كيف نواجه ضوضاء نفوسنا الداخلية؟
في الصمتُ نغلق نفوسنا بعيداً عن الأصوات سواء كانت هذه الأصوات ضوضاء أو موسيقى ، أو كلام. إننا نادراً ما نستطيع أن نحصل على صمت تام ؛ وما نسميه "صمت" هو في واقع الأمر "ضوضاء أقل" .
كثير من الناس لم يختبروا الصمت التام مُطلقاً ولا يعرفون حتى أنهم لا يعرفون ماهو الصمت. إن بيوتنا ومكاتبنا مليئة بالزَن والهمهمات والدمدمات التي تصدرها الأجهزة التي من المفترض أن تجعل حياتنا أسهل. والحقيقة إن هذه الضوضاء تُطمئنا بشكل عجيب. في واقع الأمر أننا نجد الصمت التام صادِم لأنه يُعطينا الانطباع أنه لا شيء يحدث. في عالم مدفوع بالأفعال والأحداث والأصوات مثل عالمنا ما الذي يمكن أن يكون أسوأ من الصمت التام! الصمت مثل الاختلاء يجعلنا نواجه الضوضاء الداخلية التي نحاول أن نغطيها بالضوضاء الخارجية من كل نوع.
الصمت يذهب بالاختلاء إلى ما هو أبعد وأعمق والاختلاء بدون الصمت لا يكون له تأثير كبير... إن الصمت هو الطريقة التي بها يُصبح الاختلاء حقيقي. لكن الصمت مُخيف لأنه أكثر شيء يُعَرِّنا و يواجهنا بكل حقائق الحياة القاسية فهو يُذكرنا بالموت، الذي سوف يفصلنا تماماً عن العالم الذي وُلِدنا فيه ولا نعرف شيء غيره ويجعلنا وجهاً لوجه مع الله. وفي هذا الصمت ماذا لو اكتشفنا أن ما بيننا وبين الله قليل جداً؟
إذا كنا نحتاج دائماً لأن نلجأ إلى تشغيل التليفزيون أو الكمبيوتر أو أستعمال الموبايل والقيام بالامور المنزلية او القيام بعمل مشروب .. أثناء فترة اختلئنا بانفسنا وصمتنا فكم يكشف لنا هذا عن فراغنا وخوائنا الداخلي .
يُقال أن السمع هو آخر حاسة نفقدها عند الموت. الصوت دائماً ما يضرب بشدة في وجودنا البشري ويُزعج نفوسنا من الداخل. لذلك فمن أجل سلامة نفوسنا نحتاج لأوقات نبتعد عن كل ما يلهينا ويشتتنا عن وعينا بذواتنا . نحتاج أن نُغلق الموبايل (وليس جعله صامت) ونفلق اجهزة الكمبوتر والتابلت والتليفزيون ، ونغلق بالاحرى أفواهنا لكي ما نمتلك الوعي بصمتنا ووحدتنا ونلاحظ افكارنا ومشاعرنا .
إن الصمت يحتاج للوحدة لكي يكون تدريباً كاملاً حيث أن قليلين جداً منا يستطيعون أن يحتفظوا بالصمت وهم معاً.
لماذا نُصر على الكلام باستمرار والثرثرة ؟ إننا نلجاأ للكلام للتغطية على أفكار مُقلقة بداخلنا وأغلبها متعلق بقلقنا بشأن رأي الناس فينا...
إن الناس الذين يشعرون بالأمان معاً والثقة في محبة بعضهم البعض يستطيعون أن يصمتوا معاً. لكن في حضور من لا نشعر معهم نفس القدر من الثقة والأمان فإننا نلجأ إلى الكلام لكي نُعدِل من مظهرنا وإلا فإننا نخاف لئلا يُقدر الأخرين محاسننا كما ينبغي ، ولا يعذرونا في تقصيراتنا.
إننا نتكلم للآخرين لكي نستخرج منهم موافقة على ما نقول وهذا يُطمئننا على قبولهم لنا.
إننا عندما نصمت نتخلى عن هذه المحاولات ونترك في يد الله مظهرنا . وهذا صعب . لماذا نقلق بشأن رأي الناس فينا ونحن نعلم أن الله يقبلنا كما نحن.
كم هم قليلون منا الذين يعيشون بثقة داخلية! وكم هم كثيرون من يعيشون وهم يتمنون أن يكون لديهم مثل هذه الثقة! لكن هذا الهدوء الداخلي هو نعمة عظيمة يمكننا أن نستقبلها من الله عندما نمارس عدم الكلام. وعندما نمتلك مثل هذه النعمة نكون قادرين على مساعدة من يحتاجون إليها.
إننا عندما نتعرف على هذه الثقة ونختبرها ، يمكن أن ندل الآخرين عليها وبالأخص عندما يقتربون منا باحثين عن مثل هذه الطمأنينة. يمكننا أن نرشدهم لكي يذهبوا ويصطادوا في مياه أكثر عمقاً من مياهنا. ليذهبوا إلى الوحدة والصمت مع الله حيث يقابلونه ويجدون منه الطمأنينة.
فيما يلي خبرة أحد الشباب وهو يدخل إلى عالم الصمت والاختلاء :
".. كلما مارست هذا التدريب ، كلما شعرت بالتقدير لأهمية وقوة الصمت، وكلما تضاءل شكي وميلي للانتقاد والدينونة. كلما مارست الصمت والاختلاء كلما اصبحت أقدر على قبول الناس كما هم وتحمل ما لم أكن أحبه فيهم. كلما تكلمت أقل ، كلما جاءت كلماتي أقوى وأعمق وفي الوقت المناسب. لقد جعلني الصمت أُقَدِّر الآخرين أكثر وأخدمهم أكثر وبطرق مختلفة وأستمتع بالحياة واحتفل بها وأدرك كيف أن الله قد أعطاني أموراً رائعة لكي أستمتع بها في هذه الحياة. سوف أقبل وأستمتع بما أعطاه الله لي. أعتقد أنني بدأت أختبر وأستمتع بحضور الله في حياتي أكثر من أي وقت مضى."
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق