الأربعاء، 26 يونيو 2019

الفراغ الوجودي ومرضى اضطراب الشخصية الحدية Borderline Personality Disorder

إن الفراغ الوجودي existential vacuum  هو المطلح الذي أطلقه فيكتور فرانكل على فقدان الفرد للشعور بأن حياته ذات معنى. والفراغ الوجودي ظاهرة واسعة الانتشار في القرن العشرين - والواحد والعشرين - . ويكشف هذا الفراغ عن نفسه في حالة الملل. الملل مو آيةُ (علامة) الفراغ الوجودي. فالفراغ هنا فراغٌ من المعنى وليس فراغاً من المشاغل والتلهيات.

ومن المتوقع أن تتفاقم مشكلةُ الفراغ هذه بدرجة خطيرة على مر الأيام نتيجة التقدم الآلى والتكنولوجي الذي من شأنه أن يطرح فائضاً وقتياً رهيباً في حياة الشخص العادي. ولنا أن نتوقع أعداداً هائلة من البشر لا يعرفون ماذا يفعلون بكل هذا الوقت.

من تمثلات هذا الفراغ الوجودي حالةٌ تُعرف باسم (عُصاب يوم الأحد) Sunday Neurosis  أي عُصاب يوم العطلة الأسبوعية {ولنا أن نسميه في الشرق العربي عُصاب الجمعة} . وهو نوع من الاكتئاب والكرب يُصيب الأشخاص الذين يصيرون واعين بما يَنْقُص حياتهم من مضمون حينما ينحسر اندفاع الأسبوع المزدحم بالمشاغل، ويصبح الفراغُ بداخل نفوسهم جلياً مُدَوياً . يَعرِف هذا اللون من العُصاب كل معالج ممارس ، ويراه في صورته الصارخة عند مرضى اضطراب الشخصية البينية (الحدية) BPD وهم النماذج المثلى للفراغ الوجودي ، إذ تزداد عليهم وطأة الفراغ الذاخلي يوم العطلة الأسبوعية ويتعرضون للانتكاس والتناثر ، وكثيراً ما يتلفنون (أي يتصلون بالتليفون) المعالج متشبثين به مستغيثين من هَولِ الوحدة وعضة الفراغ.

مدخل إلى العلاج النفسي الوجودي - رولو ماي و إرفين يالوم

ما هي الحياة الصالحة من وجهة نظر العلاج النفسي الوجودي ؟

إن ذاتية الإنسان لَتُنتَهَك منذ هو في المهد وتُلجِئُهُ إلى خداع النفس. والانتهاك Violation هو كل موقف تتعرض فيه رؤية المرء الشخصية للقمع والتسفيه والحظر والمصادرة ، ويتعرض فيه تكامُلُه الداخلي للخطر والتفسخ ، ويطر فيه اضطراراً إلى تبني وجهة نظر "الآخر" والانصياع لفكرِه . وهو في أغلب الأحوال فكرٌ قائم على الهوى الشخصي لهذا "الآخر" الذي يأبى أن يرد فكره إلى مجرد هوى شخصي ، بل يريد أن يفرضه على المرء بالقهر والإرهاب.

كثيراً ما يضطر المرء ، لحرصه على إرضاء الآخرين ومعايشتهم وإيثاراً للسلامة والعيش الرخِيَ ، أن يُغْضِي عن هذا الانتهاك وينفيه من ساحة الشعور ويبقى مُستَلَباً مُعَمَّي عن ذاته الحقيقية ويتبنى التقِيَّة والكتمان والكبت والمسايرة كأسلوب حياة. وترى الوجودية أن الصحة النفسية هي على النقيض التام من ذلك. فالوجود الأصيل authentic being يهتف بالمرء أن يكون شُجاعاً صريحاً يعبر بوضوح وبملء فيه عما يريد وأن يكون نفسَه في كل موقف.

وهل تكون ماهيةُ الواقع سوى هذا الصدق والوضوح والخصوصية؟ وهل تكون حياةُ التعامي والانتهاك والتقية سوى الزيف والوهم واللاواقع ؟ إن المريض في المشهد العلاجي مدعو إلى أن يُفْضي بذات نفسه ويعلن عنها بجسارة ويستكشفها بعمق ويعيها بوضوح . والكبت repression  والانتهاك violation. وهو بذلك يعيد الرابطة المفقودة بين رغباته وأفعاله ومصائره. وهي رابطة لا غنى عنها لتكامل الشخصية ووحدتها وحيويتها وتطورها.

إن الحياة الصالحة هي تلك الحياة التي لا يتم فيها خَنْقُ أي جانب من الشخصية أو التضحية به لحساب جانب آخر ، بل تجد فيه كل أجزاء الكائن مُتَّسعاً للنمو. ولا مُتَّسعَ ولا نمو إلا بثمن على المرء أن يدفعه من راحتِه وأمانه ومن رضا الآخرين.

مدخل إلى العلاج النفسي الوجودي - رولو ماي و إرفين يالوم - ط1/ 2015 - رؤية للنشر والتوزيع

الثلاثاء، 25 يونيو 2019

الأخصائي النفسي ، والطفل الرضيع ، والمطرقة : لا تُجرِب هذا في المنزل!

كلن هُناك طالبة خريجة جميلة تحمل طفلاً رضيعاً ، عندما كان أحد الأخصائيين المتميزين المطرقة .
لوحت بيدها ببُطء في الهواء لتجذب انتباه الطفل الرضيع ، لكي ينظُر إليها ، ولا يُدير رأسه لينظر فوقه أو خلفه.
ونظراً لحيرة الطفل ، فلم يلاحظ القضيب الصلب الذي يبلغ طوله أربعة أقدام ، وسُمكَهُ 3/4 بوصة ، مُتدلٍ من السقف.
ولم يرى الرجل الذي يرفع المطرقة وبشدة طرق بها القضيب المعدني.
وينص الكلام المتداول في بحوثهم " على أن الطفل بدا عنيفاً ، وتم فحص تنفسه ورفع ذراعيه " . وعندما طرق عالم النفس القضيب المعدني مرة أخرى ، نجد أن شفتي الطفل تجعدت وارتعشت وانفجر في بكاء مفاجيء (Watson, Rayner, 1920, p.2).

هل خمنت أو فكرت من هؤلاء الناس وماذا يفعلون ؟ لقد أصبح ذلك الطفل الذي خضع لهذه التجربة معروفاً و مشهوراً ، وهو الطفل الرضيع ألبرت Little Albert  أكثر المشهورين في تاريخ علم النفس ، وكان عالم النفس الوسيم الذي يبلغ من العمر 42 عاماً هو "جون واطسون" John B. Watson ، مؤسس مدرسة الفكر التي تُسمى بالسلوكية. ومساعدته هي رينر R. Rayner التي تبلغ من العمر 21 عاماً ، وهي طالبة خريجة ، سافرت بسيارتها Stuts Bearcat إلى حرم جامعة "جونز هوبكز" ، وكانت أغلى سيارة سباق في ذلك الوقت. وغيرا معاً علم النفس ، وبهذه العملية أنهيا المسار الأكاديمي للعبقري واطسون.

كان ألبرت - الطفل الرضيع - غير معروف ، عندما كان عمره 8 شهور و 26 يوماً ، عندما طرقَت المطرقة القضيب المعدني خلف رأسه . فهو طفل سعيد يتمتع بصحة جيدة ، اختاره "واطسون" بدقة ليكون موضوع بحثه ، لأنه يبدو أنه مُستقر انفعالياً ولا يُستثار بسهولة.

وقبل شهرين من أن يُفاجأ بضربات المطرقة - أي قبل أجراء التجربة - كان ألبرت يُطهر تنوعاً من المثيرات ، التي تشمل الفأر الأبيض ، والأرنب ، والكلب ، والقرد ، والصحف المحترقة ، وتشكيلة من الأقنعة . ولم يُظهر أي خوف تجاه تلك الأشياء . وفي الواقع لم تلاحظ أم ألبرت ولا أي فرد آخر أن الطفل أظهر خوفاً من أي نوع في أي موقف - حتى ذلك اليوم الذي دخل فيه المعمل.

وبعد أن طرق "واطسون" القضيب المعدني في البداية ، خاف ألبرت لأول مرة في حياته. وهذا أعطى واطسون استجابة انفعالية غير مشروطة عمل عليها. فكان يُريد أن يكشف ما إذا كان يستطيع أن يتسبب في استجابة انفعالية مشروطة - كخوفه من الفأر الأبيض الذي لم يخف منه من قبل ، عن طريق مصاحبة رؤية الفأر بضوضاء عالية مُخيفة. وبعد سبع محاولات أظهر الطفل خوفه في كل مرة يرى فيها الفأر ، حتى ولو لم يطرق القضيب خلفه.

أسس "واطسون" و "رينر" ، استجابة الخوف تجاه شيء محايد ، وقاما بذلك بسهولة وبفاعلية. وأوضحا أن استجابة الخوف لألبرت يمكن تعميمها على الكائنات البيضاء الخرى ذات الفروة مثل: الأرنب ، والكلب، والبالطو ذي الفرو ، والقناع.

وتوصل "واطسون" إلى أن مخاوف الكبار ، وأشكال القلق ، والمخاوف يجب أن تكون استجابات انفعالية مشروطة ، والتي تكونت في الطفولة وظلت معنا طوال حياتنا.

تاريخ علم النفس الحديث - داون شولتز ؛ سيدني إلن شولتز - المركز القومي للترجمة - ط1 / 2017

الاثنين، 24 يونيو 2019

هل يُطبق المعالجون المعرفيون السلوكيون العلاج المعرفي السلوكي على أنفسهم عندما يواجهون المشاكلات ، سواء داخل العلاج أم خارجه ؟

إيها المُعالِج مارس ما تدعو إيه
هل يُطبق المعالجون المعرفيون السلوكيون العلاج المعرفي السلوكي على أنفسهم عندما يواجهون المشكلات ، سواء داخل العلاج أم خارجه ؟ 
ليس دائماً ، كم يؤيد البعض أسطورة المُعالج غير المُضطرب (Adams, 2014) ، توضح لنا خبرتنا في التدريب والإشراف على المُعالجين ، أن بعض المعالجين يظنون أن العلاج المعرفي السلوكي يُقدَّم للمرضى ، ولا يُطبَّق على أنفسهم ، وأن الآلية المعرفية السلوكية تهدف إلى علاج مشكلات الآخرين ، وليس مشكلات المُعالجين أنفسهم ، ويُعدُّ هذا التوجه مؤسفاً ، لأنه يؤدي بهؤلاء المعالجين إلى ممارسة العلاج المعرفي السلوكي دون اقتناع حقيقي به ، و لايقدرون الصعوبات التي يواجهها مرضاهم في تنفيذ مهارات العلاج المعرفي السلوكي في حياتهم اليومية ( ومن المرجح أن يروا مرضاهم  ’’مقاومين للعلاج’’ إذا توقف التقدم في العلاج) ويفعلون ما هو ضروري لكي يُنظر إليهم على أنهم متخصصون محترفون (مثل التدريب الإضافي ، وحضور ورش العمل، والخضوع للإشراف المنتظم) ولكنهم يفتقرون إلى العنصر التجريبي لاستخدامه على أنفسهم ، وعلاوة على ذلك ، إذا ذهب بعض هؤلاء المعالجين في نهاية المطاف طلباً للعلاج النفسي ، فمن المرجح أن يختاروا منهجاً مُختلفاً في العلاج النفسي ، مثل العلاج النفسي الدينامي  Psycho-dynamic Therapy  (( أعرف كل شيء عن العلاج المعرفي السلوكي )) وأفعل ذلك كل يوم ، وأريد أن أجرب شيئاً جديداً ومختلفاً لنفسي ، وسوف نقدم ثلاث ملاحظات على هذا الرد:
1- إنه شخص مُتسرع يدعي أنه ((يعرفكل شيء عن العلاج المعرفي السلوكي)) ونحن نشك أن "أرون بك" ، مؤسس العلاج المعرفي السلوكي يستطيع ادعاء ذلك ، لأنه قد حدد بعض المجالات في العلاج المعرفي السلوكي التي تحتاج إلى البحث مستقبلاً (Beck and Dozois, 2011) ومن واقع خبرتنا ، فإن أولئك الذين يزعمون أنهم يعرفون كل شيء عن العلاج المعرفي السلوكي لم يدركوا بعد مدى اتساع وعمق هذا المنحى ، ومن ثم يعتقدون أن مشكلاتهم لايمكن احتواؤها من خلال هذا النموذج ، ومع الأسف هناك عدد قليل من المعالجين يشاركون في تحريف العلاج المعرفي السلوكي ، وعلى سبيل المثال ، أن يشير هؤلاء إلى أن العلاج المعرفي السلوكي في الأساس هو استبدال التفكير السلبي بالتفكير الإيجابي .. ، وربما هذه هي الطريقة التي يمارسون بها العلاج على مر السنين ، ووفقاً لهذه الوجهة من النظر ، فإن المُعالج سوف يمارس العلاج المعرفي السلوكي بطريقة آلية ، وربما لايكتسب مزيداً من المعلومات حول هذا المنحى عند نهاية حياته المهنية ، أكثر مما كان عليه في البداية.
2- إن تجربة "شيء جديد ومختلف لنفسي" يعني تلقي العلاج المعرفي السلوكي كمريض ، وليس كمعالج ، ويشير "بادسكي" Padesky إلى أن " العملية النهائية {بعد التدريب والأشراف} التي تعزز كفاءة المعالجين المعرفيين السلوكيين هي المشاركة في العلاج المعرفي السلوكي كمريض ، وذلك من أجل فهم كامل للعملية العلاجية ، ولا يوجد بديل لاستخدام العلاج المعرفي السلوكي على أنفسنا (288: 1996) ، وقد يجد بعض المعالجين مناحي أخرى بديلاً أفضل.
3- إن ممارسة العلاج المعرفي السلوكي مع المرضى ، واستخدام منحى آخر عند معالجة المشكلات الشخصية ، يوحي بوجود انشقاق بين العقل والقلب: حيث يستجيب العقل للمنحى المعرفي السلوكي الاقائم على الأدلة التجريبية ، والمشاركة النشطة ، ومحدد الوقت ، والذي يتعامل مع عدد هائل من الحالات ، بينما يتوق القلب لاستكشاف منحى غير مقيد ، ومجرد من كل أشكال المقاييس ، وجداول الأعمال ، وأهداف الجلسات العلاجية ، والواجبات المنزلية "حيث يمكنني أن أكون نفسي، وأتجول أينما أريد، عندما أريد" كما قال لنا بعض المعالجين ، وعلى الرغم من أن هؤلاء المعالجين قد يكونوا ماهرين في ممارستهم للعلاج المعرفي السلوكي ، فإنهم يقدمون شخصية زائفة إلى مرضاهم ، لأنهم إذا سألوا من قبل مرضاهم ، هل تطبقون العلاج المعرفي السلوكي على أنفسكم ، سوف تكون الإجابة لا ، ومن خلال فحص وإعادة تشكيل معارفهم المختلة ، يظل المعالجون متسقين مع ما يقولونه في الأماكن العامة ، ويفعلونه مع أنفسهم ، ومن ثم يطبقونه مع مرضاهم.
إذا اختار المعالج المعرفي السلوكي أن يلجأ إلى أحد المتخصصين في العلاج المعرفي السلوكي ، فمن الأفضل ألا يختار زميلاً له ، وذلك للأسباب الآتية: قد تمنع درجة المودة بينهما إفصاح المريض عن كل ما يجول بخاطره "هل أريد حقاً أن يعرف ذلك عني؟" وقد يحدث الرضا عندما يناقش خبيران في العلاج المعرفي السلوكي حالة المريض ، كما لو كان إشرافاً مشتركاً طارئاً تبعاً لحاجة المريض ، بينما يحدث التوتر عندما يضع المريض المعالج تحت الملاحظة ، لمعرفة مدى كفائته ، ويسعى المعالج إلى إقناع زميله بمهارته ، والنتيجة عدم جدوى العلاج ، ويتضح ذلك من خلال توتر علاقتهما بعد العلاج، ويمكن الشعور بذلك داخل القسم الذي يعملان به.
نجد من خلال خبراتنا أن بعض المعالجين المعرفيين السلوكيين ، الذين يلجؤون إلى العلاج المعرفي السلوكي يقللون من فاعلية الإجراءات نفسها التي استخدموها بنجاح مع مرضاهم ، من أجل إثبات أن مشكلاتهم معقدة جداً بالنسبة إلى العلاج المعرفي السلوكي ، ويستخدمون مصطلحات العلاج المعرفي السلوكي بكثرة ، في محاولة لإثارة إعجاب المعالج بدون إبداء أي قناعات بما يقولونه ، أو يبدون بعض الحيرة بشأن كيفية تطبيق العلاج المعرفي السلوكي على أنفسهم.
درايدن، ويندي ؛ نينا، مايكل -العلاج المعرفي السلوكي - مكتبة الانجلو المصرية - ط1/ 2019

الأحد، 23 يونيو 2019

لم أرى دماً احمر ؟

قصة حقيقية
.. في ذلك اليوم كُنت أجلس أصمم بيني وبين نفسي على غلق عيادتي الطبية حين دخلَت هذه الفتاة . شدتني إلى عينيها نظرة غريبة مذعورة تبحث بلهفة في عيني عن النجدة ، وبمرور السنين نسيت ملامح الفتاة تماماً لكن هذه النظرة في عينيها إنحفرت في ذهني وأصبحت جزاءاً مني.
لم تكن وحدها . كان معها رجل قال بصوت غليظ منفعل: 
- أرجو يا دكتورة أن تفحصيها.
ووجهت سؤالي إلى الفتاة قائلة: بما شكين؟ ولكنها أطرقت ولم ترد. وقال الرجل بصوت أكثر غلظة وانفعال أشد: تزوجنا بالأمس واكتشفت أنها ليست عذراء.
وسألته: وكيف اكتشفت ذلك ؟
وقال بغضب : هذا شئ معروف لم أرى دماً أحمر!
وحاولت الفتاة أن تفتح فمها لتقول شيئاً. لكنه قاطعها قائلاً:
- إنها تدعي أنها بريئة ولهذا جئت إليك لتفحصيها.
واتضح لي بعد الفحص أن الزوجة تملك غشاء بكارة وانه سليم تماماً ، ولكنه من ذلك الذي يُسمى في الطب بالنوع "المطاط" يتسع ويضيق بمرونة دون أن يتمزق ودون أن تسيل منه قطرة دم واحدة.
وشرحت الأمر للزوج بدقة ، وكان رجلاً مُتعلماً سافر إلى الخارج في بعثة. وخُيلَ إليَّ أنه اقتنع ، وتنهدت العروس كأنها تتنفس لأول مرة بعد طول اختناق.
لكن الأمر لم يكن بهذه البساطة . بعد أيام قليلة جاءتني الفتاة وحدها . لم يكن وجهها وجه فتاة الثامنة عشر التي رأيتها منذ أيام وإنما وجه امرأة عجوز شاخت قبل الأوان ورسم الحزن و الألم على وجهها تعبيراً غريباً أشبه بوجوه الموتى التي رأيتها كثيراً في ظل مهنة الطب.
وقالت بصوت مشروخ: طلقني وكادت تكون فضيحة لولا أن أبي تكتم الأمر.
وسألتها: وهل يفهم أبوك ؟
وهزت رأسها بالنفي وكست عينيها الذبلتين سحابة أوحت بدموع سالت وجفت حتى نضجت تماماً.
وقالت: لا أحد يعرف براءتي إلا أنت يا دكتورة . وأنا الآن أعيش في خوف من انتقام أبي وأخي.
ذهبت معها إلى أبيها وشرحت له الأمر. قلت له أن أبنته عذراء ، وأن غشاء البكارة من النوع المطاط الذي لايتمزق إلا عند ولادة أول طفل.
ودُهش الأب حين سمع هذه الحقيقة العلمية وضرب كفاً على كف وقال في غضب: هذا يعني أن ابنتي اتظلمت.
قلت: نعم.
قال: ومن المسؤول عن هذا الظلم؟
قلت: أنتم ... زوجها وأهلها !
قال بغضب: بل أنتم المسؤولون يا أطباء ! لأنكم تعرفون هذه الحقائق وتخفونها عن الناس ، ولولا هذه الحادثة التي حدثت لإبنتي بالصدفة لما عرفت شيئاً . لماذا لاتشرحون هذه الأمور لكل الناس.
انه واجبكم الاول حتى لا تُطلم مثل هؤلاء الفتيات البريئات.

د. نوال السعداوي - من كتاب المرأة والجنس - مكتبة مدبولي بالقاهرة - طبعة2 - 2006

الأربعاء، 19 يونيو 2019

ما هو الإرشاد الأسري وأهدافه ؟

الإرشاد الأسري: هو عملية مُساعدة مدروسة يُقدمها مُرشد (مشير) أسري متخصص في استخدام أسس الإرشاد (المشورة) وفنياته لمساعدة الأفراد والأسر في شكل إنفرادي أو جماعي ، لحل المشكلات وتحقيق الأستقرار والتوافق والتكيف الأسري ويتضح من هذا أن الإرشاد (المشورة) الأسري ليس مجرد إعطاء نصائح لحل مشكلة ما ، بل هو أسلوب علمي يسير وفق أهداف وخطط مرسومة ومحددة لتخليص (مساعدة) الفرد والأسرة من المتاعب والمشاكل التي يعيشونها ، مع تكوين أتجاهات عقلية خالصة تساعدهم على التخلص من الاتجاهات الانفعالية التي تعوق تفكيرهم أو تمكنهم للحد منها ، لذا ليس من الأخلاقيات أن يهب كل من شاء لممارسة الإرشاد الأسري.

أهداف ممارسة الإرشاد الأسري: 

  1. المحافظة على الصحة النفسية للأسرة وأعضائها.
  2. إحداث تغييرات إيجابية في الأفكار والمعتقدات والسلوكيات الخاطئة لدى أعضاء الأسرة.
  3. مساعدة الأسرة وأعضائها على حل المشكلات واتخاذ القرارات وتحقيق الوعي في التعامل الأمثل مع ضغوطات الحياة المختلفة.
  4. تحقيق الذات مع تكوين مفهوم إيجابي عن الذات لدى أعضاء الأسرة ، ثم تكوين اتحاد ذاتي للأسرة ككيان واحد مترابط.
  5. تنمية التواصل والتفاعل الإيجابي بين أعضاء الأسرة وتحقيق التكيف الاجتماعي للأسرة ككل.

الثلاثاء، 18 يونيو 2019

المشكلات الزوجية وتأثيرها

إن الخلافت الزوجية مع استمرارها تضرب بنيان الأسرة واستقرارها كله ؛ ليس من يناله الاضطراب الزوج والزوجة فقط بل الأولاد أيضاً وهنا تكمن الخطورة. فالخلافات الزوجية تساعد على تنشئة جيل من الأطفال مُضطربين نفسياً حتى لو تم توفير كل سبل الراحة المادية والترفهية لهم.
فلنأخذ مثل ؛ قد يلجأ أحد الزوجين - إو كلاهما - إلى تعويض النقص العاطفي والتنفيس عن نفسه من خلال إثبات الذات في مجال العمل ، وتكثيف العلاقات الاجتماعية خارج المنزل ، والسعي نحو مركز اجتماعي مرموق ، أو إشغال الوقت بأعباء كثيرة من الأعمال والزيارات والنشاطات - حتى لو كانت نشاطات خيرية - وغيرها.
فإن السلوك التعويضي المشار إليه بأعلى إذا قام به أحد الزوجين أو كلاهما ، يُعَد هروباً من المنزل لتفادي المشاكل والخلافات ، ولكنه ينعكس سلباً على العلاقة الزوجية . فالمشكلة ما زالت قائمة وهذا التصرف (بالهروب التعويضي) لم يحلها لكنه عمل على طول مدة الشكل الظاهري للعلاقة الزوجية - ولكنه كبركان يحتمل انفجاره في أي وقت - وأجلاً أم عاجلاً ستنفجر النزاعات بشكل مؤذٍ قد يؤدي إلى تحطيم كيان الأسرة والرابطة الزوجية.

الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية[2]

1 الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية [1] [1]   كفافي، د.علاء الدين ؛ الإرشاد والعلاج النفسي الأسري ، ط1/  2012  (121:1...