في بدايات القرن الماضي، لاحظ إيفان بافلوف أن لعاب كلبه لا يسيل فقط عندما يأكل، بل وفي الأوقات التي اعتاد الأكل فيها أيضًا حتى وإن لم يُقدم له حينها طعام، وأطلق آنذاك نظريته “التعلم الاشتراطي Conditioned reflex”، والتي تعني باختصارٍ أنه من الممكن نشوء رغبة أو إحساس معين كاستجابة لموقف ما، ولا يحدث ذلك بشكلٍ فطري ولكن بناءً على الخبرات التي سبق وقد تعلمها الفرد. حسنًا ذلك كلامٌ أكاديمي سمج، تذكر معي عزيزي القارئ أول حصة لك في المدرسة، لمّا رن جرس الفسحة آنذاك، مشيت تجر أقدامك بلا اكتراث، بعدها بفترة، أدركت أن ذلك الجرس مرتبط بوقت الطعام، وأراهن أنه قد سبق وحدث أن هرعت إلى باب الفصل والجوع يضنيك حينما سمعت الجرس، وما لبثت أن أدركت أنه جرس الحصة الأولى أصلًا.
أُعجب بافلوف بما يحدث، فمضى يدق الجرس ويشاهد كلبه ينطلق إلى إنائه ولعابه يسيل، ثم يعود إلى مكانه الأول يجر أذيال خيبته، والحقيقة أن ذلك تشبيه مثالي لما يفعله جرس إشعارات مواقع التواصل الاجتماعي بنا.
عندما يأتينا إشعار “فيسبوك”، يُشعرنا ذلك بالأهمية، وذلك الشعور كما استنتجت عزيزي القارئ، يحفز إفراز الدوبامين، فيشعرنا بالسعادة والانتشاء، نفتح الإشعار لنجد أن “زهرة اللوتس” قد أبدت إعجابها بالمنشور الأخير، فنختال لذلك، ولكننا ما نلبث أن نسأل أنفسنا: من زهرة اللوتس هذه أصلًا؟
وبهذا الشكل نُدرك أن هذه الإعجابات ليس لها قيمةٌ حقيقيةٌ تُذكر، ويصيبنا ذلك بالإحباط، بيد أننا نهرع لتكراره مرةً أخرى، لأن إفراز الدوبامين هو ما يحدد رغباتنا في الأساس، وهكذا نظل في حلقةٍ مغلقة من الانتشاء اللحظي والإحباط القاسي.
وسائل التواصل الاجتماعي وطرق التعايش المسمومة
الأمور لا تسير دومًا كما نُحب، الحقيقة أن الحياة غالبًا ما تُثقلنا بالخيبات وتحرمنا السعادة، تداعب آمالنا ثم تتركنا لنهوي في جُب يأسٍ لا ضوء فيه.
حينما نهوي في ذلك الجُب السحيق، يتراءى لنا الأمل كبقعة ضئيلةٍ نائيةٍ يستحيل بلوغها، ونكون على قدرٍ من الإنهاك يُكبّل قدرتنا على النهوض، ويُمسي وجداننا أرضًا قفرًا لا تلد سعادةً أو حبور. آنذاك، نلهث من أجل أي شيءٍ قد يساعدنا خلال سنيننا العجاف.
وإذا ابتعدنا عن المجاز والاستعارات، فإننا في لحظات إحباطنا نصير في توقٍ حارق لذرة دوبامين، بيد أننا لا نمتلك من الطاقة النفسية ما يكفي لنقتلعها من بين براثن الحياة، فنلجأ حينئذٍ لطرق تعايشٍ توفر لنا لذّات مؤقتة.
بعضهم يلجأ للكحوليات والمكيفات، وآخرون للرهانات بمختلف أنواعها بدايةً من القمار وحتى كرة القدم، والبعض الآخر يقبض على هاتفه مُحدقًا في أيقونة إشعاراته. ولكن أحدًا لم يُعلمنا كيف نعتمد على أصدقائنا، كيف نغرس بذرة صداقة حقيقية، تُفعِم صدرنا بالانتشاء في أشد لحظات إحساسنا بالمرارة.
مواقع التواصل الاجتماعي، كغيرها من سبل التعايش السامة، قليلها مفيدٌ بيد أن كثيرها مُهلك، علاوةً على أنها على قدرٍ عالٍ من الإغراء: فإذا كان الهدف هو الدوبامين، فلماذا أنهك نفسي في الحصول عليه بيد أنه بإمكاني أن أسرقه بلا جهد؟ ولكن الهدف لم يكن يومًا الدوبامين، لم يكن الدوبامين سوى مكافأة يفرزها الدماغ إثر سلوكٍ ذي معنى، فإذا غاب السلوك، الذي هو الضلع الأساسي في المعادلة، سينتج عن غيابه فجوة ما تنفك تنخر في القلب حتى تتلفه.
مواقع التواصل الاجتماعي وانعكاس المرء الضامر
توضح نظرية المقارنة الاجتماعية “Social Comparison Theory” أن الأفراد في المجتمعات، يميلون إلى تحديد قيمتهم الاجتماعية والشخصية معتمدين في ذلك على مقدار تفوقهم على الآخرين بناءً على المعايير السائدة، مما ينتج عنه إحساسهم بالرضا عن أنفسهم أو احتقارهم لها. كما وضحت الأبحاث أن الأفراد الذين اعتادوا مقارنة أنفسهم بالآخرين، دائمًا ما يحاصرون في أشد أركان عواطفهم ظلمة: الندم، الإحباط، تبكيت الضمير، وفقدان الشغف.
وإذا كان المتعارف عليه بين الناس أن عدد الإعجابات يضيف إلى المرء قيمة، فإنه بشكل لا واعٍ يعلق قيمته الذاتية على شيءٍ هزلي، وأعداد وهمية، وما يلبث أن ينهار انعكاسه في المرآة أمامه إن لم يحصد تفاعلًا بين جمهوره الافتراضي، بل وأحيانًا يتفاقم الأمر إلى أن يصير هوسًا وينسلخ حقدًا على نفسه وعلى الآخرين.
إذا سألت أحد المراهقين أو الشباب عن حال دراسته، ففي الأغلب سيتراوح رده بين “شغّال” في أفضل الأحوال و “خرا” في الغالب، وإذا سألته عن السبب، سيخبرك أنه لا يرى معنى في كل هذا، ولكن إذا سألته ما الأشياء ذات المعنى في رأيه، فلن يجد إجابة. دفعتنا اللذات المؤقتة إلى الإغفال عن حقيقة أن السعي الطويل هو ما يضفي إلى أي شيء معنى، وأن الإنسان يجب أن يعاني ليشعر بانتشاء حقيقي، وأن الصبر هو ما يجعلنا نشعر باستحقاقية ما نأخذه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق