السيطرة على الاكتئاب[1]
الحزن ، هذه الحالة المزاجية قد يبذل
الشخص جهد كبير للتصدي لها. إن الشخص يكون اكثر إبداعاً في سعية للهروب من الكآبة.
بالطبع، لايجب الهروب من كل أنواع الحزن إذ أن الكآبة شأنها شأن أي شعور آخر لها
فوائدها.
إن الحزن الناجم عن الخسارة أو الفقد
سوف يُحدِث نتائج متنوعة تختلف من شخص إلى آخر، فهو يُقلِص من رغبتنا في التسرية
عن النفس والترويح عنها، ويركز الانتباه على الشيء المفقود أو الشخص المفقود ، كما
أنه يلتهم طاقتنا اللازمة لبذل جهود جديدة. على الأقل في الوقت الراهن.
باختصار يخلق الحزن حالة من الانسحاب
الفكري من أنشطة الحياة، ويتركنا في حالة مُعلقة لندب المفقود، والتدبر في معنى
الحزن ، وأخيراُ القيام بتعديلات نفسية وخطط جديدة تسمح لنا بمواصلة الحياة.
إن الافتقاد شعور بناء ونافع ، أما
الاكتئاب الحاد فهو شعور سلبي هدام – يعلق أحدهم على ذلك بقوله:" هُناك
الكثير من المظاهر المرعبة للمرض من بينها كراهية الذات أو الشعور بانعدام القيمة،
وتجرد كامل من الشعور بالسعادة مقرون بكآبة عارمة وشعور بالخوف والتهميش ، وفوق كل
هذا الشعور بقلق حاد . هناك أيضاً المظاهر العقلية مثل الاضطراب والعجز عن التركيز
الذهني وتداعي الذكريات ، وفي المراحل المتأخرة يسيطر على العقل "تشويش فوضوي
وشعوراً بأن أفكاري قد اصطبغت بأشياء تحول دون قدرتي على استشعار أي سعادة أو متعة
مع العالم الحي من حولي. كما أن هناك العواقب البدنية مثل الأرق والشعور بالبلادة
والكسل. إنه شعور أشبه بفقد الحس والوهن والضعف الشديد المقرون بتململ دائم.
كما أنني فقدت كل إحساس بالمتعة . لقد
أصبح الطعام شأنه شأن أي متعة بلا مذاق. وأخيراً افتقدت الأمل. لقد أختفى الأمل
وتوارى وحلت محله سحابة اليأس الرمادية التي باتت واضحة، وأصبحت أشعر بها وكأنها
وجع بدني – وجع وألم لايطاق حتى بدا الانتحار حلاً ومهرباً". في مثل هذه
الحالات من الاكتئاب الحاد ، تُصاب الحياة بالشلل، ليس هُناك بدايات جديدة ، إذ إن
مظاهر الاكتئاب وحده توقف الحياة وتبقيها معلقة.
فإن العلاج النفسي يمكن أن يكون مُجدياً
، وكذلك العلاج الكيميائي. يُعتبر عقار "بروزاك" علاج العصر ، ولكن
هُناك اكثر من اثنى عشر مُركباً آخر يمكن أن تكون مُجدية، وخاصة في علاج حالات
الاكتئاب الحاد.
التركيز هُنا سوف يكون على حالات الحزن
الأكثر شيوعاً والتي توصف في أقصى حالاتها بأنها حالات "اكتئاب شبه
إكلينيكي" ، وأقصد بها حالات الحزن المُعتاد، أو حالات الاكتئاب أو الكآبة
التي سوف ينجح كل شخص في معالجتها بنفسه، إن كان يملك مصادره الداخلية.
ولكن للاسف فإن بعض الاستراتيجيات
المتبعة في علاج مثل هذه الحالات يمكن أن يُسبب عواقب وخيمة ، أو ترتد على صاحبها
بشكل عكسي مما يترك الشخص في حالة أسوأ مما كان عليها.
من بين هذه الاستراتيجيات نذكر ، بقاء
الشخص بمفردة وهو كثيراً ما تؤدي هذه الحالة مصاباً بالإحباط، ولكن كثيراً ما تؤدي
هذه الحالة رغم كل شيء إلى تفاقم الشعور بالوحدة والعزلة والاستسلام للحُزن.
قد يُفسر هذا جزئياً النتيجة التي خلصت
إليها "تايس" وهي سبب الشعبية التي اكتسبها تكنيك (فنية) إنعاش الحياة
الاجتماعية و مخالطة الغير كوسيلة لمقاومته الاكتئاب ، والتي من بينها الخروج
لتناول الطعام، ممارسة الألعاب ، مشاهدة الأفلام. باختصار الأقدام على فعل شيء
بصحبة الأسرة أو الأصدقاء. سوف تجدي هذه الوسائل بالفعل إن نجحت في صرف ذهن الشخص
عن حزنه. ولكنها قد تطيل من شعور الشخص بالحزن إن استغل مثل هذه المناسبات للإغراق
في أفكاره البائسة ومواصلة اجترار آلامه.
بالطبع، من بين العوامل الأساسية التي
تحدد ما إن كان الاكتئاب سوف يبقى متواصلاً أم سوف تقل حدته ، درجة اجترار الشخص
نفسه لأحزانه.
إن القلق بشأن ما يُثير اكتئبنا يعمل –
على ما يبدو – على زيادة حدة الاكتئاب وتواصله. يتخذ القلق في ظل الاكتئاب عدة
اشكال، تركز جميعها على جانب معين من جوانب الاكتئاب نفسه مثل مستوى ما نشعر به من
تعب، أو تراجع معدل طاقتنا أو حماسنا ، أو تراجع قدرتنا على انجاز العمل.
ولكن كل هذه الأفكار والهواجس لا تكون
عادة مصحوبة بأي شكل من أشكال العمل المادي الحقيقي التي يمكن أن تخفف من حدة
المشكلة.
من بين أنواع القلق الشائعة أيضاً يمكن
أن نذكر: عزل النفس وتركيز الفكر في مدى فظاعة المشاعر التي تعترينا ، أو القلق
بشأن إحجام الزوج بسبب إصابتنا بالاكتئاب والتساؤل ما إن كنا بصدد ليلة مؤرقة
أخرى.
في بعض الأحيان. يُبرر الشخص المُصاب
بالاكتئاب اجترار أحزانه بزعمه بأنه يسعى "لفهم نفسه بشكل أفضل" ، ولكنه
في الواقع يكون بصدد ترسيخ مشاعر الحزن بداخله بدون أن يسعى لاتخاذ أية خطوات يمكن
أن تعمل بالفعل على تخفيف حدة ما يشعر به من كآبة.
لذا يكون من المفيد أثناء العلاج النفسي
التفكير بشكل عميق في أسباب الاكتئاب ، إن كان هذا سوف يقود إلى تبصُّر أو إدراك
للأفعال التي يمكن أن تغير من الأسباب المؤدية للاكتئاب. ولكن الاستسلام والإغراق
السلبي للأحزان لن يزيدها إلا تفاقماً.
وقد وجِدَ أن العلاج الإدراكي الذي يسعى
لتغيير مثل هذه الأنماط الفكرية لايقل جودة عن العقاقير التي تعالج الاكتئاب
الاكلينيكي البسيط ، بل إن هذا النوع من العلاج يتفوق على العقاقير في الوقاية من
انتكاس المريض. هُناك استراتيجيتان تلعبان دوراً فعالاً في المعركة. الأستراتيجية
الأولى هي تعلم كيفية تحدي الأفكار التي تمثل لُب الاجترار ، بمعنى مناقشة مدى صلاحيتها
والتفكير بشأن بدائل اكثر إيجابية.
والأستراتيجية
الثانية هي العمل بشكل متعمد على وضع جدول ممتع ، والتخطيط لحضور مناسبات مُسرية
عن النفس. من بين نجاح التسرية في مقاومة الاكتئاب هي أن مثل هذه الأفكار الكئيبة
تكون تلقائية ، بمعنى أنها تقتحم حالة الشخص الذهنية بلا استئذان.
حتى عندما يسعى الشخص
المُصاب بالاكتئاب إلى كبت اكتئابه فإنه سوف يعجز عادةً عن التوصل إلى بدائل افضل
، إن نزعة الاكتئاب إلى التواصل والاستمرار الذاتي تقوض كل فرص التسرية التي
يتخيرها الشخص.
إن البكاء يزيد من اجترار الحزن ، ويطيل
من حالة البؤس ، إن التسرية تكسر سلسلة توارد الأفكار المُسببة للحزن ، ولعل هذا
هو السبب الذي يقف وراء النظرية الرائدة التي ترى أن العلاج بالجلسات الكهربائية
يلعب دوراً فعالاً في علاج حالات الاكتئاب الأكثر حدة. إذ أن هذه الجلسات تجعل
المريض يفقد ذاكرته قصيرة المدى ، بمعنى أن المريض يشعر آنه في حالة أفضل لأنه لا يذكر
سبب شعوره بالحزن...
إن الكثير ممن يلجأون إلى عوامل التسرية
مثل القراءة ومشاهدة التليفزيون والأفلام وألعاب الفديو والأحاجي والنوم وأحلام اليقظة
مثل التخطيط لعطلة خيالية لمقاومة الاكتئاب...
إن عوامل التسرية
الأكثر كفاءة هي تلك التي تعمل على تغيير حالتك المزاجية مثل حضور مناسبة رياضية
مثيرة، أو مشاهدة فيلم مرح أو قراءة كتاب مُسلِ..
لقد أثبتت الدراسة أن
مشاهدة التلفزيون لفترات طويلة تجعل الشخص بعد المشاهدة أكثر شعوراً بالاكتئاب عما
كان عليه قبل بدء المشاهدة!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق