السبت، 18 يناير 2025

الواقعية والقدرة على التعايش مع الحياة بغموضها وألمها - سمات ومعايير النضج النفسي - مشير سمير

واحدة من سمات ومعايير النضج (النفسي والروحي) هي قبول حقيقة أن الحياة غامضة ومؤلمة وأنه ليس كل ما قي الحياة قابل للتفسير، فهناك مثلاً:
أطفال يولدون بعيوب خَلقية ، وتوائم ملتصقة يعيشون هكذا طوال العمر دون تفسير.
وأطفال آخرون يموتون في فراشهم في ساعاتهم الأولى دون تفسير.
وهناك أطفال وشباب يافعون يُصابون بالسرطان ويقضون السنوات القليلة من عمرهم تحت تأثير العلاج الكيماوي المؤلم الذي يحولهم إلى هياكل عظمية قبل أن يموتوا دون تفسير.
وهناك الكثيرون ممن يشبوا بإعاقات نفسية وجسدية وحتى عقلية تلازمهم طوال حياتهم، ربما بدون أي أسباب معروفة. وربما لأسباب لا شأن لهم بها على الأطلاق وكأنهم يدفعون ثمن أخطاء ارتكبها الآخرون، مما يبدو على أنه ضرب من الظلم البحت وعدم العدل، وهذا أيضاً يبقى بدون تفسير.
هناك من لا ينجبون على الأطلاق ، وهناك من ينجبون ويذهب أبنائهم في حادثة لايتحمل مسئوليتها أحد. وهناك المئات الذين يفقدون حياتهم أو يفقدون أحبائهم أو يفقدون أعضاء من جسدهم في أعمال عسكرية أو إرهابية ليس لهم دخل بها على الأطلاق سوى أنهم كانوا فقط في زيارة لهذا المكان ، وتبقى علامات الاستفهام معهم دون تفسير ربما طوال الحياة.
وشعوب يتدفق من باطن أرضها البترول الذي يجعلهم أثرياء دون حاب أو مجهود بينما في صورة عبثية تبدو مُسيرة بالعشوائية التامة واللامنطقية يجاورهم من يتصيد الجراد ليتغذى عليه بسبب القحط والفقر الشديد، دون تفسير.
وهناك من قد يخًسر أحبائه أو أمواله وممتلكاته جميعاً دون أي تفسير. ولو حاولنا الخروج بعض الشيء خارج الدائرة الضيقة المحيطة بنا في محاولة للفهم سنجد عشرات من علامات الاستفهام وليس لها أي تفسير. مثلاً عشرات الآلاف الذين فقدوا حياتهم في تسونامي لماذا؟ ، لن نجد أي تفسير ، وتتحول كلمة "لماذا؟" في حياة الكثيرين حجر عثرة عنيف يقضي على حياتهم....
ولذلك فإنه من النضج ليس فقط أن يقبل الإنسان مثل هذا الغموض من الحياة. بل أيضاً أن يتعايش ويتكيف مع كل ما تأتي به الحياة من صعاب وآلام وغموض بدرجة لا تُعيق حياته عن الاستمرار والإنجاز بنفس مقدار الرضى والاطمئنان الداخليين. 
فمن النضج أن نؤمن بأن الحياة لا تأتي بما لايستطيع الإنسان تناوله ، حتى وإن لم يفهمه.
فالنضج هنا ليس أن أجد إجابات دائماً لكل شيء ، أمام علامات الاستفهام العالقة في الذهن ، بل أن لا أنكسرفي الأوقات التي لا أجد الإجابة فيها. وإنما أستطيع التعايش مع هذا الغموض وعدم الفهم .
فمن الواقعية والنضج أن يقبل الإنسان أن الله غير مُطالَب بأن يشرح ويفسر كل ما يفعله أو يسمح بحدوثه في هذه الحياة.
فبسبب عدم نضجنا تقفز إلى أذهاننا مثل هذه الأسئلة (ليه ، وعلشان إيه ، ومين اللي قال،  والله لازم يشرح لي) . فهو أي الله ، قد يفعل ذلك بعد سنوات وسنوات كما قد لايفعل ذلك على الأطلاق ، أن يشرح أو يفسر للإنسان لماذا يحدث كل ما يحدث...
إلا أن غموض الحياة وعدم الفهم هذا في نفس الوقت لا ينفي سعي الإنسان الدءوب للفهم وطلب المعرفة ومحاولة تغيير واقعه كلما أمكن ، دون أن يكون ذلك مشوباً بالتمرد على الله وعدم الثقة به ، فلا يوجد تعارض بين الطموح العاقل والسعي الدءوب للفهم والمعرفة والتغيير ، وبين قبول محدودية قدرة الإنسان وفهمه وإدراكه والاحتفاظ بالطمأنينة النابعة من الثقة في الله ، وهذا هو تحدي النضج

الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية[2]

1 الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية [1] [1]   كفافي، د.علاء الدين ؛ الإرشاد والعلاج النفسي الأسري ، ط1/  2012  (121:1...