الحزن والاكتئاب
مَن مِنا يعيش في هذا العالم دون أن
يمُر بوقتٍ يشعر فيه بالحُزن لسبب ظاهرٍ أحياناً أو دون سبب ظاهرٍ أحياناً أخرى؟
غير أنه إذا ازداد هذا الحزن عن حدًّ معين بحيث لا نستطيع معه مواصلة الحياة ،
فإننا عندئذٍ نكون قد أُصِبنا بنوعٍ أو درجةٍ من "الاكتئاب" ، ونكون
عندئذٍ بحاجةٍ إلى المساعدة.
الاكتئاب
الطبيعي أو "الحزن"
الاكتئاب الطبيعي هو
الحزن الطبيعي كرد فعلٍ لمؤثر ما ، والذي يستمر مدة محدودة ثم يتلاشى. قد يتضمن
هذا النوع من الاكتئاب (الحزن) ما يمكن أن يُسمى "الاكتئاب اليومي" .
وقد يحدُث الاكتئاب اليومي في صورة ردّ فعل على أحوالٍ يومية عابرة ، مثل
مُضايَقةٍ أو كلام جارح ، أو بسبب فقدان شيءٍ ما. وقد يحدُث أيضاً بعد ليلة دون
نوم عميق ، أو بسبب عُسرِ هضم أو إفراطٍ في الأكل ، أو بسبب صَومٍ أو حِميةٍ
غذائية قاسية (ريجيم) ، كما قد يكونُ السبب الإصابة بقيروس مثل الزكام أو
الانفلونزا. هناك أيضاً انواع من الاكتئاب نشعر به كثيراً بعد انتهاء الأحداث
المهمة ، لذلك يُسمى "اكتئاب ما بعد الحدث" . وهو يحدُثُ بعد الأحداث
التي تتطلَّبُ منّا مجهوداً بدنياً ونفسياً كبيراً ، سواءُ في العمل أم في الخدمة
أم في الحياة الأسرية ، مشروعٍ في العمل له تاريخُ انتهاءٍ محدد ، أو زواجٍ في
الأسرة أو عيدٍ أو حدثٍ بارزٍ في الأسرة أو المجتمع أو الكنيسة. وربما يحدُث هذا
النوع من الاكتئاب بعد سفرٍ أو بعد انتها مؤتمر أو معسكر رياضي طويل. من الطبيعي
بعد هذه الحداث أن نشعر ببعض الاكتئاب والميل إلى الحزن والانعزال. ويعود السبب في
هذا الاكتئاب إلى عدة عوامل مثل الإجهاد النفسي والبدني الشديدين ، أو بسبب حدوث
بعض الفشل في الحدَث المُقام ، مما قد يجعل النتائج أقل مما كان متوقعاً. هناك
أيضاً الإحساس بالفقد بعد انتهاء الشيء الذي كنا ننتظره ونحلم به حتى لوكان الحدث
قد نجح. يمكن أيضاً أن نشعر بأننا قد فقدنا الأصدقاء الذين عِشنا معهم أياماً
كاملة في المؤتمر أو المعسكر أو الرحلة. وهناك أيضاً أسباب "كيميائية"
لهذا الاكتئاب ، إذ يُصاب الشخص بكآبة تكون عَرَضاً من أعراض سحب مواد كيماوية
منشِّطة يفرزها المخ في أوقات التوتر والإثارة ؛ وما أن تنخفض هذه الكيميائيات بعد
أن كانت مرتفعة ، حتى يشعر الشخص ببعض الكآبة.
إن هذا النوع من الحزن لا يُمكن أن
يُسمى اكتئاباً (مرضياً) ؛ لأنه رد فعل طبيعي وليس مرضياً ، وهو يستمر عادة عدة
أيام ثم يتلاشى. ومما يساعد على تجاوزه هو أن نفهمه ونقبله ونلجأ إلى الراحة حتى
يعبر هذا الاكتئاب بهدوء ولا تطول أيامه. ويُشبه الأمر هنا الإصابة بالزكام ؛
فعندما نقبله ونستريح في البيت ، فإننا سرعان ما نتعافى ، أما عندما ننكره ونضغط
أنفسنا ، فربما يتفاقم إلى اكتئاب أشد.
ويُذكر أيضاً من أنواع الاكتئاب الطبيعي
"الاكتئاب بسبب الهرمونات عند الإناث". قد يحدُث بعض الاكتئاب قُبيل
الدورة الهرية ، وفي فترة الحمل الأولى ، وبعد الولادة ، وعند سنّ توقف الدورة في
نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات من العمر. يُصاحب هذا النوع من الكآبة شعور
بالوحدة والرغبة في الالتصاق بالأشخاص المحبوبين مثل الأم أو الزوج أو الأولاد.
وهناك أيضاً "حزن الفقد" (Grief reaction) وهو الحزن الذي يحدث عن موت عزيز أو فقد علاقة
حميمة ، أو فقد أحدِ أجزاء الجسم ، أو فقدان الصحة بسبب الإصابة بمرضٍ مزمن خطير.
ويمكن أن يكون الفقد على شكل فقد وظيفة ، أو رسوب في امتحان ، أو غير ذلك من ألوان
الفقد. عادةً ما يأخذ ذلك الحزن مجراه وينتهي إذا كانت الأحوال المحيطة بالإنسان
طبيعية. لكن أحياناً يتطور الحزن إلى الاكتئاب الاكلينيكي (المرضي).
الاكتئاب
المرضي
متى نقول عن إنسان إنه يُعاني اكتئاباً
مرضياً (اكلينيكياً) ، بمعنى أنه يحتاج لأن يراجع الطبيب ويتناول أدوية علاجية ؟
نقول هذا عندما يختلط الشعور بالحزن بالشعور بالذنب ، أو بشعور عدم القيمة واحتقار
النفس. يُصاحِب ذلك أحياناً شعورٌ بالتوتُر وعدم الاستقرار مع تَناقُص في مستويات
الطاقة وفقدان الرغبة في فعل أي شيء أو مقابلة أي إنسان. وأحياناً يشعر المكتئب
بالقلق ، وأحياناً أخرى بالغضب فينفجر في مَن حَوله دون أسبابٍ واضحة.
يتميز الاكتئاب المرضي بميل شديد إلى
التوقف عن أغلب الوظائف الحيوية ، فلا يستطيع الإنسان أن ينام ، وتنخفض شهيته تجاه
الأكل أو الجنس (أو قد يحدث العكس؛ إذ ينام أكثر من المعتاد لكن دون شعور بالراحة
، ويأكل أكثر من المعتاد ويمارس الجنس أكثر من المعتاد ، لكن دون شعورٍ باللذة أو
الإشباع).
قد يُفرط المكتئب أيضاً في تناول
الكحوليات والمخدرات أو السجائر محاولاً بذلك أن "يعالج" نفسه بتعاطي
هذه المواد. كما أن المكتئب يعزف (يتجنب) عن العمل (أو يُفرط في العمل دونما تركيز
أو استمتاع) ، ويهجر هواياته واهتماماته ، ويفقد الكثير من قدرته على التركيز
والاختيار ، كما تضعف ذاكرته ، ويفقد الكثير من قدرته على التركيز والاختيار ، كما
تضعف ذاكرته ، ويفقد اهتمامه بكل شيء تقريباً ، بل يشعر أيضاً بأنه فقد اتصاله
بالحياة. في هذا الوقت ، تبدأ أفكار كثيرة عن الموت تجول في خاطره ، ويبدأ بالرغبة
في الموت ثم الكلام الكثير عنه ، ثم يفكر في الانتحار ، وربما يصير التفكير جدياً
، مما قد يؤدي به إلى محاولة الانتحار فعلاً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق