الأحد، 23 يونيو 2019

لم أرى دماً احمر ؟

قصة حقيقية
.. في ذلك اليوم كُنت أجلس أصمم بيني وبين نفسي على غلق عيادتي الطبية حين دخلَت هذه الفتاة . شدتني إلى عينيها نظرة غريبة مذعورة تبحث بلهفة في عيني عن النجدة ، وبمرور السنين نسيت ملامح الفتاة تماماً لكن هذه النظرة في عينيها إنحفرت في ذهني وأصبحت جزاءاً مني.
لم تكن وحدها . كان معها رجل قال بصوت غليظ منفعل: 
- أرجو يا دكتورة أن تفحصيها.
ووجهت سؤالي إلى الفتاة قائلة: بما شكين؟ ولكنها أطرقت ولم ترد. وقال الرجل بصوت أكثر غلظة وانفعال أشد: تزوجنا بالأمس واكتشفت أنها ليست عذراء.
وسألته: وكيف اكتشفت ذلك ؟
وقال بغضب : هذا شئ معروف لم أرى دماً أحمر!
وحاولت الفتاة أن تفتح فمها لتقول شيئاً. لكنه قاطعها قائلاً:
- إنها تدعي أنها بريئة ولهذا جئت إليك لتفحصيها.
واتضح لي بعد الفحص أن الزوجة تملك غشاء بكارة وانه سليم تماماً ، ولكنه من ذلك الذي يُسمى في الطب بالنوع "المطاط" يتسع ويضيق بمرونة دون أن يتمزق ودون أن تسيل منه قطرة دم واحدة.
وشرحت الأمر للزوج بدقة ، وكان رجلاً مُتعلماً سافر إلى الخارج في بعثة. وخُيلَ إليَّ أنه اقتنع ، وتنهدت العروس كأنها تتنفس لأول مرة بعد طول اختناق.
لكن الأمر لم يكن بهذه البساطة . بعد أيام قليلة جاءتني الفتاة وحدها . لم يكن وجهها وجه فتاة الثامنة عشر التي رأيتها منذ أيام وإنما وجه امرأة عجوز شاخت قبل الأوان ورسم الحزن و الألم على وجهها تعبيراً غريباً أشبه بوجوه الموتى التي رأيتها كثيراً في ظل مهنة الطب.
وقالت بصوت مشروخ: طلقني وكادت تكون فضيحة لولا أن أبي تكتم الأمر.
وسألتها: وهل يفهم أبوك ؟
وهزت رأسها بالنفي وكست عينيها الذبلتين سحابة أوحت بدموع سالت وجفت حتى نضجت تماماً.
وقالت: لا أحد يعرف براءتي إلا أنت يا دكتورة . وأنا الآن أعيش في خوف من انتقام أبي وأخي.
ذهبت معها إلى أبيها وشرحت له الأمر. قلت له أن أبنته عذراء ، وأن غشاء البكارة من النوع المطاط الذي لايتمزق إلا عند ولادة أول طفل.
ودُهش الأب حين سمع هذه الحقيقة العلمية وضرب كفاً على كف وقال في غضب: هذا يعني أن ابنتي اتظلمت.
قلت: نعم.
قال: ومن المسؤول عن هذا الظلم؟
قلت: أنتم ... زوجها وأهلها !
قال بغضب: بل أنتم المسؤولون يا أطباء ! لأنكم تعرفون هذه الحقائق وتخفونها عن الناس ، ولولا هذه الحادثة التي حدثت لإبنتي بالصدفة لما عرفت شيئاً . لماذا لاتشرحون هذه الأمور لكل الناس.
انه واجبكم الاول حتى لا تُطلم مثل هؤلاء الفتيات البريئات.

د. نوال السعداوي - من كتاب المرأة والجنس - مكتبة مدبولي بالقاهرة - طبعة2 - 2006

الأربعاء، 19 يونيو 2019

ما هو الإرشاد الأسري وأهدافه ؟

الإرشاد الأسري: هو عملية مُساعدة مدروسة يُقدمها مُرشد (مشير) أسري متخصص في استخدام أسس الإرشاد (المشورة) وفنياته لمساعدة الأفراد والأسر في شكل إنفرادي أو جماعي ، لحل المشكلات وتحقيق الأستقرار والتوافق والتكيف الأسري ويتضح من هذا أن الإرشاد (المشورة) الأسري ليس مجرد إعطاء نصائح لحل مشكلة ما ، بل هو أسلوب علمي يسير وفق أهداف وخطط مرسومة ومحددة لتخليص (مساعدة) الفرد والأسرة من المتاعب والمشاكل التي يعيشونها ، مع تكوين أتجاهات عقلية خالصة تساعدهم على التخلص من الاتجاهات الانفعالية التي تعوق تفكيرهم أو تمكنهم للحد منها ، لذا ليس من الأخلاقيات أن يهب كل من شاء لممارسة الإرشاد الأسري.

أهداف ممارسة الإرشاد الأسري: 

  1. المحافظة على الصحة النفسية للأسرة وأعضائها.
  2. إحداث تغييرات إيجابية في الأفكار والمعتقدات والسلوكيات الخاطئة لدى أعضاء الأسرة.
  3. مساعدة الأسرة وأعضائها على حل المشكلات واتخاذ القرارات وتحقيق الوعي في التعامل الأمثل مع ضغوطات الحياة المختلفة.
  4. تحقيق الذات مع تكوين مفهوم إيجابي عن الذات لدى أعضاء الأسرة ، ثم تكوين اتحاد ذاتي للأسرة ككيان واحد مترابط.
  5. تنمية التواصل والتفاعل الإيجابي بين أعضاء الأسرة وتحقيق التكيف الاجتماعي للأسرة ككل.

الثلاثاء، 18 يونيو 2019

المشكلات الزوجية وتأثيرها

إن الخلافت الزوجية مع استمرارها تضرب بنيان الأسرة واستقرارها كله ؛ ليس من يناله الاضطراب الزوج والزوجة فقط بل الأولاد أيضاً وهنا تكمن الخطورة. فالخلافات الزوجية تساعد على تنشئة جيل من الأطفال مُضطربين نفسياً حتى لو تم توفير كل سبل الراحة المادية والترفهية لهم.
فلنأخذ مثل ؛ قد يلجأ أحد الزوجين - إو كلاهما - إلى تعويض النقص العاطفي والتنفيس عن نفسه من خلال إثبات الذات في مجال العمل ، وتكثيف العلاقات الاجتماعية خارج المنزل ، والسعي نحو مركز اجتماعي مرموق ، أو إشغال الوقت بأعباء كثيرة من الأعمال والزيارات والنشاطات - حتى لو كانت نشاطات خيرية - وغيرها.
فإن السلوك التعويضي المشار إليه بأعلى إذا قام به أحد الزوجين أو كلاهما ، يُعَد هروباً من المنزل لتفادي المشاكل والخلافات ، ولكنه ينعكس سلباً على العلاقة الزوجية . فالمشكلة ما زالت قائمة وهذا التصرف (بالهروب التعويضي) لم يحلها لكنه عمل على طول مدة الشكل الظاهري للعلاقة الزوجية - ولكنه كبركان يحتمل انفجاره في أي وقت - وأجلاً أم عاجلاً ستنفجر النزاعات بشكل مؤذٍ قد يؤدي إلى تحطيم كيان الأسرة والرابطة الزوجية.

الثلاثاء، 11 يونيو 2019

قصيدة لجبران خليل جبران عن الزواج


الزواج[1]

لقد وُلِدتُما معاً ، ومعاً تظلاّن إلى الأبد،

ومعاً تكونان ، حينما تذهب بأيامكما أجنحةُ الموت الشَّهبْاء.

أجل كذلك تظلان معاً ، في سِرِّ الله المكْنون.

ولكن ، فَلْيَتَخَلَّلِ التئامكما فُسْحات ؛

حتى تُتاح لرياح السَّماوات أن ترقص بينكما.
***
ليُحِبَّ أحدُكما الآخر ، ولكن لا تجعلا من الحبِّ قيداً ،

بل اجعلاه بحراً مُتَدَفِّقاً بين شواطئ أرواحكما.

وليملأ أحدكما كأس رفيقه ، وحذارِ أن تشربا من كأس واحدة.

وليُعْط أحدكما الآخر من خُبْزه ، وحَذار أن تجتمعا على رغيف واحد.

غنِّيا وارقصا وامرحا معاً ، ولكن لِيَخْلُ كلٌّ إلى شأنه ؛

فإن أوتارَ القيثارة مشدودة على افتراق ، وإن خَفقتْ جميعاً بلحن واحد.

***
وَليَهَبْ كلٌّ منكم قلبَه لعشيره ، لكن دون أن يستأثر به ،

فَلِيَدِ الحياةِ وحدَها أن تَسَعَ قلبيْكُما.

ولتنهضا متكافيْن ، لكن دون أن تتلاصقا ؛

فإن أعمدة المعبد على انفصال تقوم ،

والسَّنْديان والسرَّوْ لا ينمو بعضُها في ظلِّ بعض.




] قصيد "جبران خليل جبران" من كتاب "النبي" ترجمة ثروت عكاشة – دار الشروق ط12/ 2008

الأحد، 9 يونيو 2019

سوء استخدام الأدوار الوظيفية في الأسرة يسبب الصراعات والمشاكل


فمطلب التغير أمر عادي من حياة الأسرة ، وينبغي أن ننبه أن الصعوبات العادية ليست هي التي تخلق المشكلات وإنما سوء تناول الصعوبة المزمن هو الذي يخلق المشكلة. إن أفكار ضرورة التغير ، ومعاملة التغيرات النمائية العادية كما لو كانت مشكلة ، والنضال من أجل ما نتصوره كمالاً ، كل ذلك يحتمل أن يؤدي إلى الضغط الأسري. وبصفه عامة ، فإن رد فعل سوء الوظيفة الأسرية قد يُقابل بالعمل المتطرف أو المُبالغ فيه من قبل أفراد الأسرة. فالأسرة التي تضيق على ابنها الذي بلغ مرحلة المراهقة وتظل تعامله كطفل قد يزداد عناداً ويبالغ في تحطيم القواعد الأسرية فيزداد ضغط الآباء وعقابهم له مما يجعله يتأكد من أنه مُضّيَق عليه وأنه هدف للظلم والاضطهاد أيضاً ، مما يزيد ثورته وهكذا . وتأتي المشكلة أيضاً عندما يحاول بعض أفراد النسق الأسري القيام بأدوار غير دوره أو أن يستمر في ممارسة دوره الذي ينبغي أن يتغير مع التغيرات الجديدة. وكثيراً ما يقع الأجداد في هذا الموقف حيث يستمرون في التمسك بالدور الوالدي مع أحفادهم فيتدخلون في أساليب تربة أحفادهم بقواعد وأساليب تختلف في كثير من الأحيان مع قواعد وأساليب الوالدين مما يسبب مشاكل في جوانب النسق الأسري

الجمعة، 7 يونيو 2019

بحث في الحياة الأسرية كمنظومة أو نسق رؤية: اجتماعية / نفسية (5)


 تفكك الرباط الزوجي (الهجر والطلاق)
          قد يؤدي أي من التصدع أو الصراع الزوجي الخفي أو الصريح إلى التفاقم الذي ينتهي بانفصام عرى الرباط الزوجي عملياً ومادياً في الهجر الفعلي أو الطلاق. أما الهجر الفعلي فيتخذ على الأغلب شكل الزواج من امرأة ثانية بدون طلاق الأولى التي تُتَرك مع أولادها. بينما يرحل الزوج إلى منزل زوجية جديد قاطعاً صلته بشكل كامل بالعلاقة الزوجية الأولى ، ومتخلياً عن مسؤولياته المادية والرعائية تجاه الأبناء. وقد تظل هذه العلاقات متباعدة وواهنة في حالة من توقف القيام بالدور الوالدي. وقد تنقطع أخبار الزوج – الأب تماماً ، أو هي تبقى معروفة مع حالة من عدم الإكتراث الذي يتفاوت في إصراره.
          وأما الطلاق فيكرس الانفصال مادياً وشرعياً ، مع حالات متنوعة من إدارة الظهر لمسؤولية رعاية الأولاد. فهناك حالات طلاق مع توافق الزوجين المطلقين على سياسة لرعاية الأبناء ، وأخرى يصحبها مختلف ألوان الإهمال والتسيب والنبذ وحرمان الزوجةوأبنائها من حقوقهم.
          يقوم كل من الهجر والطلاق على أرضية من إنطفاء الرباط العاطفي – الجنسي. سيحب كل التوظيف العاطفي مولداً حالة من الحياد والتباعد تجاه الآخر. وفي حالات أخرى يحدث التباعد بعد فترة من المجابهات والمنازعات تطول أو تقصر يحدث فيها توظيف مضاد للعدوانية تجاه الآخر والحرب عليه ، ومحاولة إنزال أكبر الأذى به. أما طاقة الحب التي يتم سحبها ، فيعاد توظيفها في علاقة بديلة ، أو هي تركز في الذات على شكل استعادة للاعتبار المفقود ، وإزالة للغُبن الذي وقع عليها. وهنا تبدو العدوانية مبررة كدفاع عن الذات ، وإنقاذاً لها من علاقة حملت المعانة والإحباط والأذى. ولابد من تحميل العلاقة المنفصمة هذه الأوزار كلها كي يمكن للعدوانية أن تمارس فعلها في نوع من راحة الضمير ، وفي تبرير لسلوك الانفصال لايدع مجالاً للشعور بالذنب. ذلك أن الإنسان لايمكنه عن وعي تحمل مسؤولية عدوانيته تجاه الآخر. لابد لهذه العدوانية أن تجد لها المبررات التي تجعلها تتخذ طابع الدفاع المشروع عن الكيان الذاتي ومصالحه. وإلا فإن مشاعر الذنب والخطيئة ستجتاح المرء ، الذي يقع عندها في أزمة نفسية داخلية لا قِبَل له بتحملها. وحتى يفعل نجد كل من الزوجين المنفصلين ، أو أحدهما الذي بادر بالأنفصال ، يبالغ في تسويد صورة الآخر وتحميله كل الأوزار والمثالب ، مما يجعل سلوكه يبدو حلاً مشروعاً يحمل له الخلاص. ولا تستمد العدوانية من الإحباط العلائقي وحده إلا في عدد نحدود من الحالات التي تنتهي بالانطفاء والحياد. أما في الحالات الأخرى فإن القرين يتحول إلى موضوع لإسقاط كل مصادر الإحباط الوجودي. وكأن مآسي الكيان الذاتي ، وعثرات الوجود وما تولده من احتقانات نفسية وغيظ وحقد ورغبات في التشفي تنحصر كلها في العلاقة الزوجية المُحبطة.
          ومن هُنا يمكن فهم حالات التشفي ومحاولة إنزال أشد الأذى بالقرين فيما يتجاوز المبررات الواقعية – الموضوعية. إنه يتحول إلى مصب لاستقطاب كل طاقة العدوان المتراكمة من مختلف منحي الوجود. كما يمكن فهم ذلك الإصرار العنيد على استمرار الرغبة في التشفي خلال إجراءات الطلاق وبعده ، ورفض كل محاولة للتوافق على سياسة انفصال معقولة. إن إزاحة كل مصادر تفجر العدوان على قرين – ضحية من الآليات النفسية المألوفة. يحدث هنا إنشطار ما بين الشر الذي يتجسد كله في القرين لبمُطلَّق ، وبين الخير الذي يتجلى في كل ما عداه. يتيح هذا الإنشطار تحرير المرء من الصراعات الذاتية ، مما يسمح له بالشعور باسترداد هناء العيش ، والإنطلاق في مشاريع وعلاقات جديدة بعد أن تم له الخلاص من مآسي الغُبن الكياني التي أسقطت كلها على القرين المُطلَّق. تؤدي هذه الحالات عموماً إلى طمس مشاعر الوالدية تجاه الأبناء وصولاً إلى تحويلها إلى ضدها على شكل نبذ عدواني ، حين تسقط عليهم نفس دلالة السوء والشر التي أسقطت على القرين.
          كما أن العدوانية تجاه الشريك المُطلَّق قد تشتد وتتفاقم في حالة من الدفاع النفسي ضد أي مشاعر أرتباط عاطفي لازالت كامنة. تفاقم العدوانية ضروري لتحقيق الإنشطار حتى لايظل هناك أي مجال لإمكانية الشك بوجود مشاعر رغبة عاطفية – جنسية تجاه هذا القرين ، قد تلغم مشروع الأنفصال. العدوانية هنا تقوم بدور مقاومة إغراء العودة إلى الارتباط بالقرين المُطلَّق. وهو إغراء وارد في حالات لا يستهان بها من تلك التي يعود فيها الزوج إلى زوجتع بعد إنفصال عنها ، على خلفية من التجاذب العاطفي العميق تجاهها ذي الطابع المرضي. الاقتراب من القرين يؤدي إلى إطلاق آلية التباعد ، بينما الانفصال يؤدي إلى إحياء دوافع التعلق الكامن.
          تُبين هذه الحالات وسواها ، كم أن تفكك الرباط الزوجي قد يكون معقداً ومأزقاً ، مما يعود إلى تنوع الرغبات والحاجات تجاه القرين نفسه. وعلى العكس من ذلك قد يحدث الانفصال بشكل دائم في حالة من تصفية العلاقات بسرعة.
          تتعدد دوافع الانفصال كثيراً ، تبعاً لتعدد مقومات الإرطبا التي تم استعرضها ودخولها في مآزق غير قابلة للاستيعاب والتسوية . إلا أن أبرزها تعود إلى أسباب نفسية تتعلق بمستوى النضج النفسي والنضج العاطفي الجنسي.
          سيادة الأنانية والتركيز الطفلي حول الذات هو أبرز أشكال قصور النضج النفسي الذي يؤدي إلى الانفصال . وهنا تبرز حالات الأرتباط غير الواقعية أو غير المُعَد لها جيداً كي تستمر.
          أما قصور النضج النفسي – الجنسي هو أبرز أسباب تعثر الارتباط العلائقي المستقر والقابل للنماء. وتأتي  على هذا الصعيد حالات الارتباط النزوي القائم على اندفاعية آنية بدون غد.
          ويضاف إلى هذه الأسباب النفسية عوامل اجتماعية – ثقافية ، من مثل شيوع عادات الطلاق والانفصال وسهولته . وكذلك تراجع القيمة الاجتماعية للأسرة والزواج والوالدية في الأوساط التي تعلي شأن تحقيق الذات الفردي من خلال الإنجازات المهنية أو العامة . هنا يبدو الارتباط الزوجي كمعوق في طريق تحقيق النجاح والإرتقاء لايجوز تحمل اعبائه ، في نوع من التناقض الثنائي: الإنجاز أم الزواج.
          وكما هو شأن التصدع فإن الأبناء هم الذين يدفعون الثمن الأكبر في حالات التفكك على اختلافها ، على شكل صيغ متنوعة تتراوح ما بين الانكسار النفسي ، والأزمات النفسية ، وبين سلوكيات التمرد وسوء التكيف المدرسي والاجتماعي.
          يعاني الأطفال قبل الطلاق من جو انعدام الطمأنينة الذي يصاحب الصراعات الزوجية ، التي قد تطول أو تقصر ، متخذة أنواعاً من العدوانية المتبادلة ، يعيش الأطفال هذا الجو كتهديد لوجودهم ، ويفتح أمامهم قلق المجهول ، وقلق الانفصال المصاحب لمخاوف تجسيد الطلاق فعلياً . يحس الطفل من هؤلاء أنه معرض لخطر الضياع وبالتالي الهلاك ، مما يبين مدى الأذى المصاحب لقلق الانفصال أو التهديد به. ويتفاقم قلق الطفل كلما صغر سنة بالطبع. ويأتي تصعيد هذا القلق من كونه يعتبر أن التهديد بالانفصال بين الزوجين سيتحقق لا محالة. ونظراً للأنوية المميزة لهذا العمر ، يعتبر الطفل أن الوالدين موجودان ومرتبطان زوجياً لأجله هو وأن انفصالهما الممكن هو دليل غضبهما منه لإثم أو خطيئة ارتكبهما ، أو عدم القيمة لايستحق أن يظلان معاً لأجله. وهومحق في ذلك إلى حد ما ، إذ لو كانا يقيمان وزناً لمصالحه وحاجته إلى الحب والرعاية فعلاً لحافظا على الحياة الأسرية من أجله.وكونهما يتوجهان نحو الانفصال ، فإن الطفل يقع أسير مشاعر الذنب الشديدة التي ترتد على ذاته ، إدانة وملامة لها على خطيئتها أو عدم استحقاقها للقيمة. تمثل هذه الزمة الكيانية الداخلية عند الطفل الوجه الآخر لكل من قلق أخطار تركه وهجره من ناحية ، ورد فعله الحاقد ضد أهله الذين خانوه من ناحية ثانية. ويتفاعل كل ركن من هذه الثلاثية (إدانة الذات ، قلق الهجر ، الحقد على الخيانة) مع بقية الأركان كي تعصف جميعها بتوازن الطفل النفسي. هذا في الوقت الذي ينشغل فيه الوالدان بصراعاتهما وتصعيد عدائهما المتبادل ، وتأزيم جو إنعدام الطمأنينة في الأسرة ، وهما لاهيان عن المعاناة التي تعصف بأطفالهما ، وغير مقدران لمقدار الأذى النفسي الذي يمكن أن يلحق بهم.
          على هذه الأرضية العامة من إنعدام الطمأنينة نلاحظ حالات من تعاطف الأطفال مع الأم إذا كانت ضحية عدوان الأب . فالطفل نظراً لضعفه واحتمال تعرضه للخطر بسبب سنه وقلة إمكانات حمايته لذاته ، يتعاطف عادة مع الطرف الضحية . وهو ما يضعه بالطبع في وضعية أكثر حرجاً ومأزقية ، وأصعب تحملاً على النفس ، وبالتالي أكثر تسبباً لإلحاق الأذى النفسي به.
          وقد يصل الأمر حد بروز المعسكرات التي سبق الإشارة إليها ، حيث يزج الأطفال في المعركة مع أحد الطرفين ضد الآخر في الوقت الذي هم بأمس الحاجة فيه لمرجعية ثنائية ، مطمئنة وراعية من قبل كلا الوالدين. فالطفل لا يشعر بالطمأنينة والأمان والثقة والحماية ، إلا في كنف والدين متحدين.
          وقد يكون الوضع أكثر قسوة على الأطفال خلال فترة الطلاق ، إذا لم يتخذ طابع التراضي ، والانفصال بالمعروف بشكل يراعي احتياجات الأطفال. أما إذا مرّ الطلاق بمرحلة من العدوانية ومحاولة إنزال الأذى بالقرين ، فإن الأطفال هم أكثر ما يضارون. فقد يقوم الأب مثلاً بطرد الزوجة وأولادها (في حالة التنكر لهم) من السكن الزوجي مما يؤدي إلى تعريضهم إلى ظروف بالغة القسوة والتهديد لتوازنهم النفسي ، على شكل ضياع ، وقلق وهلاك. وقد يمتنع بانتظار الحكم عن دفع النفقة التوجبة للزوجة والأولاد مع ما يستتبعه ذلك من تعريضهم لصعوبات مادية ذات آثار نفسية خطيرة . وقد يماطل في إجراءات الطلاق مستغلاً وضعه الشرعي ، و روتين المحاكم التي تتكدس فيها الدعاوي ، مما يطيل أمد شقاء الأولاد والزوجة وقلقهم. وهو قد يتحول إلى صدمات نفسية فعلية تنعكس آثارها على نموهم اللاحق.
          وقد يُستخدم الأولاد أداة في الحرب ضد القرين فيقوم أحد الزوجين بمنع الآخر من رؤية الأبناء انتقاماً منه ، متناسياً أن أكبر آثار هذا المنع ستنصب على الأطفال أنفسهم بسبب حاجتهم إلى استمرار المرجعية العاطفية والعلائقية والرعائية لكلا الوالدين. وغالباً ما يصاحب هذا المنع شحن الأولاد بالحقد على القرين الذي طلّق أو هجر أو خان ، وتشويه سمعته لديهم. تضع هذه الحالة الطفل في مأزق نفسي صعب. فهو بحاجة إلى تكوين صورة مثالية عن كل من الوالدين يطمئن إليها ويحتذيها ويتمثلها ويبني هويته إنطلاقاً من مرجعيتها. وتؤدي عملية الشحن وتشويه السمعة هذه إلى زعزعة بناء هويته بشكل سليم. وهو ما قد ينعكس على شكل اضطراب في نضجه العاطفي – الجنسي اللاحق. من مثل البنت التي شحنتها أمها ضد أبيها ، فيكون أسس اضطراب هويتها الأنثوية ، وزعزعة قدرتها على إقامة ارتباط عاطفي – جنسي معافى حين تصل سن الرشد. والعكس صحيح بالنسبة للفتى في علاقته بالنساء.
          وقد يُقبل الأهل على أمثال هذه الممارسات في حالة من الغرق في أنانيتهم وأنويتهم وإشباع رغباتهم في الانتقام بدون أدنى اهتمام بما سيحل بالأبناء من اضطرابات نفسية لاحقة.
          بعد الطلاق قد يقوم أحد الوالدين (الزوجة عادة) برعاية الأولاد في ظروف صعبة مادياً ونفسياً ، مما ينعكس على توازن علاقتها بهم. فقد يحدث أن تقيم علاقة دمجية ذوبانية مع بعضهم في نوع من تحالف الضحايا ، مما يجعل هؤلاء يظلون أسرى وضعية الضحية هذه ، وفي المقابل قد يكون من نصيب بعضهم الآخر إسقاط وصمة "النحس" عليه ، فهو ثمرة هذا الزواج المأساوي . ويحدث أن تبالغ الأم في وصم الطفل هذا وبالتالي نبذه في حالة من الدفاع اللاواعي عن إحساسها الدفين بالفشل الزوجي وما يحمله من أذى لصورتها عن ذاتها. فبدلاً من أن تجابه فشلها تلقي باللوم على الطفل "المنحوس" الذي لم ترَ على وجهه الخير. وهو ما يفتح أمام هذا الآخير احتمال الانكسار النفسي ، أو التمرد وردود الفعل السلوكية غير المتكيفة ، بل الجانحة.
          وقد يتحول الأولاد ليس إلى أداة للتشفي أو الإسقاط ، بل إلى عبء حين يحرم القرين الذي يتعهدهم فرصة بناء حياة جديدة ، بسبب القيام بواجبات رعايتهم. إننا بإزاء الأطفال – العقبة الوجودية أمام هناء الأم أو الأب - . وهو ثمن باهظ بدوره على الصعيد النفسي. يضيق الأهل ذرعاً بالأولاد  وأعبائهم ، مما يفتح إمكانية مواقف النبذ تجاههم. هنا تصبح العدوانية وإساءة المعاملة مبررة ومادة لتفريج الاحتقان النفسي.
          وقد يتزوج كل من القرينين ويؤسس حياة جديدة ، مع إهمال الأولاد وإدارة الظهر لهم وتسييبهم هنا وهناك : عند جدة مُسنة ، أو جد مُقعد ، أو قريب يضيق بأعبائهم ذرعاً. ويكون الأولاد أمام احتمال الضياع: يتدهور أداؤهم المدرسي ويعصف بهم الاضطراب النفسي ، ويفقدون مهارات التكيف الاجتماعي.


إعداد/ زكريا حبيب - ماجيستير المشورة ؛ دراسات في الإرشاد والعلاج الإسري والزوجي - عضو الجمعية المصرية للعلاجات الجماعية

بحث في الحياة الأسرية كمنظومة أو نسق رؤية: اجتماعية / نفسية (3)

الصراع الزوجي الخفي - أ



          نقصد بالصراع الزوجي الخفي تلك الحالة من انطفاء علاقة العاطفة – الجنس ، أو خفوتها إلى درجة متقدمة ، مع ما يضاف إليها من تراكم التناقضات في التوقعات والسياسات والأولويات وما يتبعها من حاجات . يبدو الرباط الزوجي وكأنه قد استنزف على صعيد العاطفة والشراكة في تحقيق الأهداف على حد سواء. ومع هذا الاستنزاف يتزايد التباين والتناقض وتتقلص منطقة التقاطع بين دائرتي الرباط الزوجي (كل شخص يمثل دائرة) ، كما هو موضح بالشكل التالي، وتتباعد هتاين الدائرتان مما ينشأ عنه عالمان وجوديان مختلفان: كل من الزوجين يبدأ التحرك في فلك خاص به ، على مختلف الصعد والاهتمامات .
على الرغم من هذا الأنطفاء والتباعد ، يحتفظ الرباط الزوجي بمظاهره القانونية والاجتماعية ، لأسباب تتعلق بالسمعة والمكانة ، أو لضرورات مادية أو مصلحية ، أو لضرورات الحفاظ على مرجعية أسرية للأطفال. ونكون عندها بإزاء حياة زوجية تتصف بالتمسك ظاهرياً فقط ، كما يتجلى في الأنشطة الاجتماعية. إنما الواقع كل من الزوجين أو أحدهما على الأقل يدير ظهره للرباط العاطفي – الجنسي ، ويسعى وراء اهتماماته الخاصة. وتستمر مع ذلك الحياة الأسرية إلى ما يحلو للبعض تسميته ’’البيت الفندق’’.
          تتعدد عوامل بروز هذه الحالة التي تتفاوت في درجات التباعد النفسي والانطفاء المميز لها. أبرزها استنزاف الرباط العاطفي – الجنسي لمختلف الأسباب التي ذكرناها سابقاً. ومنها كذلك الانخراط في رباط زوجي لايقوم على تكافؤ معقول يحمل التوازن الكافي والاعتراف المتبادل. ويضاف إليهما التناقضات الكبرى على مستوى التوقعات والسياسات وخصوصاً حالات قصور النضج النفسي.
          يعجز هذا القصور عن توفير مقومات الواقعية والمرونة والتبادلية في الشراكة ، ويحرك ، بعد خفوت مراحل الحماس الأولى ، النزعات الفردية الأنانية التي تؤدي إلى حالات الصدام والمجابهة وما يتبعها من إحباطات. حين يقوم الرباط الزوجي على أسس غير متينة توفر له الصحة والاستمرار ، وحين يندفع أحد الشركاء إلى الارتباط بهذا الشكل متغاضياً عن تناقضات كبرى كامنة ، بسبب من إلحاح رغبة جزئية تطمس التقدير الموضوعي للواقع ، أو هي تطمس الثمن الباهظ الذي يتعين دفعه لقاء إرضاء هذه الرغبة أو هذا الميل ، نكون بإزاء احتمال بروز حالة ما من التصدع الخفي الذي نحن بصدده. وقد لا ينشأ التباعد عن عوامل تكوينية ذاتية بالضرورة ، بل هو يتشكل تدريجياً بسبب تدني صيانة الحياة الزوجية ، أو تراجعها لأسباب متنوعة ، مما يؤدي إلى تراكم التناقضات التي لم تجد لها الحلول المناسبة. ومع هذا التراكم يتزايد التبياين والتباعد . وقد ينشأ التباعد الخفي لعوامل خارجية محضة تعطل القدرة على العطاء اللازم لتغذية الحياة الأسرية ، أو عوامل خارجية قاهرة. منها مثلاً عوامل خارجة عن إرادة أحد الزوجين تجعله يفقد مكانته ومرجعيته من مثل البطالة الدائمة ، أو الخسارة المادية وانهيار المكانة المهنية – الاجتماعية ، أو سواهما. قد يحدث في هذه الحالة إنكفاء نفسي في نوع من إجترار المرارة ، والإحساس بالخسران مما يحول الرباط الزوجي إلى مرآة لهذا الخسران والعجز ، تولد الآلام ، وتدفع إلى مختلف آليات التجنب. ذلك أن خسارة المكانة قد تكون في الكثير من الأحيان ذات ثمن نفسي باهظ غير قابل للاحتمال. على العكس من ذلك قد يحدث التباعد النفسي وانطفاء الرابط الزوجي بسبب تحولات إيجابية كبرى لدى أحد الزوجين مما يجعل الزواج يبدو غير متكافئ بشكل صارخ ، حيث يبدو الرباط الزوجي في بنيته وتكوينه وواقعه عاجزاً عن تلبية الواقع الجديد في توقعاته وتطلعاته ومتطلباته. على أن حالة ’’البيت - الفندق،، النابعة من عوامل ذاتية ، تظل الأكثر شيوعاً ، حيث يبدو الآخر كطرف غير قادر على تلبية المتطلبات المتجددة ، أو كعقبة تحول دون الإنطلاق الوجودي. إلا أن الاعتبارات الاجتماعية أو سواها تحول دون فكّ الرباط الزوجي. وبه تتحول الحياة الزوجية إلى إطار فارغ من المضمون.
          على أن هذا الانطفاء لا يحدث دفعة واحدة ، بل يتخذ عادة طابع العملية التراكمية للتناقضات والإحباطات التي تفاقم التباعد النفسي. أو هو يكون محصلة جولات من المجابهات والصراعات والأزمات التي تُطفئ تدريجياً جدذوة العلاقة. ويشعر كل من الطرفين بنتيجتها أن كيانه قد هدر ، مما يفاقم تعبئته النفسية ضد الآخر. في محاولة للاقتصاص منه ، بهدر كيانه. وهنا تدور حرب باردة تعرف مراحل من التصعيد والخفوت ، طالما الاعتبارات الخارجية أو الموضوعية تمنع تفجر الحرب العلنية الساخنة. وقد يدور كل ذلك بصمت مؤدياً إلى تحولات نفسية تسلخ عن الآخر صفة الموضوع المرغوب ، مستهلكة بذلك قيمة الرباط الزوجي ذاته. وعندها قد يعمل هذا الطرف أو ذاك ، أو كلاهما معاً على النجاة بذاته ، وإرضاء حاجاته وتوقعاته وطموحاته ، من خلال إعادة تنظيم مجاله الحيوي بمعزل عن الرباط الزوجي الذي ينحسر إلى مجرد رباط شكلي.
          ولابد هنا من وقفة عند النظرية الاقتصادية التحليلية – النفسية في توظيف الطاقة كي نلقي مزيداً من الضوء على انطفاء الرباط الزوجي في حالة التصدع الخفي...
          عندما تُسحب طاقة الحب ، كي توظف في شخص آخر ، أو في اهتمام آخر. أو هي تُسحب كي توظف في الذات في نوع من استعادة الاعتبار ورفع الغُبن المتمثل في الثمن الباهظ الذي استهلكته العلاقة في البداية. فبعد التضحية والبذل يشعر أحد طرفي العلاقة أن عليه أن يعدل الوضعية ، ويضع حداً للهدر الذاتي الذي شعر أنه ترتب عليه ، من خلال الاهتمام بذاته ، أو الاهتمام بقضايا أخرى أكثر قيمة وأهمية بالنسبة له.
          بذلك قد تنطفئ العلاقة ويتحول الرباط الزوجي إلى نوع من التعايش الذي يقتصر على الظواهر ، حيث يتعذر انفجار الصراع علنياً. وحيث سحب التوظيف ، يحل محله البرود والتباعد ، أو يحدث توظيف عدواني بديل يظل خفياً ؛ متخذاً طابع التوترات المكظومة وحرب تسجيل النقاط. وقد تكون العملية متبادلة ، أو هي تتخذ شكل الخسارة لأحد الطرفين دون الآخر.


إعداد/ زكريا حبيب - ماجيستير المشورة ؛ دراسات في الإرشاد والعلاج الإسري والزوجي - عضو الجمعية المصرية للعلاجات الجماعية

الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية[2]

1 الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية [1] [1]   كفافي، د.علاء الدين ؛ الإرشاد والعلاج النفسي الأسري ، ط1/  2012  (121:1...