الخميس، 6 يونيو 2019

بحث في الحياة الأسرية كمنظومة أو نسق رؤية: اجتماعية / نفسية (4)


صراعات ومشكلات الروابط الأسرية:
أنواعها وآثارها على الأطفال (2)
ثانياً: الصراع أو التصدع الصريح بين الزوجين (الحرب المفتوحة)
          يتفجر الصراع في هذه الحالة من الأزمات الزوجية ، إلى المستوى العلني. ويتخذ أشكالاً متنوعة من النزاعات الدائمة والشجار والعنف المتبادل ، أو الذي يمارسه أحد الطرفين (الزوج عادة). على الطرف الآخر.
          يلاحظ تكرار حدوث الصراع الصريح في الأسر من الشرائح الشعبية عموماً، حيث لايكترث الزوجان للاعتبارات الاجتماعية في الحفاظ على المظاهر في صراعها. يتصف الجو الأسري بسيادة العنف والتهديد المتبادل ، الذي ينعكس على الأطفال في المقام الأول على شكل فقدان للشعور القاعدي بالأمن . ويبين هذا التصدع أو الصراع عجزاً عن إدارة الرباط الزوجي بشكل معقول من التوافق والمرونة والتسويات الضرورية لاستمرار العلاقة . ويظهر التباين الذي سرعان ما يتفاقم إلى حد التناقض بسرعة ، حين يقوم الزواج على حالات مختلفة من الإرغام (إرغام الأهل للزوج أو للزوجة على الاقتران بمن لا يحب) أو هو يظهر بسرعة إذا تم الزواج بشكل متعجل في حالة إستسلام لنزوة أو شهوة ، أو من خلال الزواج بدون التعرف الموضوعي الكافي على القرين وخصائصه وأوضاعه.
          وقد يقوم وفاق لفترة من الزمن ثم تتراقم التناقضات والإحباطات المتبادلة بدون بذل الجهد الكافي لحلها ، أو توفير الصيانة اللازمة لاستقرار واستمرار الحياة الزوجية. وبمقدار ما تتراكم هذه التناقضات (الأختلافات) يُستنزف الزواج ويعيش كل من الزوجين أو أحدهما الحالة على شكل إحباط وغُبن لجق به من جراء زيجة غير موفقة ، أو حظ عاثر. ويتركان الأمر يتفاقم ، وكأن الوفاق الزوجي مفروض أن يستمر (أو يحدث) تلقائياً ، بدون إدارة ورعاية من طرفهما.
          ولايندر في حالات أخرى أن يتصدع الزواج بشكل صريح ، ويتحول الوفاق إلى شقاق بفعل ظروف خارجية لا يحاول الزوجان أو أحدهما بذل الجهد للتعامل معها ، أو الحد من آثارها . وخصوصاً إذا أدت هذه الظروف إلى إحباط توقعات ، أو حاجات تبدو أساسية لأحد الطرفين . كما أنه قد يحدث أن تخفت فورة الرغبة التي تشد الزوجين إلى العلاقة ، بعد زوال الحدة . ويعود الزوج مثلاً إلى تعاطي الكحول أو المخدرات ، بعد أن أقلع عنها في بداية الزواج. وإذا وصل التعاطي حد التعود الشديد أو الإدمان تبدأ المأساة المزدوجة. فمن ناحية يتدهور الأداء المهني ومعه ينحسر الدخل ، ويدخل المدمن في الحالات المعروفة من البطالة المقنعة ، أو الدائمة. ولا يعود يهتم إلا بالبحث عن المادة المُسكرة أو المخدرة وتعاطيها. كما تتدهور حياته الاجتماعية ، فيتحول من الروابط الإيجابية ، إلى مخالطة رفاق الشرب. ويتمثل الجانب الثاني من المأساة على مستوى الأسرة والعلاقات الزوجية. يتخلى تدريجياً عن الالتزام بواجباته المادية. وقد يذهب بعيداً إلى حدّ بيع ما يمكن بيعه من الأثاث والمتاع لتوفير ثمن المشروب . والآخطر من ذلك أنه قد يأتي برفاق الإدمان إلى المنزل على مرأى من الزوجة والأولاد.
          ولا بدّ أن يصاحب ذلك كله تفجر العدوانية بلا حدود: من ضرب مبرح للزوجة والأولاد ، أو طردهما ، وصولاً إلى الاعتداء الخطير على الزوجة مما يهدد سلامتها الجسدية ، بل حياتها . ويحدث هذا العنف على خلفية من الشك بوفائها وإخلاصها ، في حالة من تفجر هذيانات الاضطهاد ويتحول كل من في المنزل إلى ضحايا للعنف الجسدي والنفسي.
          وقد لايتخذ الأمر طابع الإدمان ، بل يقتصر على حالة تفجر العنف على الزوجة والأولاد. فيتعرض الجميع للضرب المبرح ولأتفه الأسباب في حالة من سيادة نزوة السطوة التي لاتقاوم أو تراجع . هنا يسود قانون القوة بدلاً من قانون التعاطف والوفاق.
          ولايندر أن يحول الزوج من هؤلاء إحباطاته الحياتية في العمل والكسب والمكانة الاجتماعية إلى حياته الزوجية ، التي تتحول إلى ميدان للتشفي. وقد يذهب أبعد من ذلك فيُسقط فشله الخارجي على الرباط الزوجي الذي تيخذ عندها طابع الغُبن الوجودي ، مما يجعل عنفه مبرراً . أما الزوجة فقد تكون الضحية المستسلمة لقدرها في حالة العجز عن المجابهة. أو هي تتصدى وتجابه مما يحول المنزل إلى ساحة نزاعات ومشاجرات دائمة . وهي في ذلك قد تتحالف مع بعض أبنائها الكبار لشن الحرب المضادة على الزوج . كما يحدث أن تتراخى الزوجة في التزامها الأسري ونلجأ إلى الهروب النفسي مسيِّبة المنزل والأولاد ، ومتحولة إلى زياراتها وطلعاتها عند الجيران والأصحاب . وفي حالات نادرة قد يتحول الموقف بسبب مرض الزوج أو فقدانه مكانته ووقوعه في العجز . عندها تستقوى الزوجة وتسدد حساباتها المتراكمة مع زوجها من خلال ما تنزله به من عنف وتحقير وعزل ، مما يحوله إلى وضعية زوج / الأب الساقط.
          يحدث التصدع الصريح عادة على خلفية من قصور النضج النفسي – الشخصي أو النضج العاطفي – الجنسي لدى أحد الزوجين أو كليهما . وهو ما يجعلهما يبقيان أسيرين لنظم توقعات غير موضوعية ، أو عاجزين عن إظهار المرونة والقدرة على حل المشكلات واستيعاب الأزمات . ولا يندر أن نجد عند دراسة تاريخهما الأسري أن أحدهما أو كليهما قد نشأ في أسرة متصدعة أصلاً. ودخل على عالم الزواج وهو مثقل بتركة نفسية تدفع به إلى تكرار المأساة . وكأن التصدع يعيد إنتاج ذاته من خلال عدم توافر النضج والصحة النفسية ، والافتقار إلى مقومات تأسيس حياة زوجية معافاة.
          وليس علينا أن نذهب بعيداً كي نتحقق من ذلك . فجد نجد عند دراسة بعض الأسر المتصدعة أن بعضاً من البنات الكبار اللواتي تزوجن قد عدن إلى الأسرة وكل منهن تصطحب معها طفلاً أو أكثر ، بعد تفكك زواجها. ويحفل تاريخ مثل هذه الأسر بتعدد حالات الزواج والطلاق على خلفية من التصدع الصريح.
          هناك بالطبع العديد من حالات التصدع الأخرى التي تشكل تنوعات على نفس الخلفية. منها مثلاً التصدع على صعيد مشكلات توظيف طاقات الحب والعنف. فلا يقتصر الأمر هنا على سحب التوظيف العاطفي من القرين ، بل يتجاوزه إلى ما يسمى بـ "التوظيف المضاد" ، حيث يحل العدوان والانفصال النفسي والتدمير المتبادل محل قوى الترابط والتآلف والحب والبناء . وحين يحدث التوظيف المضاد هذا يفتح الباب على مصرعيه ، إذا لم تحدث ظروف تضع له الحدود أو تعدله ، للحالات التي عرضناها هنا . يبدو الصراع هو العلاقة المعتادة ، وتبدو ممارسة ألوان العنف النفسي والجسدي هي الحالة العاطفية الطبيعية . وكأن لذة التشفي والانتقام والطوة تحل محل لذة الود والوفاق . وكأن كل من الطرفين من خلال إسقاط عدوانيته على العلاقة والقرين ينتقم لذاته من غُبن مفروض وقع عليه ، يتعين تصحيحه من خلال إنزال الغُبن بالآخر. وبذلك تقوم علاقة التشفي والتحطيم المتبادل مقام علاقات الود والتفاهم. يتحول الآخر من مصدر إرضاء الحاجة إلى علاقة عاطفية مشبعة إلى عقبة وجودية أمام هناء العيش ، مما يبرر سيادة نزوة العدوان.
في كل الأحوال يكون الأطفال هم أكثر ضحايا التصدع الصريح تضرراً ، وذلك على عدة محاور.
          يمثل جو التوتر النفسي والصراعات المفتوحة ، وما تتسم به من غلبة للعنف تهديداً جدياً للطمأنينة القاعدية الضرورية للنمو المعافى . ينشأ الطفل في عالم من التهديد مما يفاقم مشاعر مشاعر إنعدام الطمأنينة لديه ، ويصعد من مستوى القلق متعدد الألوان : قلق العدوان وإلحاق الأذى بتكامله الجسدي – النفسي (مما يشكل حالة فعلية بالطبع) ، قلق الهجر المصاحب للتسيب والأهمال الذي يتعرض له ، قلق تفكك الأسرة بانفصال الوالدين ، مما قد يحمله من أخطار الضياع . حالات القلق هذه التي تجد لها تغذية دائمة من خلال دوام الصراعات وتكرار العنف ، تولد حالات من الانكسار النفسي ، وفقدان الثقة بالنفس وبالإمكانات ، والعيش في حالة التعرض للتهديد. إلا أن الغالب على حالات التصدع الصريح أن تؤدي إلى ردود فعل دفاعية ضد القلق تتخذ طابع العنف والخشونة . وهو ما يعرف بآلية "جلد التمساح" ، حيث يتحصن الطفل ضد ما يعصف به من قلق بتنمية قناع من الخشونة والقسوة والفظاظة . وتساعد النمذجة على تنمية هذه الآلية الدفاعية. فهو يتخذ له من عنف الآب أو من عنف الأخوة الكبار نموذجاً يحتذيه في سلوكه وردود فعله ومشاعره ، إنه يتمثل تلك النظرة عن الدنيا التي يوجهها قانون القوة : الغلبة للأقوياء ، والأقوياء يسيطرون على الضعفاء . ولذلك فإنه يميل إلى السلوك العدواني بمقدار تقدم نموه الجسدي واكتسابه لبعض مظاهر القدرة على الفعل وردود الفعل. ويجد له في ذلك قدوة جاهزة: الأب يضرب الزوجة والأبناء ويتسلط عليهم ، وهؤلاء يستجيبون بنفس السلوكيات تجاه من هم أضعف منهم.
          ومن النمذجة (احتذاء نماذج حية) قد يصل الأمر حداً من الرسوخ من خلال نشوء ظاهرة "التماهي بالمعتدي" : فمن كان ضحية الخوف يحاول أن يخيف من هم أضعف منه ، ومن كان ضحية العدوان يمارس العدوان على من هم أقل قوة منه ، وهكذا في حالة من قلب الأدوار . كل من النمذجة والتماهي بالمعتدي يعززان آلية دفاع "جلد التمساح" التي تتحول تدريجياً إلى نوع من الطبع ، وإلى أسلوب سائد في العلاقات والسلوك. بذلك فقط يتمكن الناشئ من السيطرة على قلقه الدفين.
          يقاوم هؤلاء خلال الإرشاد النفسي بشدة ، وخصوصاً إذا ذهبوا بعيداً في تعزيز هذه الدفاعات ، كل محاولات النفاذ إلى عالمهم الذاتي الحميم. كما يقاومون محاولات التقرب منهم والتعبير عن الحب. إنهم يخشون الحب الذي يهدد دفاعتهم بالوهن ، مما يتركهم أمام قلقهم الدفين الذي لايستطيعون تحمله . وبالتالي فإنهم يشعرون بالقوة والتوازن النفسي من خلال تعميم هذه السلوكيات على مختلف مواقف الحياة . وهذا قد يؤدي بهم إلى التوجه نحو الجنوح حيث يشتد عودهم قيليلاً في نوع من الحرب على الدنيا والناس ، أو نوع من استبدال الحب بالقوة والغلبة ، والعلاقات الحميمة بعلاقات المصلحة والمنفعة . وهنا أيضاً قد يجدون في أخوتهم الأكبر نموذجاً وقدوة . إذ يغلب أن يكون هؤلاء قد سبقوهم في السير على هذا الدرب.
          يتكرر في مثل هذه الأسر المتصدعة التي تبدي عجزاً ظاهراً عن إدارة حياتها نفسياً ومادياً ، أن تكون الولادات كثيرة ، ومتتابعة . بدون حصول كل مولود على نصيبه الضروري من العلاقات الوثيقة والتعلق والحب والقبول والرعاية والتوجيه . يترك أمر الإنجاب للحتمية البيولوجية وحدها ، في نوع من فقدان السيطرة على إدارة الوالدية ، أو العجز عنها ، أو عدم الرغبة فيها أصلاً. ولذلك فإن الغالب هو سيادة أسلوب حياة الارتجال في تدبير الحال. وحيث لاتتوفر للأطفال الرعاية والتوجيه الكافيين ، كما لايتوفر لهم على الأغلب المجال الحيوي الملائم داخل المنزل ، فإنهم يتحولون إلى الشارع والحي كمجال حيوي بديل. وهو ما يحمل كل إمكانيات التعرض لمختلف الأخطار الخلقية ، وإغراءات الجنوح ، خصوصاً إذا كانو يعيشون ، كما يغلب على هذا النمط من الأسرة ، في أحياء هامشية تتصف باللامعيارية الأخلاقية، وتراخي الضوابط السلوكية.
          ونظراً لفقدان المجال الحيوي المطمئن في المنزل قد يتكرر ميل اليافعين من الأطفال إلى التشرد والهروب والتعرض للعشرة السيئة التي تفتح أمامهم أبواب الولوج في المغامرات الجانحة. ويعزز هذا الاندفاع الاحتقانات النفسية الداخلية التي يعانون منها ، والتي تتطلب التفريج في سلوكيات حركية أو إنتقام وتشفٍ لاستعادة شيء من التوازن الذاتي.
          وبالطبع فإن هذه الوضعية الوجودية بخصائصها التي أشرنا إلى ملامحها الرئيسية لاتشجع البته على التحصيل الدراسي . فليس هناك منذ البدء مقومات بيئة مواتية لنمو الدافعية للتحصيل ، والحياة المدرسية المنتظمة.
          فالفقر الثقافي يتلازم مع الصراعات والعنف ، ويرافقها بالطبع تدني مستوى توقعات الأهل على تحصيل أبنائهم ، وعدم قدرتهم على توفير الوسائل والمعززات التي تفتح الشهية للدرس والانتظام المدرسي. حتى أن الكثير من الأهل لايدرون عن دراسة أولادهم شيئا.

إعداد/ زكريا حبيب - ماجيستير الماشورة ؛ دراسات في العلاج الأسري والزوجي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية[2]

1 الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية [1] [1]   كفافي، د.علاء الدين ؛ الإرشاد والعلاج النفسي الأسري ، ط1/  2012  (121:1...