ثانيا: القدرة على التفرد و مقاومة الامتثال (التشكل بالبيئة)
.. والمقصود من "التفرُّد" هو أن يحتفظ الشخص بشخصيته وهويته مستقلة و متمايزة عن كل من هو غيره. بمعنى أن يكون له لونه وبصمته الخاصة المختلفة عن الآخرين وأن يقاوم التقولب (أي الصب في قوالب جاهزة) ومحاكاة الآخرين والذوبان فيهم والتشكل (التشبه) بهم .. أن يصير الفرد "فرداً" وليس وحدة نمطية من وحدات تكوين المجموع.
.. فلابد أن نعرف أن واحدة من أهم سمات النضج النفسي ، هي قدرة الفرد على الوقوف صامداً متماسكاً محتفظاً بذات (هوية) متفردة مستقلة ومختلفة أمام قوة ضغط الآخرين لتشكيله على شاكلتهم Power of Conformity ، أو كما يسميها إبراهام ماسلو "مقاومة التشكل بالبيئة" ...إن ضغط المجتمع على الفرد الواحد يشبه الضغط الجوي ، قد يحسه الفرد وقد لايحسه ،ولكنه موجود دائماً وله أثاره التي تشتد أو تقل حسب قوة شخصية الفرد ونضجها وحسب نوع المجتمع.
ولكن، لماذا هذا الضغط من الأفراد بعضهم على بعض؟ ؛ السبب في ذلك هو الرغبة والسعي لتجنب الوحدة التي يحتويها الانفراد ضمنياً، وتحصيل قدر من الأمان من جراء مشابهة البعض للبعض. فالاختلاف قد يكون للبعض مخيفاً، بما يشير بالطبع إلى افتقاد هذا الإحساس بالأمان بين الأفراد ومحاولة البحث عنه بهذه الطريقة الخاطئة. ولذلك تعود قدرة الفرد على مقاومة التشكل بالبيئة إلى إحساسه بالقيمة وثباته الداخلي الذي يوفر له الإحساس بالأمان ، والنابع من علاقته الصحية بذاته.. ولذلك القدرة على مقاومة التشكل بالبيئة ليست بالأمر السهل أو الطبيعي أو التلقائي. فليست هناك فقط قوى المجتمع الخارجية بل أيضاً قوى ضعف الفرد الداخلية..
إذن ما الذي يعطي المجتمع قوة الضغط هذه على الشخص؟
نقول أن الشخص الذي يفتقر للإحساس بالكفاية والأمان ولا يجدهما داخله هو شخص يعيش في توتر قلِق ويشعر بالتهديد وعدم اليقينية في ذاته (أي يشك في هويته) ، لأنه لايعرف من هو ولا يتلامس مع ما يحدث في داخله. فهو لايجد السلام ولا التوافق أو الانسجام في داخل نفسه لأن هذه النفس غريبة عنه ولايعرفها، وبالتالي هو ليس في علاقة صحية معها. ولذا نجد الفرد هنا ، الفاقد لإحساسه بهويته، لايتحمل احتباره للتوحد والانفراد الموجودين ضمناً في اختلافه عن الآخرين (لأنه نفسياً ليس له أقدام يستطيع الوقوف عليها بمفرده) ، فذلك أمر مرعب لايطيق احتماله، فنجد أنطوني ستور الطبيب الإنجليزي في كتابه الشهير عن الاعتكاف ، يقول:
"أن القدرة على التوحد (أن يكون المرء بمفرده the capacity to be alone) ، وهي أحد جوانب النضج الوجداني ، تشير إلى الطمأنينة الداخلية التي بُنيت شيئاً فشيئاً خلال السنوات الأولى من العمر".
ومن ثم نجد مثل هذا الشخص المفتقر للطمأنينة الداخلية يلجأ إلى التماثل مع الآخرين ويشعر بالفع القوي نحو مسايرتهم والتشكل بهم لكي يحصل من خلال عملية المشاكلة (الامتثال) هذه على الطمأنينة من جهة ذاته المُبهمة تلك. ملتمساً بعض الدفء في الآخرين. فعملية المشاكلة (الامتثال) تعطيه الإحساس بالقبول والموافقة approval والرضا والاستحسان من المجتمع. الأمور التي تمنحه إحساساً خارجياً بالأمان الذي فشل في الحصول عليه داخلياً. ولكن تكون النتيجة أنه في هذه العملية يتعرض لفقدانه لتفرده.
...يشرح لنا الطبيب النفسي "رولو ماي" هذه القوة الضاغطة للمجتمع في كتابه الأشهر "بحث الإنسان عن نفسه"، فيقول:
"يمتلك القبول الاجتماعي سطوة ’أن نكون محبوبين’ لأنه يبعد الإحساس بالوحدة. إذ يُحاط الفرد بدفء مقبول ومريح وينخرط في الجماعة، ويُعاد امتصاصه - وكأنه يعود للرحم كما في الرمز المتطرف للتحليل النفسي- فيفقد المرء وقتياً وحدته ، ولكن هذا يحدث بثمن غال هو التخلي عن وجوده كماهية خاصة محددة..
"أن المرء يكره أشد ما يكون الخروج عن النسق والتطلع خارج الجماعة وعدم التواءم معهم ، فيفتقد الناس الشجاعة لخوفهم من العزلة أو لخشيتهم من التعرض للعزل الاجتماعي أي السخرية أو التهكم أو الرفض. فإن عاد المرء وغرق داخل الجماعة فهو لايتعرض لمثل تلك المخاطر ، حيث أن تلك العزلة هي تهديد جد خطير."
المرجع:
سمير، مشير ؛ سمات ومعايير النضج النفسي ط2 - مطبوعات نظرة المستقبل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق