السبت، 11 يناير 2025

الألم والإنسان المعاصر


ماهي الطرق التي يسلكها الفرد للتخفيف من آلامه النفسية ؟

11-الهروب

ماذا يفعل الإنسان أول شيء حين يتألم ؟ ماذا يفعل حينما يشعر بالرفض أو بأنه غير محبوب أو غير مرغوب ، ماذا يفعل حينما يشعر بالضيق وبأنه بلا قيمة أو أن حياته عديمة المعنى ؟هل يذهب إلى خالقه طالباً العون ؟ الواقع يقول لا.
يقول الأخصائي النفسي د. بيير كاكو: " إن الجنس والطعام شكلان من أشكال الإشباع الجسدي ، فمتى تحققت احتياجاتنا نشعر بالامتلاء. ومن ناحية أخرى ، متى افتقرت حياتنا إلى الحب والحنان – أو متى شعرنا أننا غير مرغوبين – فقد نتحول إلى الطعام أو الجنس كمشبع بديل"
من الواضح أن هناك دافع فطري – كما أشار فرويد – يجعل الإنسان يعمل على تحاشي الألم عن طريق إغراقه في اللذة . بل أن فرويد يبالغ ويقول بأن الدافع الوحيد الذي يحرك الإنسان هو اللذة. قد لا نتفق معه في هذه المُبالغة إلا إنه من الواضح ومن الحقيقي أن الإنسان الطبيعي عادة ما يلجأ إلى أنواع من اللذة والمتع ليُسكن ( وليس يعالج ) ويخدر بها آلامه النفسية ويغطي بها فقرة وفراغه الداخلي (تماماً كما هو الحال مع تعاطي المخدرات).
وهذا ما يُسمى " الهروب إلى اللذة " أو " إرضاء أو إبهاج وتهنين النفس Self gratification" وهو أشهر أسلوب يلجأ إليه الإنسان للتعامل مع ألمه الداخلي ، حيث يبتكر الإنسان أي شيء يشغل أو يلهي distract – حسب تعبير الفيلسوف الفرنسي بسكال – به نفسه ، أي يحول به انتباهه أو إحساسه عن أن يشعر بألمه الداخلي أو أن يتلامس ويتواجه معه . فيصير الإنسان مُخدّراً من جهة إحساسه أو إدراكه للأمور المؤلمة أو القضايا الفكرية غير المحلولة التي تؤرقه والتي لا تقل إيلاماً ( تماماً كإلهاء الطفل عن شيء ما بلعبة براقة ملونة ذات أصوات جذابة ، تأخذ حواسه).
فيقول الفيلسوف الفرنسي باسكال في خواطره الشهيرة Pensees: " إن حياة الإلهاء والانشغال Distraction هي الشيء الوحيد الذي يعزينا عن الإحساس الناتج عن مواجهة نفوسنا ورؤية حقيقتها وشعورها بالتعاسة." فاللذة والانشغال أو الإلهاء في الواقع هما شيء واحد من جهة هذا الأمر.
... عندما لايكون الإنسان في سلام مع نفسه ، يجد صعوبة في التعامل مع المساحات الفارغة ، إما بصرياً (لا شيء تقرأه أو تراقبه) ، أو سمعياً (لا شيء تقوم به ). إنك تحاول إشغال نفسك عن المشاكل الداخلية – الألم ، والأفكار المتصارعة ، والخوف والاتهامات ، وما شابه ذلك – ولكن دون جدوى ، فإنك تشعر بانفعال (إثارة) أكثر...
ولكننا وبالتحديد في الصمت نأتي إلى المواجهة مع ذواتنا الحقيقية . إن أوجاع حياتنا عادةً ما تغلبنا للدرجة التي تجعلنا نفعل أي شيء حتى لا نتواجه معها. إن الراديو والتليفزيون والصحف والكتب والأفلام (والأنترنت والموبايل) وحتى العمل الشاق والحياة الاجتماعية المشغولة ، كلها من الممكن أن تكون طرق نهرب بها من ذواتنا ونحول بها الحياة إلى أوقات ممتدة من التسلية والترفيه في قضاء الوقت...
هكذا ترينا الاقتباسات السابقة كيف يبتكر الإنسان وسائل تسكين للألم عن طريق إلهاء النفس والانشغال أو الأغراق في المُتع ، التي أشهرها الجنس والطعام كما قال بيير داكو ، كيما تساعده على تجنب مواجهة هذا الألم بل والهروب منه...
ثاني أشهر وسيلة هروبية يتعامل بها الإنسان مع الألم ... إن اشتهاء امتلاك المزيد أو الأحسن ، هو في الحقيقة اشتياق إلى ملء فراغ في حياة الإنسان . فإلى من تذهب عندما تحس بالفراغ داخلك؟ كيف تجد الشبع الحقيقي. ...
والأن تُرى ما هي طريقة وأسلوب كل منا في الهروب من الألم؟ ما هو نوع اللذة أو الإلهاء الذي نبتكره لكي نخدِر ألامنا؟ ..
" الأكل ، الجنس ، النوم ، اللهو والسمر ، العلاقات ، الشراء (التسوق) ، اقتناء الأشياء ، المشي ، احلام اليقظة ، تغيير تصفيفة الشعر ، مشاهدة التليفزيون ، والسينما (وبالطبع الأن الكمبيوتر والإنترنت – والموبايل) والمكالمات التليفونية (وارتياد غرف الدردشة ومواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت – والموبايل) ، وتغيير نظام أثاث المنزل ، والأنشطة الاجتماعية ، المخدرات ، العمل ، الاستحمام ، السفر ، ...
ولربما هنا بفقدان الألم ، مؤقتاً ، نفقد الشيء الذي من شأنه أن يخبرنا بفقرنا واحتياجنا إلى الله.
... حيث إن البشر مختلفون فإنه ولمِن الطبيعي أن نجد طرقاً ووسائل عديدة ومتنوعة يبتكرها البشر للهروب من مواجهة آلامهم ، أي إن كانت هذه الوسائل طالما أنها تصنع مفعولها . فالإنسان قد يستخدم ، أو بمعنى أصح يُسيء استخدام abuse ، أي شيء بطريقة تعطيه هو لذة خاصة (حتى لو هذا الشيء صحيح في ذاته ، كالعمل أو الخدمة..) ذلك أن ما يعطي الشيء صحته أو خطأه هو الدافع الذي يقع وراء القيام بالفعل قبل الفعل ذاته. ويوماً فيوم يعتاد الإنسان هذه الوسيلة (خاصة وإن كانت مشروعة) وتزداد اعتماديته عليها أكثر فأكثر حتى تصير نمطاً واعتياداً إدمانياً. وهكذا يجد الإنسان نفسه وهو حبيس في فخ مطابه واحتياجاته وأسلوب تناوله لمشاكله وآلامه ، يجد أنه اصبح فريسة اعتياد وإدمان إرضاء وإسعاد وتهنين الذات ولا يستطيع الفرار من مصيدة الشهوة الإدمانية هذه، بينما يظل الألم الأساسي بداخل الإنسان والذي كان يهرب منه. تماماً كما هو ، فقط زاد عليه الوقوع في فخ الإدمان ( وهذا تماماً ما يشرح سيكولوجة الأدمان).

الجمعة، 10 يناير 2025

أزاي أعبر عن غضبي و بدون ما اشعر بالذنب


الغضب وليد فكرة
إن الغضب – حاله / حال كل المشاعر – هو حالة من رد الفعل الفسيولوجي الداخلي لمثير بيئي خارجي. هذا المُثير هو غالباً حَدَث أو موقف أو كلام يُفسر بطريقة تجعل الإنسان يشعر بالتهديد. وربما يكون المثير فكرة. التفسير هو الفكرة التي ينتجها الحدث في عقولنا. إن تفسير الأفكار تستثير المخ ، والذي بدوره ينبه الجسم لزيادة إنتاج هرمونات معينة. وتبعاً لنوعية الهرمونات التي يزداد إفرازها ، يتحدد نوع الشعور السائد. فمثلاً، إذا زاد هرمون الكورتيزول بصورة أكبر، يكون الشعور السائد هو الخوف الذي يُعد الإنسان للهرب من الموقف وحماية نفسه من الخطر. أما إذا زادت نسبة الأدرينالين، فإن الخوف يبدأ في التحول إلى غضب، وهذا يزيد من إنتاج الطاقة في الجسم، ويقلل من الإحساس بالآلم. وهذا الأمر ضروري لكي يبدأ الإنسان في الهجوم على مصدر الخطر. إن الهدف من الغضب إذاً هو التقليل من شعورنا بالخوف، وإمدادنا بالطاقة لنواجه مصدر الخطر.
الأفكار التلقائية
النقطة الأولى في رد الفعل الوجداني لدى الإنسان هي أن كل الأحداث التي نواجهها نفسرها وتتحول إلى أفكار بسرعة شديدة من دون أن نكون واعين لها. وتسمى هذه الأفكار التي تنشأ في وعينا بصورة تلقائية كرد فعل على الأحداث من دون أن نقصد التفكير، الأفكار التلقائية.
هي أفكار في العقل، لكنها أفكار مُتعلقة بالنفس والآخرين. فهي تثير المشاعر، كما أنها تقفز إلى وعينا من دون أن نُحللها ونعرف أسبابها، ومن دون حتى أن ندرك أننا فكرنا في الأمر وفسرناه. هي أفكار تدخل وعينا مثل الأحاسيس والمشاعر، وتفرض نفسها علينا من دون أن نعرف سببها. فنحن نشعر بالبرد ونحسب أنه واقع يجب التعامل معه (بارتداء المعطف مثلاً) قبل أن ندرك أن السبب هو النافذة المفتوحة، كما أننا نشعر بالغضب قبل أن ندرك إن كانت الكلمة التي أغضبتنا مقصودة أو غير مقصودة. لذلك عندما تدخل وعينا فكرة من دون أن نعرف سببها أو من دون أن نجد لها دليل، فإننا نعاملها مثلما نعامل الأحاسيس والمشاعر، فلا نفحصها بل نحسبها واقعاً نتعامل على أساسه.
تنتج الفكرة حالة شعورية
تؤدي الفكرة التلقائية إلى إفراز هرمون معين، ويخلق هذا الهرمون بدوره حالة فسيولوجية اعتاد الإنسان أن يميزها ويعطيها اسماً معيناً مثل الخوف أو الغضب. إننا نميز هذا الاسم منذ الطفولة من خلال التعبير عنه والاستماع لتعبيرات الآخرين والتعلم منهم. والنتيجة هي أننا كلما شعرنا بهذه الحالة الفسيولوجية في جسدنا، فإننا ندرك أننا نمر بهذا الشعور.
الشعور = حالة فسيولوجية + فكرة

·        الشخص الذي يشعر بالخوف، سرعان ما يجد دقات قلبه تتسارع، بينما يتصبب عرقه، ويجف حلقه، وتدور في ذهنه أفكار تتعلق بتوقع حدوث ضرر له أو لشخص يحبه أو لشيء يشكل قيمة بالنسبة إليه.
·        والشخص الذي يشعر بالحزن والإحباط ، يشعر بالتعب والإرهاق في جسده، كما يشعر بالرغبة في الراحة والانعزال، وتدور في ذهنه فكرة من أفكار الفقد والخسارة.
·        والشخص الذي يشعر بالغضب ، يشعر بالسخونة وتزايد الطاقة في جسده، كما يشعر بالرغبة في تدمير شيء ما أو تدمير أحد الأشخاص.
المشاعر والسلوك
إن المشاعر هي حركة تحدث أولاً في الداخل، أي في المخ، ثم تتوجه إلى الخارج نحو الجسد والسلوك. عندما تؤدي الفكرة إلى إفراز هرمون الكورتيزول فيما تُصاحب ذلك أفكار عن قرب حدوث خطرٍ يهدد أمان الإنسان أو قيمته أو طموحاته، فإنه يشعر بالخوف أو القلق. أما إذا زاد أيضاً الأدرينالين ؛ ووُجد أيضاً شخص أو شيء أعتقد الإنسان أنه مسؤول عن هذا التهديد، فإنه يشعر بالغضب تجاه ذاك الشخص أو الشيء. إن الغضب هو وليد الخوف، فمثلاً ، عندما يقود سائق الحافلة بسرعة وتهور، فإن الركاب يشعرون تجاهه بغضب شديد. والغضب هنا ناتج عن شعورهم بالخوف الذي نتج من أفكار تتعلق باحتمال تعرضهم للخطر، ثم إدراكهم أن السائق هو المتسبب في ذلك.
الدائرة المفرغة
- يشعر الأب بالغضب من رد ابنه المراهق عليه عندما يفسر طريقته في الكلام على أنها تنم عن عدم الاحترام، فينتهره. وعندما يشعر المراهق بدوره بالغضب، يجري نحو غرفته ويصفع الباب خلفه. إن صفعة الباب تزيد من غضب والده إذ إنها تشكل مزيداً من عدم الاحترام، فيستشيط الأب غضباً، وتدور الدائرة في تصعيد مُتتال يؤدي إلى تزايد مشاعر الغضب وتباعد المسافة بين المراهق وأبيه.
- تغضب الفتاة من صديقتها في أثناء المحادثة التليفونية بسبب كلمة فسرت على أنها تهكم، فتُنهي المكالمة مع صديقتها. وتستقبل الفتاة الأخرى هذا الفعل أنه قمة عدم الاحترام، فتتصل بها مجدداً، وتُكيل لها الكلام المهين، وتستمر عجلة الغضب بالدوران.
- يُفسَّر الحدَث ويُنشئ في العقل فكرة،
- والفكرة تَتَسبب في إفراز هرمونات،
- الهرمونات تُنشئ حالة فسيولوجية تؤدي (مع الفكرة) إلى الشعور،
- والشعور يؤدي إلى سلوك،
- السلوك يُنشئ رد فعل لدى الآخرين،
- ورَدُّ الفعل هذا يمثل حدَثاً جديداً يُفسَّر، وهكذا تدور الدائرة ثانية.
إذا لم يتعامل المرء مع هذه الدائرة المفرغة للغضب، فستخرج خارجاً في صورة انفعالات وانفجارات تُدمر علاقاتنا أو تنخر كياننا في صورة أمراض نفسية وعضوية تدمر نفوسنا وأجسادنا على حد سواء. كيف يحدث هذا؟ وكيف يتعامل المرء مع هذه الدائرة ؟

تعرف على التخلص من الاضطراب النفسي من خلال العلاج المعرفي

تصحيح الأفكار من خلال العلاج المعرفي - ملحق(3) - من كتاب / سمات ومعايير النضج النفسي - مشير سمير

يسجل د. ألبرت إيللس في كتابه "شعور أفضل .. نفسية أفضل .. حياة أفضل" النقاط و الأفكار التالية التي تساعدنا في تصحيح أفكارنا من خلال العلاج المعرفي وتُفند أخطاء التفكير التي تُسبب لنا الاضطراب النفسي:

  • ".. واقعياً أنا إنسان غيرمعصوم عن الخطأ وغالباً ما سأقترف الأخطاء وأستطيع الآن محاولة تصحيح هفواتي"
  • ".. منطقياً أنا إنسان وقع في الخطأ ولست شخصاً غبياً وغير كفء"
  • ".. إن هذه المحنة هي ضد رغباتي بلا ريب ولا أريدها أن تحدث. ولكن عليَّ تغييرها أو التعايش بشكل أفضل معها .."
  • ".. لا أحتاج أبداً إلى ما أريد. أفضله وحسب، وإن يكن بقوة أحياناً. ولكن حتى الحياة بحد ذاتها ليست ضرورة بل مرغوب فيها وحسب خاصة إن كنت أتمتع بالقدرة العالية على احتمال الإحباط"
  • ".. الفشل في بلوغ أهدافي أمر مُحبط وغير ملائم ليس أمراً مُرعباً باستثناء تعريفي السخيف. خوف"
  • "..أن أفتقد بعض المتع الحقيقة ، يمكنني بالتأكيد احتمال ذلك وإيجاد عدد من المتع الأخرى إن بحثت عنها.."
  • ".. تأدية بعض الأمور البغيضة حالياً (مثل الدراسة) ستمنحني مكاسب مستقبلية (مثل الحصول على شهادة)"
  • ".. تأدية بعض الأمور المُسرة حالياً (مثل التدخين أو شرب الخمرة) ستسبب  لي الألم في المستقبل (مثل سرطان الرئة أو تليف الكبد)"
  • ".. إنها الأعمال المنزلية المكروهة (مثل ترتيب شقتي أو مكتبي) هو أمر مزعج ولكن ليس فظيعاً) "
  • ".. واقع إنني أمقت بشدة القيام ببعض المهمات المطلوبة (مثل دفع الضرائب) لا يعني أنني لا أستطيع فعل ذلك"
  • ".. غالباً ما يكون من الصعب ضبط نفسي (عبر إتباع نظام غذائي خاص أو ممارسة الرياضة ) ولكن سيكون من الصعب أكثر إن لم أفعل"
  • ".. يمكنني الإفلات من تجنب بعض المتلطبات الاجتماعية (مثل الوصول إلى العمل في الوقت المحدد) ، ولكن إلى متى"
  • ".. إن ظننت أن الحياة يجب أن تكون سهلة دائماً ، فأين ستؤدي بي هذه الفكرة الغريبة؟"
  • ".. ما من مكاسب بدون جهد" ...
  • ".. يمكنني أن أشعر بالسعادة بأقل مما أريده عندما أكف عن طلب أن يتحقق كل ما أبتغيه"
  • ".. إن عرضت نفسي بتعمد لأمور مزعجة (مثل إلقاء كلمة علناً) يمكنني تجاوز شعوري بالانزعاج وتخطي خوفي من القيام بها والتمتع بها في أغلب الأحيان"
  • ".. عندما تحدث المحن بشكل لايمكن اجتنابه. ولا سبيل إلى تغييرها. فإن طلب عدم حدوثها ورفض تقبلها سيجعلها أسوأ"
  • "..عملياً، كل ما أفعله له فوائده وعوائقه. لكل شيء ثمنه"
  • ".. كثيراً ما سيكون علي الاختيار بين شرين أو أكثر ، من الأفضل أنتخب وأختار ما أعتقده أهون الشرين"
  • ".. فلا أؤجل ما يمكنني فعله اليوم حتى غدا وأبقيه عبئاً علي إلى الأبد"
..... 

لماذا تشعر الأم احيانا بالاحباط وانها مُستغلة من أفراد اسرتها


الأسرة المتباعدة Detached Family وفيها تكون الاتصالات قليلة بين أفرادها ، كل يعيش في عالمه الخاص. وعندما يشعر أحد أفرادها بالتوتر أو الضغط فإن الآخرين ليسوا بالضرورة لهم علاقة بهذا الذي حدث أو يتأثرون به ، ويكون بيت الأسرة مكاناً مشحوناً بالتوتر بالنسبة لأعضاء الأسرة. والأم بصفة خاصة على التي تختبر هذا النمط كنمط مولد للأزمة والتوتر ، وتشعر كما لوكانت مُستغلة من أفراد الأسرة الآخرين ، وتشعر بالإحباط في طموحاتها الشخصية وحاجاتها ، ولديها صورة منخفضة لذاتها وقدرتها ، بل إنها قد تنمي أعراضاً جسمية من هذه الأزمة على هيئة اضطرابات جسمية – نفسية.

الخميس، 9 يناير 2025

كيف نواجه ضوضاء نفوسنا الداخلية؟

كيف نواجه ضوضاء نفوسنا الداخلية؟

في الصمتُ نغلق نفوسنا بعيداً عن الأصوات سواء كانت هذه الأصوات ضوضاء أو موسيقى ، أو كلام. إننا نادراً ما نستطيع أن نحصل على صمت تام ؛ وما نسميه "صمت" هو في واقع الأمر "ضوضاء أقل" . 
كثير من الناس لم يختبروا الصمت التام مُطلقاً ولا يعرفون حتى أنهم لا يعرفون ماهو الصمت. إن بيوتنا ومكاتبنا مليئة بالزَن والهمهمات والدمدمات التي تصدرها الأجهزة التي من المفترض أن تجعل حياتنا أسهل. والحقيقة إن هذه الضوضاء تُطمئنا بشكل عجيب. في واقع الأمر أننا نجد الصمت التام صادِم لأنه يُعطينا الانطباع أنه لا شيء يحدث. في عالم مدفوع بالأفعال والأحداث والأصوات مثل عالمنا ما الذي يمكن أن يكون أسوأ من الصمت التام! الصمت مثل الاختلاء يجعلنا نواجه الضوضاء الداخلية التي نحاول أن نغطيها بالضوضاء الخارجية من كل نوع.
الصمت يذهب بالاختلاء إلى ما هو أبعد وأعمق والاختلاء بدون الصمت لا يكون له تأثير كبير... إن الصمت هو الطريقة التي بها يُصبح الاختلاء حقيقي. لكن الصمت مُخيف لأنه أكثر شيء يُعَرِّنا و يواجهنا بكل حقائق الحياة القاسية فهو يُذكرنا بالموت، الذي سوف يفصلنا تماماً عن العالم الذي وُلِدنا فيه ولا نعرف شيء غيره ويجعلنا وجهاً لوجه مع الله. وفي هذا الصمت ماذا لو اكتشفنا أن ما بيننا وبين الله قليل جداً؟
إذا كنا نحتاج دائماً لأن نلجأ إلى تشغيل التليفزيون أو الكمبيوتر أو أستعمال الموبايل والقيام بالامور المنزلية او القيام بعمل مشروب .. أثناء فترة اختلئنا بانفسنا وصمتنا فكم يكشف لنا هذا عن فراغنا وخوائنا الداخلي .
يُقال أن السمع هو آخر حاسة نفقدها عند الموت. الصوت دائماً ما يضرب بشدة في وجودنا البشري ويُزعج نفوسنا من الداخل. لذلك فمن أجل سلامة نفوسنا نحتاج لأوقات نبتعد عن كل ما يلهينا ويشتتنا عن وعينا بذواتنا . نحتاج أن نُغلق الموبايل (وليس جعله صامت) ونفلق اجهزة الكمبوتر والتابلت والتليفزيون ، ونغلق بالاحرى أفواهنا لكي ما نمتلك الوعي بصمتنا ووحدتنا ونلاحظ افكارنا ومشاعرنا . 
إن الصمت يحتاج للوحدة لكي يكون تدريباً كاملاً حيث أن قليلين جداً منا يستطيعون أن يحتفظوا بالصمت وهم معاً.
لماذا نُصر على الكلام باستمرار والثرثرة ؟ إننا نلجاأ للكلام للتغطية على أفكار مُقلقة بداخلنا وأغلبها متعلق بقلقنا بشأن رأي الناس فينا...
إن الناس الذين يشعرون بالأمان معاً والثقة في محبة بعضهم البعض يستطيعون أن يصمتوا معاً. لكن في حضور من لا نشعر معهم نفس القدر من الثقة والأمان فإننا نلجأ إلى الكلام لكي نُعدِل من مظهرنا وإلا فإننا نخاف لئلا يُقدر الأخرين محاسننا كما ينبغي ، ولا يعذرونا في تقصيراتنا.
إننا نتكلم للآخرين لكي نستخرج منهم موافقة على ما نقول وهذا يُطمئننا على قبولهم لنا.
إننا عندما نصمت نتخلى عن هذه المحاولات ونترك في يد الله مظهرنا . وهذا صعب . لماذا نقلق بشأن رأي الناس فينا ونحن نعلم أن الله يقبلنا كما نحن.
كم هم قليلون منا الذين يعيشون بثقة داخلية! وكم هم كثيرون من يعيشون وهم يتمنون أن يكون لديهم مثل هذه الثقة! لكن هذا الهدوء الداخلي هو نعمة عظيمة يمكننا أن نستقبلها من الله عندما نمارس عدم الكلام. وعندما نمتلك مثل هذه النعمة نكون قادرين على مساعدة من يحتاجون إليها.
إننا عندما نتعرف على هذه الثقة ونختبرها ، يمكن أن ندل الآخرين عليها وبالأخص عندما يقتربون منا باحثين عن مثل هذه الطمأنينة. يمكننا أن نرشدهم لكي يذهبوا ويصطادوا في مياه أكثر عمقاً من مياهنا. ليذهبوا إلى الوحدة والصمت مع الله حيث يقابلونه ويجدون منه الطمأنينة.
فيما يلي خبرة أحد الشباب وهو يدخل إلى عالم الصمت والاختلاء :
".. كلما مارست هذا التدريب ، كلما شعرت بالتقدير لأهمية وقوة الصمت، وكلما تضاءل شكي وميلي للانتقاد والدينونة. كلما مارست الصمت والاختلاء كلما اصبحت أقدر على قبول الناس كما هم وتحمل ما لم أكن أحبه فيهم. كلما تكلمت أقل ، كلما جاءت كلماتي أقوى وأعمق وفي الوقت المناسب. لقد جعلني الصمت أُقَدِّر الآخرين أكثر وأخدمهم أكثر وبطرق مختلفة وأستمتع بالحياة واحتفل بها وأدرك كيف أن الله قد أعطاني أموراً رائعة لكي أستمتع بها في هذه الحياة. سوف أقبل وأستمتع بما أعطاه الله لي. أعتقد أنني بدأت أختبر وأستمتع بحضور الله في حياتي أكثر من أي وقت مضى."

الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية[2]

1 الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية [1] [1]   كفافي، د.علاء الدين ؛ الإرشاد والعلاج النفسي الأسري ، ط1/  2012  (121:1...