الأربعاء، 17 يناير 2024

بحث في الحياة الأسرية كمنظومة أو نسق رؤية: اجتماعية / نفسية (1)


أولا: المنظور الاجتماعي للأسرة كمنظومة (كنسق)
تعريفات للأسرة كنسق
مفهوم النسق أو المنظومة
          تتكون الأسرة من أفراد ولكننا لا نستطيع فهم سلوكهم فهما كاملاً من خلال دراسة كل فرد على حدة... يستند تعريف النسق System على فكرة أن الكل لايمكن فهمه إلا من خلال دراسة أجزائه في علاقتها بعضها ببعض ، وفي علاقتها بالعملية الكلية للأداء ، حيث يعرَّف النسق طبقاً لذلك بأنه نظام معقد لعناصر متفاعلة بعضها مع بعض (Bertalanffy, 1968,9) أما "بيير" (Peer) فيوسع مفهوم النسق إلى درجة أكبر حين يقول: "إن أي شيء يتكون من أجزاء مرتبطة مع بعضها البعض يمكن أن يطلق عليه اسم نسق" (peer, 1964,9). ويحدد "جابر وكفافي" مفهوم مصطلح System بمعنى نسق أو نظام أو جهاز ، باعتباره مصطلحاً يشير إلى المعاني الآتية:
- يشير المصطلح بصفة عامة إلى أي كل منظم – وأصل المصطلح إغريقي ، وهذا المعنى للمصطلح نجده أينما ورد مع اختلاف السياقات. وبسب اختلاف الأستخدام واتساعه فإنه يندر أن نجد اللفظ يستخدممنفرداً ، ولكنه يحدد عادة بكلمة أخرى أو كلمات مثل الجهاز الدوري ، النظام الدينامي ، النسق المفتوح ، الجهاز العصبي.
- مجموعة من الأفكار والمسلمات والمفاهيم والاتجاهات التفسيرية ذات بنية تتفاوت من حيث درجة وضوحها وتحديدها تفيد في إيجاد بنية للبيانات والمعطيات في مجال علمي مثل النظام الكوبرنيكي في علم الفلك ، أو أي من المدارس العديدة في علم النفس كالسلوكية أو البنائية .. أو مجموعة من الحقائق والمفاهيم التي تعتبر كإطار لتقديم خدمة أو برنامج.
- يشير المصطلح إلى معنى أكثر تحديداً ، وهو ترتيب شيء لأشياء يتصل بعضها ببعض أو الات أو مثيرات. وهذا الترتيب للعناصر يتم بحيث تعمل معاً لأداء وظيفة.
- يشير المصطلح إلى طريقة للتصنيف (جابر كفافي، 1995، 385).
          وبصفة عامة فإنه توجد صعوبة مباشرة في تعريف أي نسق أو ملاحظته أو تحليله تتمثل في أن المراقب لهذا النسق لايستطيع أن يقرر من مجرد النظرة السريعة ، أي الأجزاء هي التي تتفاعل مع بعضها لكي تشكل الكل ، كما أن المراقب لايستطيع أيضاً أن يرى الطبيعة الدقيقة والمحددة لطبيعة الاتصال بين الأجزاء.
          وعلى الرغم من أن حدود النسق الأسري بالذات واضحة وجلية ، ويمكن التعرف على مكونات النسق ، وهم الأفراد المكونون للأسرة ، وهم أجزاءالنسق الذي تم ملاحظتم بسهولة ويسر ، إلا أننا يمكن أن نقع في الخطأ إذا ما افترضنا أننا نستطيع أن نقوم بدراسة كل فرد من أفراد الأسرة على حدة – شخصيته وميوله ورغباته واستعداداته – ثم نقوم بعد ذلك بفهم السلوك الكلي للأسرة بربط الشخصيات المختلفة الممثلة للنسق الأسري من خلال جمع وإضافة هذه الشخصيات المفردة بعضها إلى بعض بطريقة الجمع الكمي. بل أنه يصبح من غير الممكن أن نستطيع فهم كل فرد من أفراد الأسرة بصورة فردية وعلى حدة لو قمنا بدراسته بعيداً عن السياق الكلي ، لأنه سيكون شيئاً منفصلاً معلقاً في فراغ.
          إن الأنساق "ليست تجميعية" بمعنى "أن الكل أكبر من مجموع أجزائه". وقد أدرك علماء الفزياء هذه الحقيقة قبل أن يدركها علماء النفس والاجتماع بسنوات طويلة. وربما كان في العلوم الفزيقية ما يوضح هذه الحقيقة على نحو مادي محدد بعكس ما هو في العلوم الإنسانية والاجتماعية. فقد عرف علماء الكيمياء أنه عندما تتحد مادتان فإنهما يكونان منتجاً جديداً يختلف تماماً عن أي من المادتين المكونتين له. كما عرف الفلكيون أيضاً أن حركة الكواكب ما كانت تعد جزءا من ترتيب كلي شامل لحركة الأجسام في النظام الشمسي. وعرف علماء الأحياء أيضاً أن بعض المبيدات الحشرية يمكن أن تغير من التوازن البيئي في المنطقة الجغرافية. وتقدم "سيبرج" تشبيهاً بسيطاً يوضح ويصور هذه المقولة حين تقول أن كل صانع للحلوى يعرف جيداً أن الكعكة التي تخرج من الفرن لا تشبه على الإطلاق ، أي من مكونتها مثل الدقيق والبيض واللبن من المواد التي وضعها في الخلاط وكونت الكعكة (Sieeburg, 1986).
مفهوم مصطلح الأسرة
          الأسرة في طبيعتها إتحاد تلقائي تؤدي إليه الإستعدادات والقدرات الكامنة في الطبيعة البشرية النازعة إلى الاجتماع. وهي بأوضاعها و مراسيمها عبارة عن مؤسسة غجتماعية تنبعث عن ظروف الحياة والطبيعة التلقائية للنظم والأوضاع الإجتماعية. وهي ضرورة حتمية لبقاء الجنس البشري ودوام الوجود الإجتماعي. فقد أودعت الطبيعة في الإنسان هذه الضرورة بصفة فطرية ؛ ويتحقق ذلك بفضل كائنين لاغنى لأحدهما عن الآخر وهما الرجل والمرأة ؛ والاتحاد الدائم المستقر بين هذين الكائنين بصورة يقرها المجتمع هي الأسرة. ويرى بعض العلماء أن الحصول على ثمرات لهذا الاتحاد شرط ضروري لإستكمال الأسرة مقوماتها الذاتية غير أن هذا الاعتبار خاطئ ، إذ نلاحظ أن عدداً كبيراً من الأسر عقيم ولا تقلل هذه الظواهر من اعتبارها خلايا ومؤسسات إجتماعية. (الخشاب ، 2017).
          الأسرة هي مؤسسة اجتماعية تتشكل من منظومة بيولوجية اجتماعية ، وتقوم على دعامتين: الأولى بيولوجية، وتتمثل في علاقات الزواج وعلاقات الدم بين الوالدين والأبناء وسلالة الأجيال. أما الثانية فهي اجتماعية ثقافية ، حيث تنشأ علاقات المصاهرة من خلال الزواج ، ويقوم الرباط الزوجي تبعاً لقوانين الأحوال الشخصية حيث يتم الاعتراف بها ، (حجازي، 2012).
          الأسرة هي وحدة المجتمع الأول ، وهي الواسطة أو حلقة الوصل بين الفرد والمجتمع ، أو الواسطة الثقافية بين الثقافة والشخصية. والأسرة هي الوسط الإنساني الأول الذي ينشأ فيه الطفل ، ويكتسب في نطاقها أول أساليبه السلوكية التي تمكنه من إشباع حاجاته وتحقيق إمكانياته والتوافق مع المجتمع. (كفافي، 2012).

الأسرة كجماعة كشبكة علاقات إنسانية اجتماعية
          وتمثل الأسرة شبكة من العلاقات الإنسانية الاجتماعية. وينشأ الطفل في هذه الشبكة ويعتمد عليها اعتماداً كاملاً في سنوات حياته الباكرة ، وهي السنوات ذات الأهمية البالغة في تشكيل شخصيته ، فالإنسان يعتمد على الكبار المحيطين به فترة أطول في إشباع حاجاته بالقياس إلى بقية الكائنات. ويعتمد الوليد في بداية حياته على الأم اعتماداً كاملاً في توفير الطعام والدفء والراحة والنظافة وسائر ألوان الرعاية ، مما يجعل الأم – شخصاً مميزاً وذو مكانة خاصة لديه. ثم ينتقل في اعتماده وتفاعله من الأم إلى الآخرين من بقية أفراد الأسرة من والد وأخوة ، تم تتسع دائرة المجتمع الكبير بمؤسساته المختلفة. ودخول مؤسسات أخرى إلى مجال التأثير على الفرد بجانب الأسرة لا ينهي تأثير الأسرة أو يوقف وظائفها في التنشئة ، بل يظل للأسرة وضع خاص باعتبارها البيئة التي تضع اللبنات الأولى في شخصية الطفل. (كفافي، 2017).
          ونقصد بالبنية هنا شبكة العلاقات الإنسانية والاجتماعية التي تربط بين أفراد الأسرة. وعلى رأس هذه العلاقات طبيعة العلاقة بين الوالدين ، ثم طبيعة علاقة كل منهما بكل أفراد الأسرة الآخرين ، وتوقعاته منه وفهمه لالتزماته نحوه. ويدخل في بنية الأسرة أيضاً نوعية الصراعات التي تنشأ بين كل فرد وآخر واحتمال اتخاذ الفرد وسائل لتحقيق غاياته ، أو أن يتخذه ككبش فداء. (كفافي، 1990، 2016).
الأنساق الفرعية والأنساق الفوقية في الأسرة
          يفصل علم الاجتماع الأسري نوعين رئيسين من الأسر هما ، الأسرة النواتية والأسرة الممتدة. حيث تتكون الأسرة النواتية Nuclear Family  من الزوجين وأولادهما غير البالغين ، وتقوم بمثابة وحدة مستقلة عن باقي الوحدات الأسرية في المجتمع المحلي. (حجازي، 2017). والأسرة الممتدة Extended Family  وتتكون عادة من ثلاثة أجيال: الأجداد ، والآباء ، والأبناء. (حجازي، 2017).
          وإذا كان الفرد بالنسبة لأسرته النووية نسقاً فرعياً Sub System ، فإن الأسرة الممتدة تعتبر نسقاً فوقياً Super System  بالنسبة للأسرة النواوية ... فكل نسق فرعي لما فوقه ، وهو نسق فوقي لما تحته ولما يحتويه من أنساق. .. إن حديثنا عن الأسرة عادة ما ينصب على الأسرة النووية وما تشملة من أحداث وعلاقات داخل حدودها . (كفافي، 2012).
نمط الأسرة Family Pattern:
          من المصطلحات التي تصف نوعية العلاقات بين الوالدين ، وبين الوالدين والأطفال. وأنماط الأسرة تتفاوت تفاوتاً كبيراً في الأسلوب الانفعالي ، واتجاهات الأعضاء بعضهم نحو البعض الآخر ، فبعض الأسر تتسم بالدفء الانفعالي ، والبعض الآخر يتسم بالبرود ، ونجد أن أعضاء بعض الأسر يباعدون ، وأعضاء أسر آخرى دوي علاقات حميمة ، ومعض الأسر متفتحة للأصدقاء والأقارب ، بينما نجد أسر أخرى مغلقة. وفي بعض الأسر نجد طفلاً أو أكثر محبوبين ويجدون تقبلاً ، وفي أسر أخرى نجد طفلاً أو أخر معرضين للنبذ. (كفافي، 1990).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية[2]

1 الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية [1] [1]   كفافي، د.علاء الدين ؛ الإرشاد والعلاج النفسي الأسري ، ط1/  2012  (121:1...