الجمعة، 7 يونيو 2019

بحث في الحياة الأسرية كمنظومة أو نسق رؤية: اجتماعية / نفسية (3)


 الصراع الزوجي الخفي - ب
 الآثار الناتجة عن هذه الحالة متعددة فيما يتعلق بالأطفال وصحتهم النفسية. يتمثل أحد السيناريوهات الأكثر شيوعاً في إدارة كل من الزوجين الظهر للحياة الأسرية ، والانصراف إلى اهتماماته . ويوكل أمر الأطفال إلى الخدم / المربيات (أو حتى لأنفسهم) لرعايتهم.
          ولقد أصبحت الآثار الناجمة عن هذه الحالة معروفة على الصعد العاطفية والعقلية واللغوية والاجتماعية والانتمائية من خلال الأبحاث الكثيرة عن الموضوع. وهي في جلها آثار لها انعكاساتها السلبية أو حتى المعوقة على الصحة النفسية للأبناء من الناحية النمائية ولانتمائية. وخصوصاً إذا تغير هؤلاء الخدم باستمرار ، وتعرض الطفل في كل فترة لخبرة علائقية مع شخص آخر غريب ومختلف في لغته وتكوينه النفسي والثقافي ومستواه العلمي والذهني. وقد يقتصر دور الأهل في هذه الحالة وأمثالها على التعويض عن تراخي رعايتهم لأبنائهم وتوفير الحب والصلات الوثيقة والمرجعيات الراشدة المتينة لهم ، في إغداق الرشاوي المادية لشراء رضا الأبناء. وهو قد يفسد هؤلاء بالطبع على صعيد التربية القيمية والمعيارية. حيث تتحول الروابط الإنسانية المتينة إلى مجرد منافع مادية.
          ويتمثل السيناريو الآخر في شيوع جو التوتر النفسي في الأسرة ، حيث العدوانية مكظومة ، والصراع خفي (الحرب الباردة) ، والشكاوي والتبرم دائمين ، والاتهامات المتبادلة بالتقصير تتفاوت بين التصريح والتلميح. يتم لعب الصراع من خلال السلوكيات والاتجاهات واللغة غير اللفظية. يعيش الطفل في هذه الحالة في جو ملغوم من التهديدات لطمأنينته. ذلك أنه يلتقط بحساسيته المرهفة واقع الصراع والعدوانية الكامنة وراء الهدوء الظاهري بين الوالدين . وتتراكم في نفسه حالة القلق والضيق والإحباطات النفسية ومشاعر الغيظ تجاه الوالدين. إلا أنه غيرمسموح لها (أي المشاعر) بالظهور من خلال التعبير اللفظي الصريح والمواجهة. تلك هي الحالة التي تؤسس بإمتياز للاضطرابات الانفعالية التي قد تصل حداً عُصابياً: تسيطر على الطفل الكآبة والانطوائية ، وفقدان الدافعية للدرس وإنحسار الحيوية العامة ، وصولاً إلى الغرق في الهموم الذاتية واجترار الآلام . يتجلى ذلك بوضوح في المدرسة على شكل انسحاب وغرق في أحلام اليقظة . ولا تخطئ العين الخبيرة ملاحظة المعاناة الصامتة التي يعيشها الطفل.
          وقد يتخذ الأمر في حالات أخرى طابع قيام الأحلاف والمعسكرات داخل الأسرة بين كل من الوالدين وعدد من الأطفال. وتدور عندها الحرب بين الزوجين ، من خلال الأولاد ، أي بالواسطة. كل طرف يضطهد وينبذ الأطفال حلفاء الطرف الآخر. وبالطبع يدفع الأطفال في كل الحالات الثمن الأكثر فداحة من توازنهم النفسي ، طالما أنهم يتحولون إلى مجرد أدوات للمعارك الزوجية في هذه الحرب الباردة ، بدلاً من الحصول على حثهم المشروع في الاعتراف والتقدير والمحبة والرعاية والمرجعية من كلا الوالدين. يتكرر على هذا الصعيد مثلاً أن تقوم علاقة تملكية بين الأم/الأب وأحد الأبناء أو بعضهم ، في حربه الباردة مع الشريك الآخر. تقوم علاقة دمجية ذوبانية بينه (الأم/الأب) وبين هذا أو ذاك من الأطفال مكون عالماً مغلقاً على الشريك الآخر (الزوج/الزوجة) الذي يتم استبعاده تماماً بمختلف وسائل تعبئة الاولاد ضده. هنا أيضاً يتحول الطفل أداة لخدمة حاجة أحد الزوجين للتعويض عن الخسارة التي يعانيها في علاقته الزوجية ، بدل أن تكون العلاقة مع الطفل لذاته ولخدمة احتياجاته في التنشئة والرعاية. أبرز الآثار الملاحظة على هذه الوضعية الحيلولة دون نمو الطفل نحو الاستقلالية والانفتاح على الدنيا والناس. فقد تعمم الأم/الأب حربها / هـ مع الشريك الآخر على العالم الخارجي، مما يُعيق تجربة الطفل في الانتما إلى الدنيا التي تتخذ طابع الغدر الذي يجب الحذر منه وتجنبه.
          وقد يصاحب الرشوة المادية رشوة أكبر خطراً منها ، تتمثل في التراخي المعياري تجاه سلوك الأطفال . هذا التراخي مضافاً إلى الفراغ العاطفي الذي يعيشه الأبناء بسبب إدارة الزوجين الظهر لحياة الأسرة وواجبات الوالدية ، يشكل الطريق الأقصر والأكثر شيوعاً لجنوح الأبناء على الصعيد المعياري: الأنغماس في حياة اللهو والعبث ، الجري وراء إثارات اللحظة ، إدارة الظهر للإعداد للمستقبل (الدراسة خصوصاً) ، إغراءات الصحة العابثة ، إغراءات الانخراط في مغامرات تجربة المخدرات وأخطار الإدمان عليها ، إغراءات البحث عن التعويض عن الفراغ العاطفي في المغامرات الجنسية غير محسوبة العواقب.
          وهكذا يملأ الأطفال حين يشبون فراغهم العاطفي في الأسرة ، من خلال الإقدام على مختلف المغامرات غير المحصنين للتعامل معها ومع آثارها ، التي قد تلحق أكبر الأذى بتوازنهم النفسي وتكيفهم الاجتماعي ونموهم المستقبلي. فالحب والانتماء حين يفتقدان في الأسرة ، لا يمكن أن يظل مكانهما شاغراً . بل هما يملآن ببدائل تعويضية هي أبعد ما تكون عن الصحة النفسية.

إعداد / زكريا حبيب - ماجيستير المشورة ؛ دراسات في الإرشاد 

الأسري والزوجي - عضو الجمعية المصرية للعلاجات الجماعية

الخميس، 6 يونيو 2019

بحث في الحياة الأسرية كمنظومة أو نسق رؤية: اجتماعية / نفسية (4)


صراعات ومشكلات الروابط الأسرية:
أنواعها وآثارها على الأطفال (2)
ثانياً: الصراع أو التصدع الصريح بين الزوجين (الحرب المفتوحة)
          يتفجر الصراع في هذه الحالة من الأزمات الزوجية ، إلى المستوى العلني. ويتخذ أشكالاً متنوعة من النزاعات الدائمة والشجار والعنف المتبادل ، أو الذي يمارسه أحد الطرفين (الزوج عادة). على الطرف الآخر.
          يلاحظ تكرار حدوث الصراع الصريح في الأسر من الشرائح الشعبية عموماً، حيث لايكترث الزوجان للاعتبارات الاجتماعية في الحفاظ على المظاهر في صراعها. يتصف الجو الأسري بسيادة العنف والتهديد المتبادل ، الذي ينعكس على الأطفال في المقام الأول على شكل فقدان للشعور القاعدي بالأمن . ويبين هذا التصدع أو الصراع عجزاً عن إدارة الرباط الزوجي بشكل معقول من التوافق والمرونة والتسويات الضرورية لاستمرار العلاقة . ويظهر التباين الذي سرعان ما يتفاقم إلى حد التناقض بسرعة ، حين يقوم الزواج على حالات مختلفة من الإرغام (إرغام الأهل للزوج أو للزوجة على الاقتران بمن لا يحب) أو هو يظهر بسرعة إذا تم الزواج بشكل متعجل في حالة إستسلام لنزوة أو شهوة ، أو من خلال الزواج بدون التعرف الموضوعي الكافي على القرين وخصائصه وأوضاعه.
          وقد يقوم وفاق لفترة من الزمن ثم تتراقم التناقضات والإحباطات المتبادلة بدون بذل الجهد الكافي لحلها ، أو توفير الصيانة اللازمة لاستقرار واستمرار الحياة الزوجية. وبمقدار ما تتراكم هذه التناقضات (الأختلافات) يُستنزف الزواج ويعيش كل من الزوجين أو أحدهما الحالة على شكل إحباط وغُبن لجق به من جراء زيجة غير موفقة ، أو حظ عاثر. ويتركان الأمر يتفاقم ، وكأن الوفاق الزوجي مفروض أن يستمر (أو يحدث) تلقائياً ، بدون إدارة ورعاية من طرفهما.
          ولايندر في حالات أخرى أن يتصدع الزواج بشكل صريح ، ويتحول الوفاق إلى شقاق بفعل ظروف خارجية لا يحاول الزوجان أو أحدهما بذل الجهد للتعامل معها ، أو الحد من آثارها . وخصوصاً إذا أدت هذه الظروف إلى إحباط توقعات ، أو حاجات تبدو أساسية لأحد الطرفين . كما أنه قد يحدث أن تخفت فورة الرغبة التي تشد الزوجين إلى العلاقة ، بعد زوال الحدة . ويعود الزوج مثلاً إلى تعاطي الكحول أو المخدرات ، بعد أن أقلع عنها في بداية الزواج. وإذا وصل التعاطي حد التعود الشديد أو الإدمان تبدأ المأساة المزدوجة. فمن ناحية يتدهور الأداء المهني ومعه ينحسر الدخل ، ويدخل المدمن في الحالات المعروفة من البطالة المقنعة ، أو الدائمة. ولا يعود يهتم إلا بالبحث عن المادة المُسكرة أو المخدرة وتعاطيها. كما تتدهور حياته الاجتماعية ، فيتحول من الروابط الإيجابية ، إلى مخالطة رفاق الشرب. ويتمثل الجانب الثاني من المأساة على مستوى الأسرة والعلاقات الزوجية. يتخلى تدريجياً عن الالتزام بواجباته المادية. وقد يذهب بعيداً إلى حدّ بيع ما يمكن بيعه من الأثاث والمتاع لتوفير ثمن المشروب . والآخطر من ذلك أنه قد يأتي برفاق الإدمان إلى المنزل على مرأى من الزوجة والأولاد.
          ولا بدّ أن يصاحب ذلك كله تفجر العدوانية بلا حدود: من ضرب مبرح للزوجة والأولاد ، أو طردهما ، وصولاً إلى الاعتداء الخطير على الزوجة مما يهدد سلامتها الجسدية ، بل حياتها . ويحدث هذا العنف على خلفية من الشك بوفائها وإخلاصها ، في حالة من تفجر هذيانات الاضطهاد ويتحول كل من في المنزل إلى ضحايا للعنف الجسدي والنفسي.
          وقد لايتخذ الأمر طابع الإدمان ، بل يقتصر على حالة تفجر العنف على الزوجة والأولاد. فيتعرض الجميع للضرب المبرح ولأتفه الأسباب في حالة من سيادة نزوة السطوة التي لاتقاوم أو تراجع . هنا يسود قانون القوة بدلاً من قانون التعاطف والوفاق.
          ولايندر أن يحول الزوج من هؤلاء إحباطاته الحياتية في العمل والكسب والمكانة الاجتماعية إلى حياته الزوجية ، التي تتحول إلى ميدان للتشفي. وقد يذهب أبعد من ذلك فيُسقط فشله الخارجي على الرباط الزوجي الذي تيخذ عندها طابع الغُبن الوجودي ، مما يجعل عنفه مبرراً . أما الزوجة فقد تكون الضحية المستسلمة لقدرها في حالة العجز عن المجابهة. أو هي تتصدى وتجابه مما يحول المنزل إلى ساحة نزاعات ومشاجرات دائمة . وهي في ذلك قد تتحالف مع بعض أبنائها الكبار لشن الحرب المضادة على الزوج . كما يحدث أن تتراخى الزوجة في التزامها الأسري ونلجأ إلى الهروب النفسي مسيِّبة المنزل والأولاد ، ومتحولة إلى زياراتها وطلعاتها عند الجيران والأصحاب . وفي حالات نادرة قد يتحول الموقف بسبب مرض الزوج أو فقدانه مكانته ووقوعه في العجز . عندها تستقوى الزوجة وتسدد حساباتها المتراكمة مع زوجها من خلال ما تنزله به من عنف وتحقير وعزل ، مما يحوله إلى وضعية زوج / الأب الساقط.
          يحدث التصدع الصريح عادة على خلفية من قصور النضج النفسي – الشخصي أو النضج العاطفي – الجنسي لدى أحد الزوجين أو كليهما . وهو ما يجعلهما يبقيان أسيرين لنظم توقعات غير موضوعية ، أو عاجزين عن إظهار المرونة والقدرة على حل المشكلات واستيعاب الأزمات . ولا يندر أن نجد عند دراسة تاريخهما الأسري أن أحدهما أو كليهما قد نشأ في أسرة متصدعة أصلاً. ودخل على عالم الزواج وهو مثقل بتركة نفسية تدفع به إلى تكرار المأساة . وكأن التصدع يعيد إنتاج ذاته من خلال عدم توافر النضج والصحة النفسية ، والافتقار إلى مقومات تأسيس حياة زوجية معافاة.
          وليس علينا أن نذهب بعيداً كي نتحقق من ذلك . فجد نجد عند دراسة بعض الأسر المتصدعة أن بعضاً من البنات الكبار اللواتي تزوجن قد عدن إلى الأسرة وكل منهن تصطحب معها طفلاً أو أكثر ، بعد تفكك زواجها. ويحفل تاريخ مثل هذه الأسر بتعدد حالات الزواج والطلاق على خلفية من التصدع الصريح.
          هناك بالطبع العديد من حالات التصدع الأخرى التي تشكل تنوعات على نفس الخلفية. منها مثلاً التصدع على صعيد مشكلات توظيف طاقات الحب والعنف. فلا يقتصر الأمر هنا على سحب التوظيف العاطفي من القرين ، بل يتجاوزه إلى ما يسمى بـ "التوظيف المضاد" ، حيث يحل العدوان والانفصال النفسي والتدمير المتبادل محل قوى الترابط والتآلف والحب والبناء . وحين يحدث التوظيف المضاد هذا يفتح الباب على مصرعيه ، إذا لم تحدث ظروف تضع له الحدود أو تعدله ، للحالات التي عرضناها هنا . يبدو الصراع هو العلاقة المعتادة ، وتبدو ممارسة ألوان العنف النفسي والجسدي هي الحالة العاطفية الطبيعية . وكأن لذة التشفي والانتقام والطوة تحل محل لذة الود والوفاق . وكأن كل من الطرفين من خلال إسقاط عدوانيته على العلاقة والقرين ينتقم لذاته من غُبن مفروض وقع عليه ، يتعين تصحيحه من خلال إنزال الغُبن بالآخر. وبذلك تقوم علاقة التشفي والتحطيم المتبادل مقام علاقات الود والتفاهم. يتحول الآخر من مصدر إرضاء الحاجة إلى علاقة عاطفية مشبعة إلى عقبة وجودية أمام هناء العيش ، مما يبرر سيادة نزوة العدوان.
في كل الأحوال يكون الأطفال هم أكثر ضحايا التصدع الصريح تضرراً ، وذلك على عدة محاور.
          يمثل جو التوتر النفسي والصراعات المفتوحة ، وما تتسم به من غلبة للعنف تهديداً جدياً للطمأنينة القاعدية الضرورية للنمو المعافى . ينشأ الطفل في عالم من التهديد مما يفاقم مشاعر مشاعر إنعدام الطمأنينة لديه ، ويصعد من مستوى القلق متعدد الألوان : قلق العدوان وإلحاق الأذى بتكامله الجسدي – النفسي (مما يشكل حالة فعلية بالطبع) ، قلق الهجر المصاحب للتسيب والأهمال الذي يتعرض له ، قلق تفكك الأسرة بانفصال الوالدين ، مما قد يحمله من أخطار الضياع . حالات القلق هذه التي تجد لها تغذية دائمة من خلال دوام الصراعات وتكرار العنف ، تولد حالات من الانكسار النفسي ، وفقدان الثقة بالنفس وبالإمكانات ، والعيش في حالة التعرض للتهديد. إلا أن الغالب على حالات التصدع الصريح أن تؤدي إلى ردود فعل دفاعية ضد القلق تتخذ طابع العنف والخشونة . وهو ما يعرف بآلية "جلد التمساح" ، حيث يتحصن الطفل ضد ما يعصف به من قلق بتنمية قناع من الخشونة والقسوة والفظاظة . وتساعد النمذجة على تنمية هذه الآلية الدفاعية. فهو يتخذ له من عنف الآب أو من عنف الأخوة الكبار نموذجاً يحتذيه في سلوكه وردود فعله ومشاعره ، إنه يتمثل تلك النظرة عن الدنيا التي يوجهها قانون القوة : الغلبة للأقوياء ، والأقوياء يسيطرون على الضعفاء . ولذلك فإنه يميل إلى السلوك العدواني بمقدار تقدم نموه الجسدي واكتسابه لبعض مظاهر القدرة على الفعل وردود الفعل. ويجد له في ذلك قدوة جاهزة: الأب يضرب الزوجة والأبناء ويتسلط عليهم ، وهؤلاء يستجيبون بنفس السلوكيات تجاه من هم أضعف منهم.
          ومن النمذجة (احتذاء نماذج حية) قد يصل الأمر حداً من الرسوخ من خلال نشوء ظاهرة "التماهي بالمعتدي" : فمن كان ضحية الخوف يحاول أن يخيف من هم أضعف منه ، ومن كان ضحية العدوان يمارس العدوان على من هم أقل قوة منه ، وهكذا في حالة من قلب الأدوار . كل من النمذجة والتماهي بالمعتدي يعززان آلية دفاع "جلد التمساح" التي تتحول تدريجياً إلى نوع من الطبع ، وإلى أسلوب سائد في العلاقات والسلوك. بذلك فقط يتمكن الناشئ من السيطرة على قلقه الدفين.
          يقاوم هؤلاء خلال الإرشاد النفسي بشدة ، وخصوصاً إذا ذهبوا بعيداً في تعزيز هذه الدفاعات ، كل محاولات النفاذ إلى عالمهم الذاتي الحميم. كما يقاومون محاولات التقرب منهم والتعبير عن الحب. إنهم يخشون الحب الذي يهدد دفاعتهم بالوهن ، مما يتركهم أمام قلقهم الدفين الذي لايستطيعون تحمله . وبالتالي فإنهم يشعرون بالقوة والتوازن النفسي من خلال تعميم هذه السلوكيات على مختلف مواقف الحياة . وهذا قد يؤدي بهم إلى التوجه نحو الجنوح حيث يشتد عودهم قيليلاً في نوع من الحرب على الدنيا والناس ، أو نوع من استبدال الحب بالقوة والغلبة ، والعلاقات الحميمة بعلاقات المصلحة والمنفعة . وهنا أيضاً قد يجدون في أخوتهم الأكبر نموذجاً وقدوة . إذ يغلب أن يكون هؤلاء قد سبقوهم في السير على هذا الدرب.
          يتكرر في مثل هذه الأسر المتصدعة التي تبدي عجزاً ظاهراً عن إدارة حياتها نفسياً ومادياً ، أن تكون الولادات كثيرة ، ومتتابعة . بدون حصول كل مولود على نصيبه الضروري من العلاقات الوثيقة والتعلق والحب والقبول والرعاية والتوجيه . يترك أمر الإنجاب للحتمية البيولوجية وحدها ، في نوع من فقدان السيطرة على إدارة الوالدية ، أو العجز عنها ، أو عدم الرغبة فيها أصلاً. ولذلك فإن الغالب هو سيادة أسلوب حياة الارتجال في تدبير الحال. وحيث لاتتوفر للأطفال الرعاية والتوجيه الكافيين ، كما لايتوفر لهم على الأغلب المجال الحيوي الملائم داخل المنزل ، فإنهم يتحولون إلى الشارع والحي كمجال حيوي بديل. وهو ما يحمل كل إمكانيات التعرض لمختلف الأخطار الخلقية ، وإغراءات الجنوح ، خصوصاً إذا كانو يعيشون ، كما يغلب على هذا النمط من الأسرة ، في أحياء هامشية تتصف باللامعيارية الأخلاقية، وتراخي الضوابط السلوكية.
          ونظراً لفقدان المجال الحيوي المطمئن في المنزل قد يتكرر ميل اليافعين من الأطفال إلى التشرد والهروب والتعرض للعشرة السيئة التي تفتح أمامهم أبواب الولوج في المغامرات الجانحة. ويعزز هذا الاندفاع الاحتقانات النفسية الداخلية التي يعانون منها ، والتي تتطلب التفريج في سلوكيات حركية أو إنتقام وتشفٍ لاستعادة شيء من التوازن الذاتي.
          وبالطبع فإن هذه الوضعية الوجودية بخصائصها التي أشرنا إلى ملامحها الرئيسية لاتشجع البته على التحصيل الدراسي . فليس هناك منذ البدء مقومات بيئة مواتية لنمو الدافعية للتحصيل ، والحياة المدرسية المنتظمة.
          فالفقر الثقافي يتلازم مع الصراعات والعنف ، ويرافقها بالطبع تدني مستوى توقعات الأهل على تحصيل أبنائهم ، وعدم قدرتهم على توفير الوسائل والمعززات التي تفتح الشهية للدرس والانتظام المدرسي. حتى أن الكثير من الأهل لايدرون عن دراسة أولادهم شيئا.

إعداد/ زكريا حبيب - ماجيستير الماشورة ؛ دراسات في العلاج الأسري والزوجي.

الأربعاء، 5 يونيو 2019

بحث في الحياة الأسرية كمنظومة أو نسق رؤية: اجتماعية / نفسية (2)


الرباط الزوجي ومقواماته
أهم مقومات الرباط الزوجي والأسري
1.    حِس (الشعور) بالمسؤولية والالتزام بالرباط الزوجي  وراوابط الوالدية والبنوة:
          الحفاظ على سلامة الأسرة وتماسكها ، وصولاً إلى ذلك القدر الضروري من التضحية وبذل الجهد للحفاظ على الأسرة. نحن هنا بصدد قناعة عقلية – عاطفية حيث الالتزام هو اضطلاع بمسؤوليات ما بعد الزواج. إنه خروج من الذات وأنانيتها ورغباتها لملاقاة الآخر (القرين ، الأبناء) وصولاً إلى الالتزام بكيان الأسرة. إنه التزام بخدمة الذات الجماعية والسعي إلى تحقيق الذات الفردية من خلال صحة الأسرة ونمائها. الالتزام لايعني الغياب الكلي للتباينات وأوجه الاختلاف والصراعات ، فذلك غير ممكن ، وإنما هو التزام بالآخرين وقبولهم والحرص عليهم رغم الخلافات التي لابد منها، (جرجس عياد، 2014).
2.    التكافؤ في السن والمرحلة التعليمية والوضع الاقتصادي والاجتماعي:
          مما يشكل ثلاثية عوامل موضوعية لإمكانية إقامة علاقة زوجية متوازنة ، وقابلة للحياة ، حيث يجد كل من الزوجين مكانة معقولة لا تكلفة أثماناً نفسية مادية ومعنوية باهظة تهدد تماسك الأسرة على المدى البعيد.
3.    التوافق على المكانة والأدوار والمرجعية:
          حيث يجد كل طرف مكانته التي ترضيه ويقوم بأدواره الوظيفية زوجياً وأسرياً و والدياً. وكذلك التوافق على نظم السلطة ومرجعيتها وحدودها تبعاً لأدوار ووظائف كل من الزوج والزوجة.
4.    التوافق على السياسات والتوقعات:
          يُقبل كل من الزوجين على الرباط الزوجي ولديه مجموعة من التوقعات والسياسات. ولكل من الزوجين تصوره الشخصي عما سيكون عليه وضعه من حيث المكانة والدور والإرضاءات وأنماط العلاقة. كما أن كلا منهما له رؤيته الذاتية حول إدارة الحياة الزوجية والأسرية وأساليب التنشئة ، والعلاقات مع الأسرة الممتدة والمحيط الاجتماعي. وكذلك سياسات الأنفاق وإدارة ميزانية الأسرة المعروفة. التوافق على هذه التوقعات والسياسات يوفر أساساً طيباً لتماسك الأسرة محُسن قيامها بوظائفها ، حيث تبقى الخلافات ضمن إطار وإرادة التوافق والتلاقي من خلال مرونة المواقف.
5.    النضج النفسي :
          ويتجلى النضج النفسي في الصحة النفسية الفردية لكل من الزوجين ، وفي التمتع بدرجة طيبة من الذكاء العاطفي ، لجهة التواصل مع المشاعر الذاتية وتفهمها والقدرة على التعامل معها. وكذلك تفهم مشاعر الآخر والتعامل معها. كما يتجلى في الدافعية الذاتية لبناء كيان أسري ونمائه ويتجلى في المرونة الاستيعابية للتعامل مع الشدائد والضغوطات ، وصولاً إلى حُسن الحال الذاتي الذي ينعكس إيجابياً على العلاقة الأسرية. يشكل النضج النفسي لكل من الوالدين النموذج الذي يقدمونه للأبناء وبناء صحتهم النفسية. وبالتالي يتمثل الأبناء نموذج الأسرة المعافاة المتماسكة والنامية ويعيدون تكرار إنتاجيه في تأسيسهم لأسرهم مستقبلاً. وتشكل القدرة على التفكير الإيجابي أحد أبرز مقومات تماسك الأسرة ونمائها ، إذ أنه يشكل الأداة الأبرز والأكثر فاعلية لاستيعاب المشكلات والصراعات والأزمات والعمل على حلها. فالإيجابية تجاه الذات وأعضاء الأسرة حو حالياً إسمنت التماسك والنماء الأسري.
6.    النضج العاطفي الجنسي:
          النضج العاطفي والقدرة على الارتباط الوثيق الذي يحمل الرضا للطرفين ، والنضج الجنسي الذي يوفر الإشباعات ويعزز الرباط الزوجي هما نتاج التمتع بتنشئة في الطفولة تتصف بالحب والتقبُل والرعاية والعلاقات الوثيقة بالوالدين والتفاعل معهما ، وهي ذاتها التي ترسي أسس الصحة النفسية في الطفولة التي تتجلى في الصحة النفسية الزوجية الجنسية في الرشد. ويشكل النضج العاطفي الجنسي الذي يتأسس على متانة العلاقة وصحتها مع الوالدين ضمانة لفاعلية بقية المقومات ، في تماسك الأسرة ونمائها. كل الخلاقات والصراعات تبقى ثانوية قابلة للحل طالما توفر التوافق العاطفي الجنسي بين الزوجين.
7.    التوافق على التكيف لأطوار (مراحل) الحياة الأسرية:
          تمر الأسرة بمراحل من النماء من الخطوبة وقضاياها ، وتأسيس الحياة الزوجية ومتطلبتها من سكن وسواه ، ثم الحياة الحميمة في بدايات الزواج ، ومن بعدها الإنجاب ومهام الوالدية والتنشئة وكذلك مهام بناء مكانة اقتصادية اجتماعية ، وعبوراً إلى نمو الأبناء ووصولهم إلى سن المراهقة والشباب ، ومن ثم استقلالهم ، وتكيف الوالدين لمرحلة أواسط العمر والتقدم التدريجي في السن ، وما يصيب كلاً منهما من أمراض أو نكسات صحية. كلها أطوار طبيعية في حياة الأسرة لابد من التكيف لكل منها. وتتزايد فرص تماسك الأسرة بقدر انسجام كل من الزوجين في تقدمه خلال هذه الأطوار. وتنشأ مشكلات الصراع الذي يتفاقم فيهدد تماسك الأسرة إذا حدث تباين واضح في مسيرة كل من الزوجين: مثل تقدم أحد الطرفين وانتقاله من طور إلى آخر ، مع تمسك الآخر بالبقاء عند أحد أطوار نمو الأسرة. التوافق على مسيرة نماء الأسرة هذه يشكل أحد مقومات استمرار تماسكها.
8.    امتلاك مهارات تخطيط الحياة الأسرية وإدارتها:
          إدارة الميزانية وسياسات الإنفاق ، إدارة تنشئة الأبناء ورعايتهم ، إدارة الحياة الزوجية، التوافق على أهداف وغايات مشتركة والعمل الجماعي لتحقيقها ، تحديد أولويات الأسرة وتوفير متطلبتها ، إدارة الوقت (وقت العمل والترويح والالتزامات الأسرية وتحصينها وتماسكها.
9.    المقوم الاقتصادي :
          وهو من الشروط البديهية لتوفير التماسك الأسري ، لجهة تلبية احتياجات تأسيس أسرة وتأمين السكن ومختلف الحاجات الأساسية وتوفير ضمانات الأمن ، ونفقات الحياة اليومية ، والترويح ومتع الحياة التي توفر الراحة وتنفس احتقانات ضغوطات الحياة. ومن بعدها توفير متطلبات إنجاب الأطفال وتنشأتهم. ومن المعروف أن عدم توفير مصادر الدخل الكافية لحياة الأسرة من مثل الفقر والبطالة والأزمات الاقتصادية تفجر الصراعات في الأسرة وتهدد تماسكها. وكذلك الأمر بالنسبة لسوء إدارة ميزانية الأسرة وتحديد أولويات الإنفاق بشكل عقلاني فهو يفجر بدوره الصراعات التي تهدد تماسك الأسرة.
10.   المحيط الاجتماعي المعافى:
          تعيش الأسرة في محيط اجتماعي يتمثل في الجماعة المحلية والحي. وبمقدار تماسك هذا المحيط وسلامة العلاقات والتفاعلات فيه ، وبمقدار التآزر والضوابط الاجتماعية يتأمن للأسرة الاطار الحيوي الذي يحفظ أمنها. كما أن الأبحاث حول صحة الأسرةالنفسية كشفت عن مدى أهمية توفير المناخ الاجتماعي المعافى لسلامة حياة الأسرة واستقرارها وتماسكها. ولذلك فإن سياسات رعاية الأسرة لم تعد تقتصر على توفير مقومات حياتها الداخلية ، وإنما أخذت تركز بشكل متزايد على المحيط المعافى والمناخات الاجتماعية الصحية التي تعيش فيها. ومن المعروف أن تماسك الأسرة يتعرض للمخاطر حين تعيش في أحياء هامشية تخلو من الضوابط الاجتماعية والأمنية والخدمات الأساسية ، ويشيع فيها الأختلاط السكاني المتنافر الذي يتسم بالغفل الاجتماعي الي يفتح الباب على مصراعيه لمختلف حالات السلوكيات الجانحة وتراخي مسؤولية رعاية الأسرة وتنشأة الأبناء.

بحث في الحياة الأسرية كمنظومة أو نسق رؤية: اجتماعية / نفسية


أولا: المنظور الاجتماعي للأسرة كمنظومة
·        تعريف الأسرة
·        الرباط الزوجي ومقواماته
·        مراحل تكوين الأسرة (دورة حياة الأسرة)
·        تصدع الروابط الزوجية
·        تفكك الرباط الزوجي (الهجر والطلاق)
·        علاقة الأباء بالأبناء
·        الخصائص الاجتماعية للأسرة
·        القواعد العامة للأسرة كمنظومة (نسق) وضرورة العمل بهذه القواعد
·        الخصائص النفسية للأسرة
·        خصائص الأسرة التي تتمتع بالصحة النفسية
·        التكيف والتماسك الأسري
·        المخاطر التي تواجه الأسرة

ثانياً: المنظور النفسي للأسرة كنسق (منظومة)
·        الأسرة كمنظومة (نسق) اتصالية
·        المنظومة (النسق) الأسرية
·        الحاجات إلى الاتصالية – الأستقلالية
·        المناخ غير السوي في الأسرة المولدة للمرض النفسي
·        بعض العمليات غير السوية في الأسرة المولدة للمرض النفسي
·        الاتصال الخاطئ في الأسرة المولدة للمرض النفسي
·        الأنماط الوالدية في الأسرة المولدة للمرض النفسي
·        الأسرة في الإرشاد والعلاج النفسي
·        المدخل السيكودينامي في إرشاد وعلاج الأسرة
·        المدخل السلوكي في إرشاد وعلاج الأسرة
·        المدخل العقلاني – الانفعالي في إرشاد وعلاج الأسرة
·        المدخل النسقي (المنظومي) في إرشاد وعلاج الأسرة


هذا بحث تحت الإعداد للتمهيد لنزولة كتاب يستفيد منه الأخصائيين في الإرشاد الأسري
برجاء إفيدوني بتعليقاتكم للتنقيح والنقد البناء

الأحد، 2 يونيو 2019

مواقع التواصل الاجتماعي كإدمان

مواقع التواصل الاجتماعي كإدمان

إن وجدت في توصيف استخدام مواقع التواصل الاجتماعي بالإدمان مبالغةً ما، فدعني أوضح لك أولًا المعنى الاصطلاحي للإدمان: عدم القدرة على التوقف عن فعل الشيء أو استخدامه، بالذات في حالة كونه يعود بالضرر على الفرد. ويسهل علينا تشخيص الإدمان إذا ما راعينا الأعراض التالية:
  • يصير المرء مهووسًا بالسلوك أو المادة.
  • يصبو المرء إلى السلوك بالرغم من إدراكه لنتائجه السلبية.
  • ينكر المرء سلبيات السلوك، وغالبًا ما يفقد إحساسه بالزمن والمكان أثناء ممارسته.
  • يجد المرء صعوبةً في التوقف عن ممارسة السلوك أو التحكم به، ويشعر أنه يمارسه بطريقةٍ لا إرادية، ويعجز عن التحكم بالوقت الذي يقضيه أثناء الممارسة، كما أنه يفقد لذة الانخراط في السلوك إلا أنه يفعله على أي حال.
  • الاكتئاب عرضٌ منتشر بين هؤلاء الذين يدمنون سلوكيات معينة، كذلك قلة الثقة بالنفس والقلق.
فإذا وجدت عزيزي القارئ أيًا من هذه الأعراض فيك أو في أحد أقربائك، أدركْ حجم المشكلة، ولكن اطمئن، فهنالك أكثر من تسعٍ وثلاثين طريقة للإقلاع عن السلوكيات المسببة للإدمان، لن يُسعفنا المقال لذكرها، ولكن ضغطة واحدة على جوجل وستدرك سبيلك.
في النهاية، فإن سبل التكيف والتعايش لا بد منها، وجميعنا لدينا عاداتنا، ومواقع التواصل الاجتماعي بالطبع لها فوائدها، ولكن المرء يستشعر الخيبة إذ يجد نفسه سجينًا، ويكون أشد انكسارًا إذا ما أدرك أنه بنفسه من صاغ قضبانه.

هل أصبح جميعنا “كلاب بافلوف”؟

في بدايات القرن الماضي، لاحظ إيفان بافلوف أن لعاب كلبه لا يسيل فقط عندما يأكل، بل وفي الأوقات التي اعتاد الأكل فيها أيضًا حتى وإن لم يُقدم له حينها طعام، وأطلق آنذاك نظريته “التعلم الاشتراطي Conditioned reflex”، والتي تعني باختصارٍ أنه من الممكن نشوء رغبة أو إحساس معين كاستجابة لموقف ما، ولا يحدث ذلك بشكلٍ فطري ولكن بناءً على الخبرات التي سبق وقد تعلمها الفرد. حسنًا ذلك كلامٌ أكاديمي سمج، تذكر معي عزيزي القارئ أول حصة لك في المدرسة، لمّا رن جرس الفسحة آنذاك، مشيت تجر أقدامك بلا اكتراث، بعدها بفترة، أدركت أن ذلك الجرس مرتبط بوقت الطعام، وأراهن أنه قد سبق وحدث أن هرعت إلى باب الفصل والجوع يضنيك حينما سمعت الجرس، وما لبثت أن أدركت أنه جرس الحصة الأولى أصلًا.
أُعجب بافلوف بما يحدث، فمضى يدق الجرس ويشاهد كلبه ينطلق إلى إنائه ولعابه يسيل، ثم يعود إلى مكانه الأول يجر أذيال خيبته، والحقيقة أن ذلك تشبيه مثالي لما يفعله جرس إشعارات مواقع التواصل الاجتماعي بنا.
عندما يأتينا إشعار “فيسبوك”، يُشعرنا ذلك بالأهمية، وذلك الشعور كما استنتجت عزيزي القارئ، يحفز إفراز الدوبامين، فيشعرنا بالسعادة والانتشاء، نفتح الإشعار لنجد أن “زهرة اللوتس” قد أبدت إعجابها بالمنشور الأخير، فنختال لذلك، ولكننا ما نلبث أن نسأل أنفسنا: من زهرة اللوتس هذه أصلًا؟
وبهذا الشكل نُدرك أن هذه الإعجابات ليس لها قيمةٌ حقيقيةٌ تُذكر، ويصيبنا ذلك بالإحباط، بيد أننا نهرع لتكراره مرةً أخرى، لأن إفراز الدوبامين هو ما يحدد رغباتنا في الأساس، وهكذا نظل في حلقةٍ مغلقة من الانتشاء اللحظي والإحباط القاسي.

وسائل التواصل الاجتماعي وطرق التعايش المسمومة

الأمور لا تسير دومًا كما نُحب، الحقيقة أن الحياة غالبًا ما تُثقلنا بالخيبات وتحرمنا السعادة، تداعب آمالنا ثم تتركنا لنهوي في جُب يأسٍ لا ضوء فيه.
حينما نهوي في ذلك الجُب السحيق، يتراءى لنا الأمل كبقعة ضئيلةٍ نائيةٍ يستحيل بلوغها، ونكون على قدرٍ من الإنهاك يُكبّل قدرتنا على النهوض، ويُمسي وجداننا أرضًا قفرًا لا تلد سعادةً أو حبور. آنذاك، نلهث من أجل أي شيءٍ قد يساعدنا خلال سنيننا العجاف.
وإذا ابتعدنا عن المجاز والاستعارات، فإننا في لحظات إحباطنا نصير في توقٍ حارق لذرة دوبامين، بيد أننا لا نمتلك من الطاقة النفسية ما يكفي لنقتلعها من بين براثن الحياة، فنلجأ حينئذٍ لطرق تعايشٍ توفر لنا لذّات مؤقتة.
بعضهم يلجأ للكحوليات والمكيفات، وآخرون للرهانات بمختلف أنواعها بدايةً من القمار وحتى كرة القدم، والبعض الآخر يقبض على هاتفه مُحدقًا في أيقونة إشعاراته. ولكن أحدًا لم يُعلمنا كيف نعتمد على أصدقائنا، كيف نغرس بذرة صداقة حقيقية، تُفعِم صدرنا بالانتشاء في أشد لحظات إحساسنا بالمرارة.
مواقع التواصل الاجتماعي، كغيرها من سبل التعايش السامة، قليلها مفيدٌ بيد أن كثيرها مُهلك، علاوةً على أنها على قدرٍ عالٍ من الإغراء: فإذا كان الهدف هو الدوبامين، فلماذا أنهك نفسي في الحصول عليه بيد أنه بإمكاني أن أسرقه بلا جهد؟ ولكن الهدف لم يكن يومًا الدوبامين، لم يكن الدوبامين سوى مكافأة يفرزها الدماغ إثر سلوكٍ ذي معنى، فإذا غاب السلوك، الذي هو الضلع الأساسي في المعادلة، سينتج عن غيابه فجوة ما تنفك تنخر في القلب حتى تتلفه.

مواقع التواصل الاجتماعي وانعكاس المرء الضامر

توضح نظرية المقارنة الاجتماعية “Social Comparison Theory” أن الأفراد في المجتمعات، يميلون إلى تحديد قيمتهم الاجتماعية والشخصية معتمدين في ذلك على مقدار تفوقهم على الآخرين بناءً على المعايير السائدة، مما ينتج عنه إحساسهم بالرضا عن أنفسهم أو احتقارهم لها. كما وضحت الأبحاث أن الأفراد الذين اعتادوا مقارنة أنفسهم بالآخرين، دائمًا ما يحاصرون في أشد أركان عواطفهم ظلمة: الندم، الإحباط، تبكيت الضمير، وفقدان الشغف.
وإذا كان المتعارف عليه بين الناس أن عدد الإعجابات يضيف إلى المرء قيمة، فإنه بشكل لا واعٍ يعلق قيمته الذاتية على شيءٍ هزلي، وأعداد وهمية، وما يلبث أن ينهار انعكاسه في المرآة أمامه إن لم يحصد تفاعلًا بين جمهوره الافتراضي، بل وأحيانًا يتفاقم الأمر إلى أن يصير هوسًا وينسلخ حقدًا على نفسه وعلى الآخرين.
إذا سألت أحد المراهقين أو الشباب عن حال دراسته، ففي الأغلب سيتراوح رده بين “شغّال” في أفضل الأحوال و “خرا” في الغالب، وإذا سألته عن السبب، سيخبرك أنه لا يرى معنى في كل هذا، ولكن إذا سألته ما الأشياء ذات المعنى في رأيه، فلن يجد إجابة. دفعتنا اللذات المؤقتة إلى الإغفال عن حقيقة أن السعي الطويل هو ما يضفي إلى أي شيء معنى، وأن الإنسان يجب أن يعاني ليشعر بانتشاء حقيقي، وأن الصبر هو ما يجعلنا نشعر باستحقاقية ما نأخذه.

هل أفقدتنا “مواقع التواصل الاجتماعي” قدرتنا على “التواصل الاجتماعي”؟

الدوبامين ومنشأ الرغبة

بينما تضحك ملء أشداقك مع الأصدقاء، أو تلتهم أطباقًا من “ورق العنب”، أو تجلس في جو شاعري مع ذات عيونٍ ساحرة، يشعر الدماغ أنه قد حقق نصرًا حقيقيًا، فأصدقاؤك هؤلاء سيساعدونك على عيش حياة سعيدة، والورق عنب سيجعلك قادرًا على البقاء يومًا آخر -ليس وجبة صحية ولكنها مُحبذات شخصية، وذات العيون الساحرة ستضمن لك وجود جيلٍ آخر يحمل نفس صفاتك.
يرضى الدماغ عن تصرفك، فيبث في عروقك نوعًا من النواقل العصبية المُحفزة يُسمى الدوبامين “Dopamine”، وهو ما يسبب لك الانتشاء والسعادة، يبعث لك الدماغ من خلال هذا الدوبامين رسالةً ضمنيةً فحواها: افعل ذلك مجددًا، ورق العنب رائع!
هنالك قرابة المائة نوعٍ من النواقل العصبية المُحفزة، أهمها الدوبامين، ولا يُفرز الدوبامين فقط إثر الانتصارات الفسيولوجية، بل والسيكولوجية أيضًا، تزداد ثقتك بنفسك عندما يُطري عليك مديرك فيكافئك الدماغ بالدوبامين، تشعرين بأنكِ مقبولةٌ بالرغم من كل انكساراتكِ عندما تحادثينه فيُفرز الدوبامين، تشعر أنك إنسان ذو قيمة عندما يُخبرك الناس أنك أثّرت في حياتهم فتغلي عروقك بالدوبامين أيضًا.
وعلى هذا، فإن الدوبامين ركيزةٌ أساسيةٌ في تشكيل رغباتنا، فالأشياء التي نصبو إلى الحصول عليها، والأفراد الذين نسعى لرفقتهم، هم أشباه لأشياء وأشخاص اختبرناهم في الماضي وعرفنا معهم جموح الدوبامين، ونحن نسعى في حقيقتنا إلى الظفر بهذه النشوة مجددًا.

الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية[2]

1 الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية [1] [1]   كفافي، د.علاء الدين ؛ الإرشاد والعلاج النفسي الأسري ، ط1/  2012  (121:1...