السبت، 11 يناير 2025

الألم والإنسان المعاصر


ماهي الطرق التي يسلكها الفرد للتخفيف من آلامه النفسية ؟

11-الهروب

ماذا يفعل الإنسان أول شيء حين يتألم ؟ ماذا يفعل حينما يشعر بالرفض أو بأنه غير محبوب أو غير مرغوب ، ماذا يفعل حينما يشعر بالضيق وبأنه بلا قيمة أو أن حياته عديمة المعنى ؟هل يذهب إلى خالقه طالباً العون ؟ الواقع يقول لا.
يقول الأخصائي النفسي د. بيير كاكو: " إن الجنس والطعام شكلان من أشكال الإشباع الجسدي ، فمتى تحققت احتياجاتنا نشعر بالامتلاء. ومن ناحية أخرى ، متى افتقرت حياتنا إلى الحب والحنان – أو متى شعرنا أننا غير مرغوبين – فقد نتحول إلى الطعام أو الجنس كمشبع بديل"
من الواضح أن هناك دافع فطري – كما أشار فرويد – يجعل الإنسان يعمل على تحاشي الألم عن طريق إغراقه في اللذة . بل أن فرويد يبالغ ويقول بأن الدافع الوحيد الذي يحرك الإنسان هو اللذة. قد لا نتفق معه في هذه المُبالغة إلا إنه من الواضح ومن الحقيقي أن الإنسان الطبيعي عادة ما يلجأ إلى أنواع من اللذة والمتع ليُسكن ( وليس يعالج ) ويخدر بها آلامه النفسية ويغطي بها فقرة وفراغه الداخلي (تماماً كما هو الحال مع تعاطي المخدرات).
وهذا ما يُسمى " الهروب إلى اللذة " أو " إرضاء أو إبهاج وتهنين النفس Self gratification" وهو أشهر أسلوب يلجأ إليه الإنسان للتعامل مع ألمه الداخلي ، حيث يبتكر الإنسان أي شيء يشغل أو يلهي distract – حسب تعبير الفيلسوف الفرنسي بسكال – به نفسه ، أي يحول به انتباهه أو إحساسه عن أن يشعر بألمه الداخلي أو أن يتلامس ويتواجه معه . فيصير الإنسان مُخدّراً من جهة إحساسه أو إدراكه للأمور المؤلمة أو القضايا الفكرية غير المحلولة التي تؤرقه والتي لا تقل إيلاماً ( تماماً كإلهاء الطفل عن شيء ما بلعبة براقة ملونة ذات أصوات جذابة ، تأخذ حواسه).
فيقول الفيلسوف الفرنسي باسكال في خواطره الشهيرة Pensees: " إن حياة الإلهاء والانشغال Distraction هي الشيء الوحيد الذي يعزينا عن الإحساس الناتج عن مواجهة نفوسنا ورؤية حقيقتها وشعورها بالتعاسة." فاللذة والانشغال أو الإلهاء في الواقع هما شيء واحد من جهة هذا الأمر.
... عندما لايكون الإنسان في سلام مع نفسه ، يجد صعوبة في التعامل مع المساحات الفارغة ، إما بصرياً (لا شيء تقرأه أو تراقبه) ، أو سمعياً (لا شيء تقوم به ). إنك تحاول إشغال نفسك عن المشاكل الداخلية – الألم ، والأفكار المتصارعة ، والخوف والاتهامات ، وما شابه ذلك – ولكن دون جدوى ، فإنك تشعر بانفعال (إثارة) أكثر...
ولكننا وبالتحديد في الصمت نأتي إلى المواجهة مع ذواتنا الحقيقية . إن أوجاع حياتنا عادةً ما تغلبنا للدرجة التي تجعلنا نفعل أي شيء حتى لا نتواجه معها. إن الراديو والتليفزيون والصحف والكتب والأفلام (والأنترنت والموبايل) وحتى العمل الشاق والحياة الاجتماعية المشغولة ، كلها من الممكن أن تكون طرق نهرب بها من ذواتنا ونحول بها الحياة إلى أوقات ممتدة من التسلية والترفيه في قضاء الوقت...
هكذا ترينا الاقتباسات السابقة كيف يبتكر الإنسان وسائل تسكين للألم عن طريق إلهاء النفس والانشغال أو الأغراق في المُتع ، التي أشهرها الجنس والطعام كما قال بيير داكو ، كيما تساعده على تجنب مواجهة هذا الألم بل والهروب منه...
ثاني أشهر وسيلة هروبية يتعامل بها الإنسان مع الألم ... إن اشتهاء امتلاك المزيد أو الأحسن ، هو في الحقيقة اشتياق إلى ملء فراغ في حياة الإنسان . فإلى من تذهب عندما تحس بالفراغ داخلك؟ كيف تجد الشبع الحقيقي. ...
والأن تُرى ما هي طريقة وأسلوب كل منا في الهروب من الألم؟ ما هو نوع اللذة أو الإلهاء الذي نبتكره لكي نخدِر ألامنا؟ ..
" الأكل ، الجنس ، النوم ، اللهو والسمر ، العلاقات ، الشراء (التسوق) ، اقتناء الأشياء ، المشي ، احلام اليقظة ، تغيير تصفيفة الشعر ، مشاهدة التليفزيون ، والسينما (وبالطبع الأن الكمبيوتر والإنترنت – والموبايل) والمكالمات التليفونية (وارتياد غرف الدردشة ومواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت – والموبايل) ، وتغيير نظام أثاث المنزل ، والأنشطة الاجتماعية ، المخدرات ، العمل ، الاستحمام ، السفر ، ...
ولربما هنا بفقدان الألم ، مؤقتاً ، نفقد الشيء الذي من شأنه أن يخبرنا بفقرنا واحتياجنا إلى الله.
... حيث إن البشر مختلفون فإنه ولمِن الطبيعي أن نجد طرقاً ووسائل عديدة ومتنوعة يبتكرها البشر للهروب من مواجهة آلامهم ، أي إن كانت هذه الوسائل طالما أنها تصنع مفعولها . فالإنسان قد يستخدم ، أو بمعنى أصح يُسيء استخدام abuse ، أي شيء بطريقة تعطيه هو لذة خاصة (حتى لو هذا الشيء صحيح في ذاته ، كالعمل أو الخدمة..) ذلك أن ما يعطي الشيء صحته أو خطأه هو الدافع الذي يقع وراء القيام بالفعل قبل الفعل ذاته. ويوماً فيوم يعتاد الإنسان هذه الوسيلة (خاصة وإن كانت مشروعة) وتزداد اعتماديته عليها أكثر فأكثر حتى تصير نمطاً واعتياداً إدمانياً. وهكذا يجد الإنسان نفسه وهو حبيس في فخ مطابه واحتياجاته وأسلوب تناوله لمشاكله وآلامه ، يجد أنه اصبح فريسة اعتياد وإدمان إرضاء وإسعاد وتهنين الذات ولا يستطيع الفرار من مصيدة الشهوة الإدمانية هذه، بينما يظل الألم الأساسي بداخل الإنسان والذي كان يهرب منه. تماماً كما هو ، فقط زاد عليه الوقوع في فخ الإدمان ( وهذا تماماً ما يشرح سيكولوجة الأدمان).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية[2]

1 الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية [1] [1]   كفافي، د.علاء الدين ؛ الإرشاد والعلاج النفسي الأسري ، ط1/  2012  (121:1...