تواجه البنت منذ طفولتها تناقُض المجتمع ، ففي الوقت الذي تُحذَّر فيه من الرجال وتُخوَّف من الجنس وتُفرض عليها العفة فهي تُشجَع على أن تكون أداة جنس وتُعلَّم كيف تكون جسداً وكيف تُجمِّل هذا الجسد وتُزينه لتجذب الرجُل.
وينعكس هذا التناقض على شخصية المرأة بتناقُض آخر ، فهي تُريد الرجُل ولا تُريده. وهي تقول لا وتُعني بها نعم . ويظُن المجتمع أن هذه هي طبيعة المرأة وينسى انه هو الذي فرض عليها هذا التناقُض.
وتُسبب التربية التي تتلقاها البنت سواء في البيت أو المجتمع كثيراً من المشاكل والعُقد النفسية .. فالبنت تتدرَب منذ الصغر على أن تنشغل بجسمها وملابسها وزينتها طوال الوقت ولا تجد وقتاً أو اهتماماً لتقرأ أو تُنمي قدرتها العقلية والنفسية وتتحمل الفتاة متاعب التجميل وآلامه وتتدرب على أن تُخفي طبيعتها وحقيقتها.
وكم تُصاب البنات بالقلق والأمراض النفسية المُختلفة بسبب حرصهن الشديد على استيفاء مقاييس الجمال الموضوعة. وتشعر البنت أن مستقبلها في الحياة يتحدد حسب طول أنفها واتساع عينيها وامتلاء شفتيها. وعندما تجد البنت أن أنفها أطول أو أقصر من اللازم فإنها قد تعيش في قلق دائم ، وقد تشعر بالخجل من أنفها وتحاول أن تخفيه بيدها من حين لآخر بحركة لا ارادية. وقد تتصور الفتاة خطأ انها يجب أن تخفي رائحة جسمها الطبيعية أو هذه الرائحة ليست عطرة كما يجب فإذا بها تُبلل نفسها بالعطر عدة مرات في اليوم. وهُناك من ترى أن اسنانها بارزة أو أكبر مما يجب فتمنع نفسها من الابتسام أو الضحك ، وإذا حدث وضحكت فهي تزم شفتيها أو تصع يدها على فمها.
ولا يمكن لأحد أن يتصور كم تنشغل البنات بتوافه الأمور ، وكم تُصبح بضع ملليمترات تنقصها الرموش عن طولها المعتاد مشكلة حادة في حياة فتاة من الفتيات ، وكم من فتاة تُرعبها بضع قطرات مطر لأنها تُفسد مشيتها وقوامها الطبيعي بالتأرجح على كعب عال رفيع ، وكم من امرأة لا تستطيع أن تواجه الناس بغير أن تضع على وجهها المساحيق والظلال والخطوط.
وهناك من الفتيات بطبيعة الحال من ينجو من مثل هذا القلق والمشاكل النفسية لمطابقة مقاييس الجمال عليهن ، لكنهن يعشن أسيرات لهذا المفهوم الضيق للجمال ، أسيرات لفكرة أن مستقبلهن هو الرجُل والزواج ، هذا في الوقت الذي يُعد فيه اخواتهن الذكور للعمل في الحياة العامة والمشاركة في بناء المجتمع.
وتُقلل هذه التربية من طموح البنت و تعتقد أن سنوات الدراسة أو العمل بعد التخرج ليست إلا فترة انتظار تنتهي بالعثور على الزوج.
وينتج عن هذه التربية أن يُصبح الزوج هو كل حياة المرأة أما الزوجة فليست إلا جزءاً من حياة الرجُل . وحيث أن المرأة تربت منذ طفولتها على أن تُنكر الجنس وتكبت رغباته فيهي تعجز بطبيعة الحال عن أداء دورها الجنسي المفروض مع الزوج وتُتَهم بالبرود ويُصبح من حق زوجها أن يُطلقها ، وأن يُبقيها خادمة بالبيت وينطلق هو مُبيحاً لنفسه كل من يستطيع من النساء.
د. نوال السعداوي - المرأة والجنس - مكتبة مدبولي - ط 2 - 2006
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق