سمات الأسرة المُنفتحة
يُسمى النسق الأسري نسقاً (نظاماً) مُنفتحاً عندما يكون قادراً على التغيير وإعادة التشكيل خلقاً لحالات جديدة متوالية ، بينما يحافظ في نفس الوقت على الحدود التي تجعل منه نسقاً متميزاً ، ومن حيث إنه قادر على ادخار الطاقة (النفسية) وعدم تبديدها. والنسق المنفتح قادر على القيام بكلا النوعين من التغير، تغير الدرجة الأولى الذي يرتبط بتغيير المكونات الداخلية المنفصل عن أية تأثيرات خارجية ، وتغير الدرجة الثانية الذي يتم نتيجة ورود معلومات وبيانات جديدة من الخارج. والذي يحافظ على حالة الانفتاح في النسق هى القواعد المرنة التي تسمح للنسق أن يستفيد من المدخلات البيئية الجديدة لكي ينظم نفسه ويتكيف للضغوط التي يتعرض لها.
وأول الملامح التي يتميز بها النسق المنفتح من الأسر - بعكس ما يتميز به النسق المنغلق - هو الاتصال الخارجي. ففي مقابل العزلة والانكفاء على الداخل في النسق المنغلق يوجد الانفتاح على العالم الخارجي، ويصف "كاتنور و ليهر" هذا المناخ بقولهما أن هذه الأسر يستقبل عدداً كبيراً من الضيوف والزوار وتقوم بزيارات متعددة للأصدقاء. وأبوابها لا تغلق بالأقفال ، ولديها الرغبة في استكشاف المجتمع ، وهناك حرية في تبادل المعلومات مع وقود رقابة مرنة ورشيدة على وسائل و أساليب الاتصال ، وهو نسق لايستقبل الضيوف فقط ، بل إنه يشعرهم بقيمتهم لما يقدمونه للأسرة. ولا يوجد تشجيع على الانغلاق أو العزلة ، وأنما يُسمح فقط بالابتعاد المؤقت للتخفيف من شعور عدم الارتياح والذي يمكن أن ينتج من الاقتراب الشديد ... كل فرد حر في تحديد تحركاته نحو الأفراد الآخرين أو نحو الأهداف التي ينشدها ما دام يحركة داخل نطاق الخطوط الهادية التي تم ترسيخها عبر الإجماع الأسري. وباختصار فإن النسق الأسري المُنفتح يحافظ على التماسك الجماعي في الوقت الذي يحافظ فيه أيضاً على الحرية الفردية (Kantor & Lehr, 1975, 127).
وثاني الخصائص التي تميز النسق المنفتح من الأسر هي "المرونة" والتي تتمثل في سهولة الاتصال بالخارج والتفاعل معه. ونظراً لأنه مسموح لكل فرد في الأسرة بقدر أكبر من تعدد الأدوار واختلاف جوانبها ، فإنه يكون لدى الأسرة عدداً أكبر من بدائل المسالك والقنوات وأساليب السلوك لكي تحل محل تلك التي تفقد قيمتها أو يتجاوزها تيار الزمن والتطور وحتى مثل تلك الأحداث الكارثية أو العنيفة والقاسية مثل وفاة أحد أعضاء الأسرة أو الانفصال طويل المدى له لا يُسبب انهيار التكوين والبناء المرن للأسرة المنفتحة (Sieburg 1985, 27). ومع وجود ذلك القدر الأكبر من المحصلة equifinality فإنه يمكن توقع أن يكون لدى الأسرة المنفتحة قدر أكبر من الحيوية والقابلية للنمو من الأسر قليلة المرونة والأقرب إلى الانغلاق.
أما الخاصية الثالثة التي تميز النسق المنفتح من الأسر فهي الاتصالية Connectivity السوية. وهي القدرة على الاتصال الداخلي بين أفراد الأسرة بدون الافراط في الانغماس Over-involvement وبدون أن يقعوا في شبكة أو شرك الالتحام. وتستطيع الأسرة المنفتحة بترابطها مع بعضها البعض أن تتكيف وتتواءم مع الضغوط والمشكلات التي تقابلها ، وأن تمتص العواصف والرياح التي يمكن أن تقتلع العضو المفرد فيما لو واجهها وحده. وعلى النقيض من ذلك فإن الأسر التي لديها اتصالات داخلية ضعيفة بين أفرادها مثل الأسر المفككة disengaged قد تنكسر وتصبح شظايا متفرقة تحت وطأة الضغوط نظراً لأن أفرادها منفصلين بالفعل عن بعضهم البعض بواسطة حدودها الداخلية السميكة. إن مثل هذه الأسر الأخيرة قد لا تتعلم أبداَ أن تحل مشكلاتها بصورة جماعية أو أن يتعاملوا مع بعضهم البعض بتفهم وتعاطف ؛ ولأن كل فرد منفصل عن الآخر فإنه يجب أن يتكيف ويتواءم مع مشكله بطريقته المنعزلة ، وغالياً ما لا ينجح في ذلك. وتظل الأسرة ذات الاتصالات المفككة معرضة لضغوط مختلفة ولا تجد حلولاً كفئة لذلك ، بل قد تجد بدلا من ذلك بعض الروح العدائية بين أفرادها ، بفعل الإحباطات المستمرة وغياب التعاون والتفاهم.
ونظراً لأن مثل هذه الأسرة المفككة تفتقر إلى البنائية فإنها تصبح غير قادرة على أداء وظائفها بصورة ملائمة ومنسجمة. ويجب أن نفرق هنا بين المعية togetherness التي تميز الأسرة الواقعة في شرك الالتحام وبين الاحساس القوي بالاتصال والترابط الصحي ؛ لأن الأفراد في الحالة الأولى لديهم نقص في الاستقلالية والتباين، والتمايز بينهم عند حده الأدنى ، أما أفراد الاتصال الصحي فلهم شخصياتهم المستقلة وكياناتهم المتميزة.
ولا تستطيع الأسرة الواقعة في شرك الالتحام في ظل وجود الظروف الضاغطة أن تتصل وتترابط مع بعضها البعض بطريقة صحيحة ، ولكنها قد تشكل تحالفات داخلية تؤدي إلى تمزق الأسرة وإلى انقسامها إلى ائتلافات أو تحالفات عدائية مثل الصغير ضد الكبير ، والذكور ضد الإناث. وقد لاحظ "ناثان اكرمان" أن الأسرة الجامدة الواقعة في شرك الالتحام تميل بصفة خاصة إلى الانقسام إلى كسور كمقدمة لاختيار أحد أعضاء الأسرة ليكون "كبش فداء" (Scapegoat).
وعلى الرغم من أن الأسرة تضحي بهذا العضو الذي اختارته ككبش فداء لها، وأن هذا الاختيار يحطم الفرد ويهلكه فإن كثير من الباحثين يرون أن الفرد الذي اختير ككبش فداء ليس اختيارا صرفاً من الأسرة ، بل إن هذا الفرد لديه استعداد وميل للقيام بهذا الدور (كفافي ، 1989 ، 1997). وعلى أية حال فإن الأسرة باختيارها أحد الأفراد ككبش فداء لها قد وجدت طريقاً للتعامل مع الضغوط التي تقابلها بدون أن تتعرض الأسرة للتفتت والتحول إلى شظايا.
المرجع:
كفافي،د.علاء الدين؛ الإرشاد والعلاج النفسي الأسري - ط1/ 2012 - دارالفكر العربي.
يُسمى النسق الأسري نسقاً (نظاماً) مُنفتحاً عندما يكون قادراً على التغيير وإعادة التشكيل خلقاً لحالات جديدة متوالية ، بينما يحافظ في نفس الوقت على الحدود التي تجعل منه نسقاً متميزاً ، ومن حيث إنه قادر على ادخار الطاقة (النفسية) وعدم تبديدها. والنسق المنفتح قادر على القيام بكلا النوعين من التغير، تغير الدرجة الأولى الذي يرتبط بتغيير المكونات الداخلية المنفصل عن أية تأثيرات خارجية ، وتغير الدرجة الثانية الذي يتم نتيجة ورود معلومات وبيانات جديدة من الخارج. والذي يحافظ على حالة الانفتاح في النسق هى القواعد المرنة التي تسمح للنسق أن يستفيد من المدخلات البيئية الجديدة لكي ينظم نفسه ويتكيف للضغوط التي يتعرض لها.
وأول الملامح التي يتميز بها النسق المنفتح من الأسر - بعكس ما يتميز به النسق المنغلق - هو الاتصال الخارجي. ففي مقابل العزلة والانكفاء على الداخل في النسق المنغلق يوجد الانفتاح على العالم الخارجي، ويصف "كاتنور و ليهر" هذا المناخ بقولهما أن هذه الأسر يستقبل عدداً كبيراً من الضيوف والزوار وتقوم بزيارات متعددة للأصدقاء. وأبوابها لا تغلق بالأقفال ، ولديها الرغبة في استكشاف المجتمع ، وهناك حرية في تبادل المعلومات مع وقود رقابة مرنة ورشيدة على وسائل و أساليب الاتصال ، وهو نسق لايستقبل الضيوف فقط ، بل إنه يشعرهم بقيمتهم لما يقدمونه للأسرة. ولا يوجد تشجيع على الانغلاق أو العزلة ، وأنما يُسمح فقط بالابتعاد المؤقت للتخفيف من شعور عدم الارتياح والذي يمكن أن ينتج من الاقتراب الشديد ... كل فرد حر في تحديد تحركاته نحو الأفراد الآخرين أو نحو الأهداف التي ينشدها ما دام يحركة داخل نطاق الخطوط الهادية التي تم ترسيخها عبر الإجماع الأسري. وباختصار فإن النسق الأسري المُنفتح يحافظ على التماسك الجماعي في الوقت الذي يحافظ فيه أيضاً على الحرية الفردية (Kantor & Lehr, 1975, 127).
وثاني الخصائص التي تميز النسق المنفتح من الأسر هي "المرونة" والتي تتمثل في سهولة الاتصال بالخارج والتفاعل معه. ونظراً لأنه مسموح لكل فرد في الأسرة بقدر أكبر من تعدد الأدوار واختلاف جوانبها ، فإنه يكون لدى الأسرة عدداً أكبر من بدائل المسالك والقنوات وأساليب السلوك لكي تحل محل تلك التي تفقد قيمتها أو يتجاوزها تيار الزمن والتطور وحتى مثل تلك الأحداث الكارثية أو العنيفة والقاسية مثل وفاة أحد أعضاء الأسرة أو الانفصال طويل المدى له لا يُسبب انهيار التكوين والبناء المرن للأسرة المنفتحة (Sieburg 1985, 27). ومع وجود ذلك القدر الأكبر من المحصلة equifinality فإنه يمكن توقع أن يكون لدى الأسرة المنفتحة قدر أكبر من الحيوية والقابلية للنمو من الأسر قليلة المرونة والأقرب إلى الانغلاق.
أما الخاصية الثالثة التي تميز النسق المنفتح من الأسر فهي الاتصالية Connectivity السوية. وهي القدرة على الاتصال الداخلي بين أفراد الأسرة بدون الافراط في الانغماس Over-involvement وبدون أن يقعوا في شبكة أو شرك الالتحام. وتستطيع الأسرة المنفتحة بترابطها مع بعضها البعض أن تتكيف وتتواءم مع الضغوط والمشكلات التي تقابلها ، وأن تمتص العواصف والرياح التي يمكن أن تقتلع العضو المفرد فيما لو واجهها وحده. وعلى النقيض من ذلك فإن الأسر التي لديها اتصالات داخلية ضعيفة بين أفرادها مثل الأسر المفككة disengaged قد تنكسر وتصبح شظايا متفرقة تحت وطأة الضغوط نظراً لأن أفرادها منفصلين بالفعل عن بعضهم البعض بواسطة حدودها الداخلية السميكة. إن مثل هذه الأسر الأخيرة قد لا تتعلم أبداَ أن تحل مشكلاتها بصورة جماعية أو أن يتعاملوا مع بعضهم البعض بتفهم وتعاطف ؛ ولأن كل فرد منفصل عن الآخر فإنه يجب أن يتكيف ويتواءم مع مشكله بطريقته المنعزلة ، وغالياً ما لا ينجح في ذلك. وتظل الأسرة ذات الاتصالات المفككة معرضة لضغوط مختلفة ولا تجد حلولاً كفئة لذلك ، بل قد تجد بدلا من ذلك بعض الروح العدائية بين أفرادها ، بفعل الإحباطات المستمرة وغياب التعاون والتفاهم.
ونظراً لأن مثل هذه الأسرة المفككة تفتقر إلى البنائية فإنها تصبح غير قادرة على أداء وظائفها بصورة ملائمة ومنسجمة. ويجب أن نفرق هنا بين المعية togetherness التي تميز الأسرة الواقعة في شرك الالتحام وبين الاحساس القوي بالاتصال والترابط الصحي ؛ لأن الأفراد في الحالة الأولى لديهم نقص في الاستقلالية والتباين، والتمايز بينهم عند حده الأدنى ، أما أفراد الاتصال الصحي فلهم شخصياتهم المستقلة وكياناتهم المتميزة.
ولا تستطيع الأسرة الواقعة في شرك الالتحام في ظل وجود الظروف الضاغطة أن تتصل وتترابط مع بعضها البعض بطريقة صحيحة ، ولكنها قد تشكل تحالفات داخلية تؤدي إلى تمزق الأسرة وإلى انقسامها إلى ائتلافات أو تحالفات عدائية مثل الصغير ضد الكبير ، والذكور ضد الإناث. وقد لاحظ "ناثان اكرمان" أن الأسرة الجامدة الواقعة في شرك الالتحام تميل بصفة خاصة إلى الانقسام إلى كسور كمقدمة لاختيار أحد أعضاء الأسرة ليكون "كبش فداء" (Scapegoat).
وعلى الرغم من أن الأسرة تضحي بهذا العضو الذي اختارته ككبش فداء لها، وأن هذا الاختيار يحطم الفرد ويهلكه فإن كثير من الباحثين يرون أن الفرد الذي اختير ككبش فداء ليس اختيارا صرفاً من الأسرة ، بل إن هذا الفرد لديه استعداد وميل للقيام بهذا الدور (كفافي ، 1989 ، 1997). وعلى أية حال فإن الأسرة باختيارها أحد الأفراد ككبش فداء لها قد وجدت طريقاً للتعامل مع الضغوط التي تقابلها بدون أن تتعرض الأسرة للتفتت والتحول إلى شظايا.
المرجع:
كفافي،د.علاء الدين؛ الإرشاد والعلاج النفسي الأسري - ط1/ 2012 - دارالفكر العربي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق