرة على الاتصال الداخلي بين أفراد الأسرة بدون الافراط في الانغماس Over-involvement وبدون أن يقعوا في شبكة أو شرك الالتحام. وتستطيع الأسرة المنفتحة بترابطها مع بعضها البعض أن تتكيف وتتواءم مع الضغوط والمشكلات التي تقابلها ، وأن تمتص العواصف والرياح التي يمكن أن تقتلع العضو المفرد فيما لو واجهها وحده. وعلى النقيض من ذلك فإن الأسر التي لديها اتصالات داخلية ضعيفة بين أفرادها مثل الأسر المفككة disengaged قد تنكسر وتصبح شظايا متفرقة تحت وطأة الضغوط نظراً لأن أفرادها منفصلين بالفعل عن بعضهم البعض بواسطة حدودها الداخلية السميكة. إن مثل هذه الأسر الأخيرة قد لا تتعلم أبداَ أن تحل مشكلاتها بصورة جماعية أو أن يتعاملوا مع بعضهم البعض بتفهم وتعاطف ؛ ولأن كل فرد منفصل عن الآخر فإنه يجب أن يتكيف ويتواءم مع مشكله بطريقته المنعزلة ، وغالياً ما لا ينجح في ذلك. وتظل الأسرة ذات الاتصالات المفككة معرضة لضغوط مختلفة ولا تجد حلولاً كفئة لذلك ، بل قد تجد بدلا من ذلك بعض الروح العدائية بين أفرادها ، بفعل الإحباطات المستمرة وغياب التعاون والتفاهم.

ونظراً لأن مثل هذه الأسرة المفككة تفتقر إلى البنائية فإنها تصبح غير قادرة على أداء وظائفها بصورة ملائمة ومنسجمة. ويجب أن نفرق هنا بين المعية togetherness التي تميز الأسرة الواقعة في شرك الالتحام وبين الاحساس القوي بالاتصال والترابط الصحي ؛  لأن الأفراد في الحالة الأولى لديهم نقص في الاستقلالية والتباين، والتمايز بينهم عند حده الأدنى ، أما أفراد الاتصال الصحي فلهم شخصياتهم المستقلة وكياناتهم المتميزة.

ولا تستطيع الأسرة الواقعة في شرك الالتحام في ظل وجود الظروف الضاغطة أن تتصل وتترابط مع بعضها البعض بطريقة صحيحة ، ولكنها قد تشكل تحالفات داخلية تؤدي إلى تمزق الأسرة وإلى انقسامها إلى ائتلافات أو تحالفات عدائية مثل الصغير ضد الكبير ، والذكور ضد الإناث. وقد لاحظ "ناثان اكرمان" أن الأسرة الجامدة الواقعة في شرك الالتحام تميل بصفة خاصة إلى الانقسام إلى كسور كمقدمة لاختيار أحد أعضاء الأسرة ليكون "كبش فداء" (Scapegoat). 

وعلى الرغم من أن الأسرة تضحي بهذا العضو الذي اختارته ككبش فداء لها، وأن هذا الاختيار يحطم الفرد ويهلكه فإن كثير من الباحثين يرون أن الفرد الذي اختير ككبش فداء ليس اختيارا صرفاً من الأسرة ، بل إن هذا الفرد لديه استعداد وميل للقيام بهذا الدور (كفافي ، 1989 ، 1997). وعلى أية حال فإن الأسرة باختيارها أحد الأفراد ككبش فداء لها قد وجدت طريقاً للتعامل مع الضغوط التي تقابلها بدون أن تتعرض الأسرة للتفتت والتحول إلى شظايا.

المرجع:
كفافي،د.علاء الدين؛ الإرشاد والعلاج النفسي الأسري - ط1/ 2012 - دارالفكر العربي.

مشاكل الأزواج: كيف يجب أن يتصرف الأزواج مع خلافاتهم؟



طريقة تصرّف الزوجين خلال الجدالات البسيطة قد تكون هي العامل الأكبر الذي يحدد مستقبلهما ونوعية العلاقة التي ستجمعهما. إليكما كيف تتصرّفا خلال جدالكما
كثيرا ما يعلق الشريكان في جدالات تبدو للوهلة الأولى جدالات صعبة لا مناص منها، حتى يتحول هذا الجدال إلى خلاف يهدد صحة علاقتها. نطمئنكما هنا، فتكتيكات التعامل مع الجدالات كثيرة والحلول موجودة في تفاصيل ممارسة الجدال
الأسباب الحقيقية للخلافات
لا توجد علاقات محصنة ضد الجدالات، وكونكما تعيشان بعض الجدالات، هذا لا يعني أن هناك خلل في علاقتكما
قد تتفاجان أن جميع الجدالات تنبع في الحقيقة من الأسباب ذاتها، إلا أن بعض الممارسات الانفعالية وسوء الفهم يقودانها إلى طرق مسدودة
في احدى الدراسات التي بحثت علاقة الأزواج خلال الصراع، نتج أن هناك سببين أساسيين يحركان كل جدال وهما:
1.     شعور الطرفين أو أحدهما بالتهديد والقلق على مكانته.
2.     شعور الطرفين أو أحدهما بالإهمال والاستخفاف.
بالمقابل للتخلص من الشعورين المذكورين عليكما الإهتمام بالحفاظ على الأمان العاطفي بينكما، واصلا القراءة لتعرفا كيف يتم ذلك.
ماذا يريد كل من الشريكين في الحقيقة
في الأساس يبحث الشريكان خلال الجدال عما يجيب على احتياجاتهما أو مخاوفها، بالتالي فهما يبحثان عن شعور من الأمان العاطفي، التقدير والاهتمام. من هنا تنبع أهمية الإصغاء إلى احتياجات الشريك خصوصا في أشد أوقات النزاع.
في أحدى الدراسات التي تناولت ما يقارب 1000 زوج، كان العامل الأهم الذي برز في تحليل الصراعات الزوجية هو النزاع على السلطة. حيث أن التشبث بالرأي وعدم القدرة على تقاسم السيطرة عند اتخاذ القرارات المشتركة كانا سببان في نشوب الجدالات واستمرارها.
بالإضافة إلى عامل السلطة فقد نتج عن الدراسة أن ما يبحث عنه الشريك عند شريكه بشكل عام هو التالي:
  • تبادل واستثمار الاهتمام في العلاقة الزوجية.
  • المحافظة على تواصل أكبر
  • وقف السلوك المنافس خلال الجدال، والتصرف بشراكة لا بتنافس.
  • التعاطف وإظهار المودة والتفاهم
  • الاعتذار.
تجنبا الجدال عندما..
يبدو أن قدرتنا على قراءة احتياجات ومشاعر الأشخاص من حولنا تتأثر بشكل مباشر جدا بجودة النوم الذي نحظى به ومدى راحة أبداننا.
إحدى الدراسات أكدت أن نسبة الجدالات الأكبر كانت تحدث بين الأزواج بعد ليلة قليلة النوم، وذلك لأنهم كانوا أقل قدرة على التحكم بانفعالاتهم، وحتى ان أولئك الذين لم يعانوا من الخلافات فأن قلة النوم أثرت على مدى الترابط العاطفي بينهم
لذا تمسكا في نظام نومكما وانعما بنوم عميق لتجنب الخلافات الثانوية
إفعلا ولا تفعلا خلال الجدال لتخطيه
بعض السلوكيات التي يرتكبها الزوجان من شأنها أن تؤجج الجدال بينهما، الذي من المهم تجنبها، أهمها
  • لا تحاولا تحليل أسباب نفسية غامضة لسلوك بعضكما، تعاملا مع ما تريانه وتعبران عنه فقط
  • لا تثيرا مواقف، قصص وأخطاء قديمة قد تمت معالجتها سابقا، عالجا هذه المسألة على انفراد فقط
  • لا تتحدثا عن الأهل والأشقاء وأفراد العائلتين، تجنباهم تماما
  • تجنبا استخدام كلمتي "لكن" و"لا"، قدما اعتراضكما بصيغة ودودة وقريبة من قلبكما.
  • لا تستخدما بتاتا أي الألفاظ المسيئة لبعضكما، لا تتبادلا الصراخ أبدا، ولا تقللا من احترام بعضكما.
 نصائح للمحافظة على السلوكيات التالية خلال الجدال
  • تحدثا وتناقشا بنبرة صوت منخفضة وبود
  • ذكرا بعضكما خلال الحوار بمدى تمسككما ببعضكما، أظهرا لبعضكما الود والعاطفة حتى بلغة جسدكما
  • حاولا استخدام الأسئلة التوضيحية كي تحسنا فهم بعضكما تماما
  • اصغيا فعلا لكل ما يقوله الاخر، وتقبلا منظوره (مهما كنت تخالفها الرأي، هذا لا يلغي ما شعرت به، والعكس صحيح.
  • في حال لم تنجحا في حل المسألة، خذا قسط من الراحة وابتعدا عنها بعض الشيء، قوما بنشاط معا أو كل على حدة حسب الحاجة. المهم حافظا على مسافة من المشكلة
  • اقبلا مسؤولياتكما عند اللزوم، جل من لا يخطئ، المهم أنكما قادران على الإعتراف بأخطائكما وتصحيحها.
عزيزي، ربما كانت الجدالات البسيطة فرصة جميلة للارتقاء بحبكما وبعلاقاتكما، فلا تجعلاها تكون عكس ذلك
إعداد / زكريا حبيب
1.     ماجيستيرعلم المشورة من جامعه ثاوث ويست بايبل كوليدج اند سيمينارى بولايه جورجيا بالولايات المتحدة الامريكية
2.     60ساعة تدريبية من التقيم النفسي Psychological Assessment
3.     دبلوم الأرشاد الأسري والتربوي والنفس (معتمد من وزارة التضامن الأجتماعي)
 4. مُتدرب على العلاج الزوجي المرتكز على المشاعر (مركز الرخاوي للتدريب والابحاث)
5. دراسات في العلاج الأسري مع الدكتور/ عادل المدني (استاذ الطب النفسي جامعة الأزهر)
6. عضو الجمعية المصرية للعلاجات الجماعية
7. عضو الجمعية المصرية للعلاج المعرفي السلوكي.

السبت، 18 يناير 2025

الواقعية والقدرة على التعايش مع الحياة بغموضها وألمها - سمات ومعايير النضج النفسي - مشير سمير

واحدة من سمات ومعايير النضج (النفسي والروحي) هي قبول حقيقة أن الحياة غامضة ومؤلمة وأنه ليس كل ما قي الحياة قابل للتفسير، فهناك مثلاً:
أطفال يولدون بعيوب خَلقية ، وتوائم ملتصقة يعيشون هكذا طوال العمر دون تفسير.
وأطفال آخرون يموتون في فراشهم في ساعاتهم الأولى دون تفسير.
وهناك أطفال وشباب يافعون يُصابون بالسرطان ويقضون السنوات القليلة من عمرهم تحت تأثير العلاج الكيماوي المؤلم الذي يحولهم إلى هياكل عظمية قبل أن يموتوا دون تفسير.
وهناك الكثيرون ممن يشبوا بإعاقات نفسية وجسدية وحتى عقلية تلازمهم طوال حياتهم، ربما بدون أي أسباب معروفة. وربما لأسباب لا شأن لهم بها على الأطلاق وكأنهم يدفعون ثمن أخطاء ارتكبها الآخرون، مما يبدو على أنه ضرب من الظلم البحت وعدم العدل، وهذا أيضاً يبقى بدون تفسير.
هناك من لا ينجبون على الأطلاق ، وهناك من ينجبون ويذهب أبنائهم في حادثة لايتحمل مسئوليتها أحد. وهناك المئات الذين يفقدون حياتهم أو يفقدون أحبائهم أو يفقدون أعضاء من جسدهم في أعمال عسكرية أو إرهابية ليس لهم دخل بها على الأطلاق سوى أنهم كانوا فقط في زيارة لهذا المكان ، وتبقى علامات الاستفهام معهم دون تفسير ربما طوال الحياة.
وشعوب يتدفق من باطن أرضها البترول الذي يجعلهم أثرياء دون حاب أو مجهود بينما في صورة عبثية تبدو مُسيرة بالعشوائية التامة واللامنطقية يجاورهم من يتصيد الجراد ليتغذى عليه بسبب القحط والفقر الشديد، دون تفسير.
وهناك من قد يخًسر أحبائه أو أمواله وممتلكاته جميعاً دون أي تفسير. ولو حاولنا الخروج بعض الشيء خارج الدائرة الضيقة المحيطة بنا في محاولة للفهم سنجد عشرات من علامات الاستفهام وليس لها أي تفسير. مثلاً عشرات الآلاف الذين فقدوا حياتهم في تسونامي لماذا؟ ، لن نجد أي تفسير ، وتتحول كلمة "لماذا؟" في حياة الكثيرين حجر عثرة عنيف يقضي على حياتهم....
ولذلك فإنه من النضج ليس فقط أن يقبل الإنسان مثل هذا الغموض من الحياة. بل أيضاً أن يتعايش ويتكيف مع كل ما تأتي به الحياة من صعاب وآلام وغموض بدرجة لا تُعيق حياته عن الاستمرار والإنجاز بنفس مقدار الرضى والاطمئنان الداخليين. 
فمن النضج أن نؤمن بأن الحياة لا تأتي بما لايستطيع الإنسان تناوله ، حتى وإن لم يفهمه.
فالنضج هنا ليس أن أجد إجابات دائماً لكل شيء ، أمام علامات الاستفهام العالقة في الذهن ، بل أن لا أنكسرفي الأوقات التي لا أجد الإجابة فيها. وإنما أستطيع التعايش مع هذا الغموض وعدم الفهم .
فمن الواقعية والنضج أن يقبل الإنسان أن الله غير مُطالَب بأن يشرح ويفسر كل ما يفعله أو يسمح بحدوثه في هذه الحياة.
فبسبب عدم نضجنا تقفز إلى أذهاننا مثل هذه الأسئلة (ليه ، وعلشان إيه ، ومين اللي قال،  والله لازم يشرح لي) . فهو أي الله ، قد يفعل ذلك بعد سنوات وسنوات كما قد لايفعل ذلك على الأطلاق ، أن يشرح أو يفسر للإنسان لماذا يحدث كل ما يحدث...
إلا أن غموض الحياة وعدم الفهم هذا في نفس الوقت لا ينفي سعي الإنسان الدءوب للفهم وطلب المعرفة ومحاولة تغيير واقعه كلما أمكن ، دون أن يكون ذلك مشوباً بالتمرد على الله وعدم الثقة به ، فلا يوجد تعارض بين الطموح العاقل والسعي الدءوب للفهم والمعرفة والتغيير ، وبين قبول محدودية قدرة الإنسان وفهمه وإدراكه والاحتفاظ بالطمأنينة النابعة من الثقة في الله ، وهذا هو تحدي النضج

السبت، 11 يناير 2025

الألم والإنسان المعاصر


ماهي الطرق التي يسلكها الفرد للتخفيف من آلامه النفسية ؟

11-الهروب

ماذا يفعل الإنسان أول شيء حين يتألم ؟ ماذا يفعل حينما يشعر بالرفض أو بأنه غير محبوب أو غير مرغوب ، ماذا يفعل حينما يشعر بالضيق وبأنه بلا قيمة أو أن حياته عديمة المعنى ؟هل يذهب إلى خالقه طالباً العون ؟ الواقع يقول لا.
يقول الأخصائي النفسي د. بيير كاكو: " إن الجنس والطعام شكلان من أشكال الإشباع الجسدي ، فمتى تحققت احتياجاتنا نشعر بالامتلاء. ومن ناحية أخرى ، متى افتقرت حياتنا إلى الحب والحنان – أو متى شعرنا أننا غير مرغوبين – فقد نتحول إلى الطعام أو الجنس كمشبع بديل"
من الواضح أن هناك دافع فطري – كما أشار فرويد – يجعل الإنسان يعمل على تحاشي الألم عن طريق إغراقه في اللذة . بل أن فرويد يبالغ ويقول بأن الدافع الوحيد الذي يحرك الإنسان هو اللذة. قد لا نتفق معه في هذه المُبالغة إلا إنه من الواضح ومن الحقيقي أن الإنسان الطبيعي عادة ما يلجأ إلى أنواع من اللذة والمتع ليُسكن ( وليس يعالج ) ويخدر بها آلامه النفسية ويغطي بها فقرة وفراغه الداخلي (تماماً كما هو الحال مع تعاطي المخدرات).
وهذا ما يُسمى " الهروب إلى اللذة " أو " إرضاء أو إبهاج وتهنين النفس Self gratification" وهو أشهر أسلوب يلجأ إليه الإنسان للتعامل مع ألمه الداخلي ، حيث يبتكر الإنسان أي شيء يشغل أو يلهي distract – حسب تعبير الفيلسوف الفرنسي بسكال – به نفسه ، أي يحول به انتباهه أو إحساسه عن أن يشعر بألمه الداخلي أو أن يتلامس ويتواجه معه . فيصير الإنسان مُخدّراً من جهة إحساسه أو إدراكه للأمور المؤلمة أو القضايا الفكرية غير المحلولة التي تؤرقه والتي لا تقل إيلاماً ( تماماً كإلهاء الطفل عن شيء ما بلعبة براقة ملونة ذات أصوات جذابة ، تأخذ حواسه).
فيقول الفيلسوف الفرنسي باسكال في خواطره الشهيرة Pensees: " إن حياة الإلهاء والانشغال Distraction هي الشيء الوحيد الذي يعزينا عن الإحساس الناتج عن مواجهة نفوسنا ورؤية حقيقتها وشعورها بالتعاسة." فاللذة والانشغال أو الإلهاء في الواقع هما شيء واحد من جهة هذا الأمر.
... عندما لايكون الإنسان في سلام مع نفسه ، يجد صعوبة في التعامل مع المساحات الفارغة ، إما بصرياً (لا شيء تقرأه أو تراقبه) ، أو سمعياً (لا شيء تقوم به ). إنك تحاول إشغال نفسك عن المشاكل الداخلية – الألم ، والأفكار المتصارعة ، والخوف والاتهامات ، وما شابه ذلك – ولكن دون جدوى ، فإنك تشعر بانفعال (إثارة) أكثر...
ولكننا وبالتحديد في الصمت نأتي إلى المواجهة مع ذواتنا الحقيقية . إن أوجاع حياتنا عادةً ما تغلبنا للدرجة التي تجعلنا نفعل أي شيء حتى لا نتواجه معها. إن الراديو والتليفزيون والصحف والكتب والأفلام (والأنترنت والموبايل) وحتى العمل الشاق والحياة الاجتماعية المشغولة ، كلها من الممكن أن تكون طرق نهرب بها من ذواتنا ونحول بها الحياة إلى أوقات ممتدة من التسلية والترفيه في قضاء الوقت...
هكذا ترينا الاقتباسات السابقة كيف يبتكر الإنسان وسائل تسكين للألم عن طريق إلهاء النفس والانشغال أو الأغراق في المُتع ، التي أشهرها الجنس والطعام كما قال بيير داكو ، كيما تساعده على تجنب مواجهة هذا الألم بل والهروب منه...
ثاني أشهر وسيلة هروبية يتعامل بها الإنسان مع الألم ... إن اشتهاء امتلاك المزيد أو الأحسن ، هو في الحقيقة اشتياق إلى ملء فراغ في حياة الإنسان . فإلى من تذهب عندما تحس بالفراغ داخلك؟ كيف تجد الشبع الحقيقي. ...
والأن تُرى ما هي طريقة وأسلوب كل منا في الهروب من الألم؟ ما هو نوع اللذة أو الإلهاء الذي نبتكره لكي نخدِر ألامنا؟ ..
" الأكل ، الجنس ، النوم ، اللهو والسمر ، العلاقات ، الشراء (التسوق) ، اقتناء الأشياء ، المشي ، احلام اليقظة ، تغيير تصفيفة الشعر ، مشاهدة التليفزيون ، والسينما (وبالطبع الأن الكمبيوتر والإنترنت – والموبايل) والمكالمات التليفونية (وارتياد غرف الدردشة ومواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت – والموبايل) ، وتغيير نظام أثاث المنزل ، والأنشطة الاجتماعية ، المخدرات ، العمل ، الاستحمام ، السفر ، ...
ولربما هنا بفقدان الألم ، مؤقتاً ، نفقد الشيء الذي من شأنه أن يخبرنا بفقرنا واحتياجنا إلى الله.
... حيث إن البشر مختلفون فإنه ولمِن الطبيعي أن نجد طرقاً ووسائل عديدة ومتنوعة يبتكرها البشر للهروب من مواجهة آلامهم ، أي إن كانت هذه الوسائل طالما أنها تصنع مفعولها . فالإنسان قد يستخدم ، أو بمعنى أصح يُسيء استخدام abuse ، أي شيء بطريقة تعطيه هو لذة خاصة (حتى لو هذا الشيء صحيح في ذاته ، كالعمل أو الخدمة..) ذلك أن ما يعطي الشيء صحته أو خطأه هو الدافع الذي يقع وراء القيام بالفعل قبل الفعل ذاته. ويوماً فيوم يعتاد الإنسان هذه الوسيلة (خاصة وإن كانت مشروعة) وتزداد اعتماديته عليها أكثر فأكثر حتى تصير نمطاً واعتياداً إدمانياً. وهكذا يجد الإنسان نفسه وهو حبيس في فخ مطابه واحتياجاته وأسلوب تناوله لمشاكله وآلامه ، يجد أنه اصبح فريسة اعتياد وإدمان إرضاء وإسعاد وتهنين الذات ولا يستطيع الفرار من مصيدة الشهوة الإدمانية هذه، بينما يظل الألم الأساسي بداخل الإنسان والذي كان يهرب منه. تماماً كما هو ، فقط زاد عليه الوقوع في فخ الإدمان ( وهذا تماماً ما يشرح سيكولوجة الأدمان).

