الغضب
وليد فكرة
إن الغضب – حاله / حال
كل المشاعر – هو حالة من رد الفعل الفسيولوجي الداخلي لمثير بيئي خارجي. هذا
المُثير هو غالباً حَدَث أو موقف أو كلام يُفسر بطريقة تجعل الإنسان يشعر
بالتهديد. وربما يكون المثير فكرة. التفسير هو الفكرة التي ينتجها الحدث في
عقولنا. إن تفسير الأفكار تستثير المخ ، والذي بدوره ينبه الجسم لزيادة إنتاج
هرمونات معينة. وتبعاً لنوعية الهرمونات التي يزداد إفرازها ، يتحدد نوع الشعور
السائد. فمثلاً، إذا زاد هرمون الكورتيزول بصورة أكبر، يكون الشعور السائد هو
الخوف الذي يُعد الإنسان للهرب من الموقف وحماية نفسه من الخطر. أما إذا زادت نسبة
الأدرينالين، فإن الخوف يبدأ في التحول إلى غضب، وهذا يزيد من إنتاج الطاقة في
الجسم، ويقلل من الإحساس بالآلم. وهذا الأمر ضروري لكي يبدأ الإنسان في الهجوم على
مصدر الخطر. إن الهدف من الغضب إذاً هو التقليل من شعورنا بالخوف، وإمدادنا
بالطاقة لنواجه مصدر الخطر.
الأفكار
التلقائية
النقطة الأولى في رد
الفعل الوجداني لدى الإنسان هي أن كل الأحداث التي نواجهها نفسرها وتتحول إلى
أفكار بسرعة شديدة من دون أن نكون واعين لها. وتسمى هذه الأفكار التي تنشأ في
وعينا بصورة تلقائية كرد فعل على الأحداث من دون أن نقصد التفكير، الأفكار
التلقائية.
هي أفكار في العقل،
لكنها أفكار مُتعلقة بالنفس والآخرين. فهي تثير المشاعر، كما أنها تقفز إلى وعينا
من دون أن نُحللها ونعرف أسبابها، ومن دون حتى أن ندرك أننا فكرنا في الأمر
وفسرناه. هي أفكار تدخل وعينا مثل الأحاسيس والمشاعر، وتفرض نفسها علينا من دون أن
نعرف سببها. فنحن نشعر بالبرد ونحسب أنه واقع يجب التعامل معه (بارتداء المعطف
مثلاً) قبل أن ندرك أن السبب هو النافذة المفتوحة، كما أننا نشعر بالغضب قبل أن
ندرك إن كانت الكلمة التي أغضبتنا مقصودة أو غير مقصودة. لذلك عندما تدخل وعينا
فكرة من دون أن نعرف سببها أو من دون أن نجد لها دليل، فإننا نعاملها مثلما نعامل
الأحاسيس والمشاعر، فلا نفحصها بل نحسبها واقعاً نتعامل على أساسه.
تنتج
الفكرة حالة شعورية
تؤدي الفكرة
التلقائية إلى إفراز هرمون معين، ويخلق هذا الهرمون بدوره حالة فسيولوجية اعتاد
الإنسان أن يميزها ويعطيها اسماً معيناً مثل الخوف أو الغضب. إننا نميز هذا الاسم
منذ الطفولة من خلال التعبير عنه والاستماع لتعبيرات الآخرين والتعلم منهم.
والنتيجة هي أننا كلما شعرنا بهذه الحالة الفسيولوجية في جسدنا، فإننا ندرك أننا
نمر بهذا الشعور.
الشعور = حالة فسيولوجية + فكرة
·
الشخص الذي يشعر بالخوف، سرعان ما يجد دقات قلبه تتسارع، بينما يتصبب
عرقه، ويجف حلقه، وتدور في ذهنه أفكار تتعلق بتوقع حدوث ضرر له أو لشخص يحبه أو
لشيء يشكل قيمة بالنسبة إليه.
·
والشخص الذي يشعر بالحزن والإحباط ، يشعر بالتعب والإرهاق في جسده،
كما يشعر بالرغبة في الراحة والانعزال، وتدور في ذهنه فكرة من أفكار الفقد
والخسارة.
·
والشخص الذي يشعر بالغضب ، يشعر بالسخونة وتزايد الطاقة في جسده، كما
يشعر بالرغبة في تدمير شيء ما أو تدمير أحد الأشخاص.
المشاعر
والسلوك
إن المشاعر هي حركة
تحدث أولاً في الداخل، أي في المخ، ثم تتوجه إلى الخارج نحو الجسد والسلوك. عندما
تؤدي الفكرة إلى إفراز هرمون الكورتيزول فيما تُصاحب ذلك أفكار عن قرب حدوث خطرٍ
يهدد أمان الإنسان أو قيمته أو طموحاته، فإنه يشعر بالخوف أو القلق. أما إذا زاد
أيضاً الأدرينالين ؛ ووُجد أيضاً شخص أو شيء أعتقد الإنسان أنه مسؤول عن هذا التهديد،
فإنه يشعر بالغضب تجاه ذاك الشخص أو الشيء. إن الغضب هو وليد الخوف، فمثلاً ،
عندما يقود سائق الحافلة بسرعة وتهور، فإن الركاب يشعرون تجاهه بغضب شديد. والغضب
هنا ناتج عن شعورهم بالخوف الذي نتج من أفكار تتعلق باحتمال تعرضهم للخطر، ثم
إدراكهم أن السائق هو المتسبب في ذلك.
الدائرة
المفرغة
- يشعر الأب بالغضب
من رد ابنه المراهق عليه عندما يفسر طريقته في الكلام على أنها تنم عن عدم
الاحترام، فينتهره. وعندما يشعر المراهق بدوره بالغضب، يجري نحو غرفته ويصفع الباب
خلفه. إن صفعة الباب تزيد من غضب والده إذ إنها تشكل مزيداً من عدم الاحترام،
فيستشيط الأب غضباً، وتدور الدائرة في تصعيد مُتتال يؤدي إلى تزايد مشاعر الغضب
وتباعد المسافة بين المراهق وأبيه.
- تغضب الفتاة من
صديقتها في أثناء المحادثة التليفونية بسبب كلمة فسرت على أنها تهكم، فتُنهي
المكالمة مع صديقتها. وتستقبل الفتاة الأخرى هذا الفعل أنه قمة عدم الاحترام،
فتتصل بها مجدداً، وتُكيل لها الكلام المهين، وتستمر عجلة الغضب بالدوران.
- يُفسَّر الحدَث
ويُنشئ في العقل فكرة،
- والفكرة تَتَسبب في
إفراز هرمونات،
- الهرمونات تُنشئ
حالة فسيولوجية تؤدي (مع الفكرة) إلى الشعور،
- والشعور يؤدي إلى
سلوك،
- السلوك يُنشئ رد فعل
لدى الآخرين،
- ورَدُّ الفعل هذا
يمثل حدَثاً جديداً يُفسَّر، وهكذا تدور الدائرة ثانية.
إذا لم يتعامل المرء
مع هذه الدائرة المفرغة للغضب، فستخرج خارجاً في صورة انفعالات وانفجارات تُدمر
علاقاتنا أو تنخر كياننا في صورة أمراض نفسية وعضوية تدمر نفوسنا وأجسادنا على حد
سواء. كيف يحدث هذا؟ وكيف يتعامل المرء مع هذه الدائرة ؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق