السبت، 1 يونيو 2019

سمات ومعايير النضج النفسي (2)

ثانيا: القدرة على التفرد و مقاومة الامتثال (التشكل بالبيئة)

 .. والمقصود من "التفرُّد" هو أن يحتفظ الشخص بشخصيته وهويته مستقلة و متمايزة عن كل من هو غيره. بمعنى أن يكون له لونه وبصمته الخاصة المختلفة عن الآخرين وأن يقاوم التقولب (أي الصب في قوالب جاهزة) ومحاكاة الآخرين والذوبان فيهم والتشكل (التشبه) بهم .. أن يصير الفرد "فرداً" وليس وحدة نمطية من وحدات تكوين المجموع.
.. فلابد أن نعرف أن واحدة من أهم سمات النضج النفسي ، هي قدرة الفرد على الوقوف صامداً متماسكاً محتفظاً بذات (هوية) متفردة مستقلة ومختلفة أمام قوة ضغط الآخرين لتشكيله على شاكلتهم Power of Conformity ، أو كما يسميها إبراهام ماسلو "مقاومة التشكل بالبيئة" ...إن ضغط المجتمع على الفرد الواحد يشبه الضغط الجوي ، قد يحسه الفرد وقد لايحسه ،ولكنه موجود دائماً وله أثاره التي تشتد أو تقل حسب قوة شخصية الفرد ونضجها وحسب نوع المجتمع. 
ولكن، لماذا هذا الضغط من الأفراد بعضهم على بعض؟ ؛ السبب في ذلك هو الرغبة والسعي لتجنب الوحدة التي يحتويها الانفراد ضمنياً، وتحصيل قدر من الأمان من جراء مشابهة البعض للبعض. فالاختلاف قد يكون للبعض مخيفاً، بما يشير بالطبع إلى افتقاد هذا الإحساس بالأمان بين الأفراد ومحاولة البحث عنه بهذه الطريقة الخاطئة. ولذلك تعود قدرة الفرد على مقاومة التشكل بالبيئة إلى إحساسه بالقيمة وثباته الداخلي الذي يوفر له الإحساس بالأمان ، والنابع من علاقته الصحية بذاته.. ولذلك القدرة على مقاومة التشكل بالبيئة ليست بالأمر السهل أو الطبيعي أو التلقائي. فليست هناك فقط قوى المجتمع الخارجية بل أيضاً قوى ضعف الفرد الداخلية..

إذن ما الذي يعطي المجتمع قوة الضغط هذه على الشخص؟ 
نقول أن الشخص الذي يفتقر للإحساس بالكفاية والأمان ولا يجدهما داخله هو شخص يعيش في توتر قلِق ويشعر بالتهديد وعدم اليقينية في ذاته (أي يشك في هويته) ، لأنه لايعرف من هو ولا يتلامس مع ما يحدث في داخله. فهو لايجد السلام ولا التوافق أو الانسجام في داخل نفسه لأن هذه النفس غريبة عنه ولايعرفها، وبالتالي هو ليس في علاقة صحية معها. ولذا نجد الفرد هنا ، الفاقد لإحساسه بهويته، لايتحمل احتباره للتوحد والانفراد الموجودين ضمناً في اختلافه عن الآخرين (لأنه نفسياً ليس له أقدام يستطيع الوقوف عليها بمفرده) ، فذلك أمر مرعب لايطيق احتماله، فنجد أنطوني ستور الطبيب الإنجليزي في كتابه الشهير عن الاعتكاف ، يقول:
"أن القدرة على التوحد (أن يكون المرء بمفرده the capacity to be alone) ، وهي أحد جوانب النضج الوجداني ، تشير إلى الطمأنينة الداخلية التي بُنيت شيئاً فشيئاً خلال السنوات الأولى من العمر".

ومن ثم نجد مثل هذا الشخص المفتقر للطمأنينة الداخلية يلجأ إلى التماثل مع الآخرين ويشعر بالفع القوي نحو مسايرتهم والتشكل بهم لكي يحصل من خلال عملية المشاكلة (الامتثال) هذه على الطمأنينة من جهة ذاته المُبهمة تلك. ملتمساً بعض الدفء في الآخرين. فعملية المشاكلة (الامتثال) تعطيه الإحساس بالقبول والموافقة approval والرضا والاستحسان من المجتمع. الأمور التي تمنحه إحساساً خارجياً بالأمان الذي فشل في الحصول عليه داخلياً. ولكن تكون النتيجة أنه في هذه العملية يتعرض لفقدانه لتفرده.

...يشرح لنا الطبيب النفسي "رولو ماي" هذه القوة الضاغطة للمجتمع في كتابه الأشهر "بحث الإنسان عن نفسه"، فيقول:
"يمتلك القبول الاجتماعي سطوة ’أن نكون محبوبين’ لأنه يبعد الإحساس بالوحدة. إذ يُحاط الفرد بدفء مقبول ومريح وينخرط في الجماعة، ويُعاد امتصاصه - وكأنه يعود للرحم كما في الرمز المتطرف للتحليل النفسي- فيفقد المرء وقتياً وحدته ، ولكن هذا يحدث بثمن غال هو التخلي عن وجوده كماهية خاصة محددة..

"أن المرء يكره أشد ما يكون الخروج عن النسق والتطلع خارج الجماعة وعدم التواءم معهم ، فيفتقد الناس الشجاعة لخوفهم من العزلة أو لخشيتهم من التعرض للعزل الاجتماعي أي السخرية أو التهكم أو الرفض. فإن عاد المرء وغرق داخل الجماعة فهو لايتعرض لمثل تلك المخاطر ، حيث أن تلك العزلة هي تهديد جد خطير."

المرجع:
سمير، مشير ؛ سمات ومعايير النضج النفسي ط2 - مطبوعات نظرة المستقبل

الجمعة، 31 مايو 2019

سمات ومعايير النضج النفسي

ما هي علامات النضج النفسي للإنسان؟

هذا يحتاج لمعرفة ما هي المعايير والسمات التي نستطيع أن نعرف بها أن هذا الإنسان أو ذاك ناضج إلى حد ما نفسيا ؛ وسيتم في هذه الوحدة استعراض بعض معايير أو سمات النضج النفسي من كتاب المُعلم / مشير سمير - مدير مكتب خدمة المشورة والنضج المسيحي- معايير وسمات النضج النفسي
أولاً:العلاقة السليمة والصحية مع الذات

من أهم وأول سمات (علامات) النضج النفسي هي العلاقة السليمة والصحية مع الذات. وهي كذلك المعيار الأساسي الأول الذي به نستطيع أن نعرف ونقيس مقدار نضجنا النفسي. فسمات وخواص النضج النفسي لابد وأن تقف على قاعدة أولية داخلية، أي بداخل الإنسان نفسه، ألا وهي وجود علاقة صحية وسليمة مع الذات ، أي بين الإنسان وذاته.
ماذا نعني بوجود علاقة صحية وسليمة بين الإنسان ونفسه؟
نعني بذلك الآتي:
أن يكون الإنسان في تلامس مع نفسه أغلب الوقت. أي يكون في وعي وإدراك وفهم لثلاثة أمور ، ...
1-أن يكون لديه وعي وإدراك وفهم لمن هو (هويته) وما هي رؤيته وتصوراته عن نفسه (صورته الذاتية).
2- أن يكون لديه وعي وإدراك بماذا يريد حقيقة. وحقيقة دوافعه الداخلية في الحياة، فالإنسان لايكون دائماً على وعي بحقيقة ما يريد وما يدفعه ويحركه في الحياة...
3- أن يكون لديه وعي وإدراك لما يحدث ويعتمل بداخله من تفاعلات ومشاعر نتيجة لدوافعه تلك الداخلية؛ فهذه التفاعلات الداخلية حتماً سوف تؤثر على تصرفاته وتناوله للحياة...
هذه الإدراكات الثلاثة من شأنها أن تجعل الإنسان مُهيئاً لأن يكون متطابق مع ذاته، ما بداخله مساو لخارجه ، فهو ، كما يُقال عنه ، في انسجام وتوافق وسلام داخلي ، وهو الهدف المقصود من العلاقة الصحية مع الذات . وهذا يلعب دور ضخم وكبير في تقدم الإنسان نحو النضج... فيستطيع الإنسان أن يتخذ القرارات والخطوات الصحيحة في الحياة الخارجية بناء على التلامس الصحي مع النفس..
كتاب/ سمات ومعايير النضج النفسي - مشير سمير - ط2/ 2015 - مطبوعات نظرة المستقبل

سمات وصفات نظام الأسر المنغلقة

تكون الأسرة منغلقة عندما تعزل نفسها مادياً ونفسياً عن المجتمع الذي تعيش فيه، أو يكون لأفرادها اتصال محدود بخارجها.وقد يميل أعضاء هذه الأسرة إلى عزل أنفسهم والانسحاب من مطالب المجتمع التي يخشون ألا يستطيعون الوفاء بها. إن مثل هذه الأسر يكون لها قواعد إجبارية قوية تجعل أفرادها مختلفون عن أفراد الأسر الأخرى، ويبنون حدوداً جامدة تحول دون تدفق (Closed Circuit) (Ells,1967,2015) المعلومات إنهم بذلك يمثلون أفضل تمثيل لما اسماه "ألبرت أليس" بالدائرة المغلقة .

ويشير "كانتور وليهر" إلى ملاحظة هامة تميز تنظيم الأسرة المنغلقة وهي أن المسافة الاجتماعية والمادية بين الأعضاء محدودة تحديداً صارماً ، وهي منظمة أشبه بتنظيم حركة المرور من قِبل من بيدهم السلطة. وتتخذ في هذه الأسر إجراءات تعطي طابعاً منغلقاً وسرياً للأسرة مثل قفل الأبواب واتخاذ إجراءات أمنية وكأنهم يعيشون في وسط أعداء، وهناك مواعيد ونظم لتحركات الأبناء ، كما أن هناك ضبطاً وإشرافاً والدياً دقيقاً على اتصالات الأبناء، وحتى أن رقم التليفون لايوضع في الدليل. ويسود الأسر جوا من التكتم في تناولهم لشئونهم وكأنها أسرار محظورة. وتعتقد الأسرة أن من صالحها "الحفاظ على أسرارها" في الوقت الذي تعتبر دخول أفكار غريبة إليها نوعاً من الغزو. وهذه الأسر لاتقدم للناس إلا ما تريده هي أن يعرفه الناس عنها. (Kantor & Leher, 1975, 119-120).

وهذه الفكرة التي تكونها الأسرة المنغلقة على نفسها والتي تريد أن يعرفها الناس عنها هي أقرب إلى الأسطورة myth وتصوغها الأسرة الأسرة بعناية ودقة وتريد ألا يتجاوز نظرة الناس إليهم هذه الأسطورة التي نسجوها ويتعاملون مع المجتمع الخارجي من خلالها، ويحافظون عليها ويريدونها باقية حية مهما تعارضت مع المعطيات والواقع. وهذه الأسطورة التي تريد الأسرة أن تقنع بها أفرادها وتقنع الناس بها كثيراً ما تكون المصدر للمرض النفسي لأفراد الأسرة.

وتتميز الأسر المنغلقة إضافة إلى عزلتها أن أفرادها ينغمسون انغماساً زائداً Over Involvement. وإذا كانت الحدود الخارجية للنسق الأسري صلبة وغير قابلة للنفاذ - طبقاً لعزلتها - فإن الحدود الداخلية بين الأنساق الفرعية داخل الأسرة تكون ضعيفة ومتميعة. ويترتب على ذلك أن أعضاء الأسرة بدلاً من أن تكون لهم اتصالاتهم بخارج الأسرة تنحصر اتصالاتهم داخلها ويزداد اندماجهم وانغماسهم داخل هموم ومشاغل الأسرة . ولذا تتميز علاقتهم بالإفراط في "المعية" Togetherness والوجود معاً معظم الوقت وتقلص الخصوصية الشخصية حتى يصلوا في النهاية إلى فقدان الاستقلال الفردي individual autonomy ، وهي العمليات الأسرية الممهدة لاضطراب بعض أفراد الأسرة ، ويطلق عليها مصطلح "الانصهار" (fusion) أو "الاندماج" (merger) أو "الوقوع في الشرك" (enmeshment) أو "نقص التمايز" (lack of differentiation) .

وبعد خاصيتي العزلة والاندماج الزائد تأتي الخاصية الثالثة التي تميز الأسرة المنغلقة وهي الجمود rigidity وعدم المرونة inflexibility وتظهر هذه الخاصية الأخيرة في علاقات أفراد الأسرة واتصالاتهم. ففي هذه الأسرة لا يُسمح فيها إلا بقدر ضئيل من التغير ، وتتسم علاقتهم معاً بالجمود، وتظل العلاقات كما هي لا تتغير. وحتى التغييرات الضرورية التي ينبغي أن تترتب على تغير أوضاع أفراد الأسرة وأدوارهم لايحدث فيها تغير، فالطفل الصغير يكبر ويصبح مراهقاً ويصبح بعد ذلك راشداً ومع ذلك فقد تظل معاملته من قبل الوالدين كماهي، وليس هذا الأمر قاصراً على الأبناء بل إنه يشمل كل أفراد الأسرة فالزوجية الصغيرة المدللة قد تظل تسلك على هذا النحو حتى بعد أن تكبر ويصبح أبنائها شباباً (Laing, 1961, 84) . وتظهر سمة الجمود أكثر ما تظهر في علاقات الأم بأبنائها أو بأحدهم حيث تظل تعامله معاملة الابن الصغير حتى يصل إلى مرحلة المراهقة (infants adolescence) ولا تسمح هذه الأم لطفلها بالانفصال الشخصي (النفسي) عنها وتنمو بينهما العلاقة التكافلية التي تكمن كثيرا وراء حالات إصابة الأبناء بالفصام عندما تتهدد هذه العلاقة أو تنقطع. (كفافي، 1997، 219،221).

وتتميز الاتصالات داخل الأسرة المنغلقة بأتها جامدة وميكانيكية و مقررة سابقاً ، كما يميل أفراد الأسرة إلى الحديث نيابة عن بعضهم البعض ، فنقص التلقائية وسيادة شعارات الأسرة "الكليشيهات" المرتبطة بأسطورة الأسرة لاتسمح لكل منهم أن يعبر عن نفسه بالطريقة التي يريدها والتي تعكس مشاعره الحقيقية. وكثيراً ما يقوم أحد أفراد الأسرة بإنهاء الحديث الذي بدأه عضو أخر أو تكميله. وتكون الردود على الأسئلة مقتضبة ومحددة وتفتقر إلى العفوية والتلقائية. وليس كل الموضوعات عرضة لتناولها بينما تشيع الموضوعات المحرمة Taboos . ويزداد سمك وصلابة الحد الخارجي للأسرة ، ولا يقوم بوظيفته الأصلية كمرشح ، ولكنه يصبح كحاجز منيع ، ويبدأ النسق (الأسري) في التقوت على نفسه حتى ليكاد أن يتآكل ذاتياً.

المرجع:
كفافي، د.علاء الدين ؛ الإرشاد والعلاج النفسي الأسري - ط1/ 2012 - دار الفكر العربي

الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية[2]

1 الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية [1] [1]   كفافي، د.علاء الدين ؛ الإرشاد والعلاج النفسي الأسري ، ط1/  2012  (121:1...