الجمعة، 10 يناير 2025

أزاي أعبر عن غضبي و بدون ما اشعر بالذنب


الغضب وليد فكرة
إن الغضب – حاله / حال كل المشاعر – هو حالة من رد الفعل الفسيولوجي الداخلي لمثير بيئي خارجي. هذا المُثير هو غالباً حَدَث أو موقف أو كلام يُفسر بطريقة تجعل الإنسان يشعر بالتهديد. وربما يكون المثير فكرة. التفسير هو الفكرة التي ينتجها الحدث في عقولنا. إن تفسير الأفكار تستثير المخ ، والذي بدوره ينبه الجسم لزيادة إنتاج هرمونات معينة. وتبعاً لنوعية الهرمونات التي يزداد إفرازها ، يتحدد نوع الشعور السائد. فمثلاً، إذا زاد هرمون الكورتيزول بصورة أكبر، يكون الشعور السائد هو الخوف الذي يُعد الإنسان للهرب من الموقف وحماية نفسه من الخطر. أما إذا زادت نسبة الأدرينالين، فإن الخوف يبدأ في التحول إلى غضب، وهذا يزيد من إنتاج الطاقة في الجسم، ويقلل من الإحساس بالآلم. وهذا الأمر ضروري لكي يبدأ الإنسان في الهجوم على مصدر الخطر. إن الهدف من الغضب إذاً هو التقليل من شعورنا بالخوف، وإمدادنا بالطاقة لنواجه مصدر الخطر.
الأفكار التلقائية
النقطة الأولى في رد الفعل الوجداني لدى الإنسان هي أن كل الأحداث التي نواجهها نفسرها وتتحول إلى أفكار بسرعة شديدة من دون أن نكون واعين لها. وتسمى هذه الأفكار التي تنشأ في وعينا بصورة تلقائية كرد فعل على الأحداث من دون أن نقصد التفكير، الأفكار التلقائية.
هي أفكار في العقل، لكنها أفكار مُتعلقة بالنفس والآخرين. فهي تثير المشاعر، كما أنها تقفز إلى وعينا من دون أن نُحللها ونعرف أسبابها، ومن دون حتى أن ندرك أننا فكرنا في الأمر وفسرناه. هي أفكار تدخل وعينا مثل الأحاسيس والمشاعر، وتفرض نفسها علينا من دون أن نعرف سببها. فنحن نشعر بالبرد ونحسب أنه واقع يجب التعامل معه (بارتداء المعطف مثلاً) قبل أن ندرك أن السبب هو النافذة المفتوحة، كما أننا نشعر بالغضب قبل أن ندرك إن كانت الكلمة التي أغضبتنا مقصودة أو غير مقصودة. لذلك عندما تدخل وعينا فكرة من دون أن نعرف سببها أو من دون أن نجد لها دليل، فإننا نعاملها مثلما نعامل الأحاسيس والمشاعر، فلا نفحصها بل نحسبها واقعاً نتعامل على أساسه.
تنتج الفكرة حالة شعورية
تؤدي الفكرة التلقائية إلى إفراز هرمون معين، ويخلق هذا الهرمون بدوره حالة فسيولوجية اعتاد الإنسان أن يميزها ويعطيها اسماً معيناً مثل الخوف أو الغضب. إننا نميز هذا الاسم منذ الطفولة من خلال التعبير عنه والاستماع لتعبيرات الآخرين والتعلم منهم. والنتيجة هي أننا كلما شعرنا بهذه الحالة الفسيولوجية في جسدنا، فإننا ندرك أننا نمر بهذا الشعور.
الشعور = حالة فسيولوجية + فكرة

·        الشخص الذي يشعر بالخوف، سرعان ما يجد دقات قلبه تتسارع، بينما يتصبب عرقه، ويجف حلقه، وتدور في ذهنه أفكار تتعلق بتوقع حدوث ضرر له أو لشخص يحبه أو لشيء يشكل قيمة بالنسبة إليه.
·        والشخص الذي يشعر بالحزن والإحباط ، يشعر بالتعب والإرهاق في جسده، كما يشعر بالرغبة في الراحة والانعزال، وتدور في ذهنه فكرة من أفكار الفقد والخسارة.
·        والشخص الذي يشعر بالغضب ، يشعر بالسخونة وتزايد الطاقة في جسده، كما يشعر بالرغبة في تدمير شيء ما أو تدمير أحد الأشخاص.
المشاعر والسلوك
إن المشاعر هي حركة تحدث أولاً في الداخل، أي في المخ، ثم تتوجه إلى الخارج نحو الجسد والسلوك. عندما تؤدي الفكرة إلى إفراز هرمون الكورتيزول فيما تُصاحب ذلك أفكار عن قرب حدوث خطرٍ يهدد أمان الإنسان أو قيمته أو طموحاته، فإنه يشعر بالخوف أو القلق. أما إذا زاد أيضاً الأدرينالين ؛ ووُجد أيضاً شخص أو شيء أعتقد الإنسان أنه مسؤول عن هذا التهديد، فإنه يشعر بالغضب تجاه ذاك الشخص أو الشيء. إن الغضب هو وليد الخوف، فمثلاً ، عندما يقود سائق الحافلة بسرعة وتهور، فإن الركاب يشعرون تجاهه بغضب شديد. والغضب هنا ناتج عن شعورهم بالخوف الذي نتج من أفكار تتعلق باحتمال تعرضهم للخطر، ثم إدراكهم أن السائق هو المتسبب في ذلك.
الدائرة المفرغة
- يشعر الأب بالغضب من رد ابنه المراهق عليه عندما يفسر طريقته في الكلام على أنها تنم عن عدم الاحترام، فينتهره. وعندما يشعر المراهق بدوره بالغضب، يجري نحو غرفته ويصفع الباب خلفه. إن صفعة الباب تزيد من غضب والده إذ إنها تشكل مزيداً من عدم الاحترام، فيستشيط الأب غضباً، وتدور الدائرة في تصعيد مُتتال يؤدي إلى تزايد مشاعر الغضب وتباعد المسافة بين المراهق وأبيه.
- تغضب الفتاة من صديقتها في أثناء المحادثة التليفونية بسبب كلمة فسرت على أنها تهكم، فتُنهي المكالمة مع صديقتها. وتستقبل الفتاة الأخرى هذا الفعل أنه قمة عدم الاحترام، فتتصل بها مجدداً، وتُكيل لها الكلام المهين، وتستمر عجلة الغضب بالدوران.
- يُفسَّر الحدَث ويُنشئ في العقل فكرة،
- والفكرة تَتَسبب في إفراز هرمونات،
- الهرمونات تُنشئ حالة فسيولوجية تؤدي (مع الفكرة) إلى الشعور،
- والشعور يؤدي إلى سلوك،
- السلوك يُنشئ رد فعل لدى الآخرين،
- ورَدُّ الفعل هذا يمثل حدَثاً جديداً يُفسَّر، وهكذا تدور الدائرة ثانية.
إذا لم يتعامل المرء مع هذه الدائرة المفرغة للغضب، فستخرج خارجاً في صورة انفعالات وانفجارات تُدمر علاقاتنا أو تنخر كياننا في صورة أمراض نفسية وعضوية تدمر نفوسنا وأجسادنا على حد سواء. كيف يحدث هذا؟ وكيف يتعامل المرء مع هذه الدائرة ؟

تعرف على التخلص من الاضطراب النفسي من خلال العلاج المعرفي

تصحيح الأفكار من خلال العلاج المعرفي - ملحق(3) - من كتاب / سمات ومعايير النضج النفسي - مشير سمير

يسجل د. ألبرت إيللس في كتابه "شعور أفضل .. نفسية أفضل .. حياة أفضل" النقاط و الأفكار التالية التي تساعدنا في تصحيح أفكارنا من خلال العلاج المعرفي وتُفند أخطاء التفكير التي تُسبب لنا الاضطراب النفسي:

  • ".. واقعياً أنا إنسان غيرمعصوم عن الخطأ وغالباً ما سأقترف الأخطاء وأستطيع الآن محاولة تصحيح هفواتي"
  • ".. منطقياً أنا إنسان وقع في الخطأ ولست شخصاً غبياً وغير كفء"
  • ".. إن هذه المحنة هي ضد رغباتي بلا ريب ولا أريدها أن تحدث. ولكن عليَّ تغييرها أو التعايش بشكل أفضل معها .."
  • ".. لا أحتاج أبداً إلى ما أريد. أفضله وحسب، وإن يكن بقوة أحياناً. ولكن حتى الحياة بحد ذاتها ليست ضرورة بل مرغوب فيها وحسب خاصة إن كنت أتمتع بالقدرة العالية على احتمال الإحباط"
  • ".. الفشل في بلوغ أهدافي أمر مُحبط وغير ملائم ليس أمراً مُرعباً باستثناء تعريفي السخيف. خوف"
  • "..أن أفتقد بعض المتع الحقيقة ، يمكنني بالتأكيد احتمال ذلك وإيجاد عدد من المتع الأخرى إن بحثت عنها.."
  • ".. تأدية بعض الأمور البغيضة حالياً (مثل الدراسة) ستمنحني مكاسب مستقبلية (مثل الحصول على شهادة)"
  • ".. تأدية بعض الأمور المُسرة حالياً (مثل التدخين أو شرب الخمرة) ستسبب  لي الألم في المستقبل (مثل سرطان الرئة أو تليف الكبد)"
  • ".. إنها الأعمال المنزلية المكروهة (مثل ترتيب شقتي أو مكتبي) هو أمر مزعج ولكن ليس فظيعاً) "
  • ".. واقع إنني أمقت بشدة القيام ببعض المهمات المطلوبة (مثل دفع الضرائب) لا يعني أنني لا أستطيع فعل ذلك"
  • ".. غالباً ما يكون من الصعب ضبط نفسي (عبر إتباع نظام غذائي خاص أو ممارسة الرياضة ) ولكن سيكون من الصعب أكثر إن لم أفعل"
  • ".. يمكنني الإفلات من تجنب بعض المتلطبات الاجتماعية (مثل الوصول إلى العمل في الوقت المحدد) ، ولكن إلى متى"
  • ".. إن ظننت أن الحياة يجب أن تكون سهلة دائماً ، فأين ستؤدي بي هذه الفكرة الغريبة؟"
  • ".. ما من مكاسب بدون جهد" ...
  • ".. يمكنني أن أشعر بالسعادة بأقل مما أريده عندما أكف عن طلب أن يتحقق كل ما أبتغيه"
  • ".. إن عرضت نفسي بتعمد لأمور مزعجة (مثل إلقاء كلمة علناً) يمكنني تجاوز شعوري بالانزعاج وتخطي خوفي من القيام بها والتمتع بها في أغلب الأحيان"
  • ".. عندما تحدث المحن بشكل لايمكن اجتنابه. ولا سبيل إلى تغييرها. فإن طلب عدم حدوثها ورفض تقبلها سيجعلها أسوأ"
  • "..عملياً، كل ما أفعله له فوائده وعوائقه. لكل شيء ثمنه"
  • ".. كثيراً ما سيكون علي الاختيار بين شرين أو أكثر ، من الأفضل أنتخب وأختار ما أعتقده أهون الشرين"
  • ".. فلا أؤجل ما يمكنني فعله اليوم حتى غدا وأبقيه عبئاً علي إلى الأبد"
..... 

الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية[2]

1 الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية [1] [1]   كفافي، د.علاء الدين ؛ الإرشاد والعلاج النفسي الأسري ، ط1/  2012  (121:1...