الجمعة، 31 مايو 2019

سمات وصفات نظام الأسر المنغلقة

تكون الأسرة منغلقة عندما تعزل نفسها مادياً ونفسياً عن المجتمع الذي تعيش فيه، أو يكون لأفرادها اتصال محدود بخارجها.وقد يميل أعضاء هذه الأسرة إلى عزل أنفسهم والانسحاب من مطالب المجتمع التي يخشون ألا يستطيعون الوفاء بها. إن مثل هذه الأسر يكون لها قواعد إجبارية قوية تجعل أفرادها مختلفون عن أفراد الأسر الأخرى، ويبنون حدوداً جامدة تحول دون تدفق (Closed Circuit) (Ells,1967,2015) المعلومات إنهم بذلك يمثلون أفضل تمثيل لما اسماه "ألبرت أليس" بالدائرة المغلقة .

ويشير "كانتور وليهر" إلى ملاحظة هامة تميز تنظيم الأسرة المنغلقة وهي أن المسافة الاجتماعية والمادية بين الأعضاء محدودة تحديداً صارماً ، وهي منظمة أشبه بتنظيم حركة المرور من قِبل من بيدهم السلطة. وتتخذ في هذه الأسر إجراءات تعطي طابعاً منغلقاً وسرياً للأسرة مثل قفل الأبواب واتخاذ إجراءات أمنية وكأنهم يعيشون في وسط أعداء، وهناك مواعيد ونظم لتحركات الأبناء ، كما أن هناك ضبطاً وإشرافاً والدياً دقيقاً على اتصالات الأبناء، وحتى أن رقم التليفون لايوضع في الدليل. ويسود الأسر جوا من التكتم في تناولهم لشئونهم وكأنها أسرار محظورة. وتعتقد الأسرة أن من صالحها "الحفاظ على أسرارها" في الوقت الذي تعتبر دخول أفكار غريبة إليها نوعاً من الغزو. وهذه الأسر لاتقدم للناس إلا ما تريده هي أن يعرفه الناس عنها. (Kantor & Leher, 1975, 119-120).

وهذه الفكرة التي تكونها الأسرة المنغلقة على نفسها والتي تريد أن يعرفها الناس عنها هي أقرب إلى الأسطورة myth وتصوغها الأسرة الأسرة بعناية ودقة وتريد ألا يتجاوز نظرة الناس إليهم هذه الأسطورة التي نسجوها ويتعاملون مع المجتمع الخارجي من خلالها، ويحافظون عليها ويريدونها باقية حية مهما تعارضت مع المعطيات والواقع. وهذه الأسطورة التي تريد الأسرة أن تقنع بها أفرادها وتقنع الناس بها كثيراً ما تكون المصدر للمرض النفسي لأفراد الأسرة.

وتتميز الأسر المنغلقة إضافة إلى عزلتها أن أفرادها ينغمسون انغماساً زائداً Over Involvement. وإذا كانت الحدود الخارجية للنسق الأسري صلبة وغير قابلة للنفاذ - طبقاً لعزلتها - فإن الحدود الداخلية بين الأنساق الفرعية داخل الأسرة تكون ضعيفة ومتميعة. ويترتب على ذلك أن أعضاء الأسرة بدلاً من أن تكون لهم اتصالاتهم بخارج الأسرة تنحصر اتصالاتهم داخلها ويزداد اندماجهم وانغماسهم داخل هموم ومشاغل الأسرة . ولذا تتميز علاقتهم بالإفراط في "المعية" Togetherness والوجود معاً معظم الوقت وتقلص الخصوصية الشخصية حتى يصلوا في النهاية إلى فقدان الاستقلال الفردي individual autonomy ، وهي العمليات الأسرية الممهدة لاضطراب بعض أفراد الأسرة ، ويطلق عليها مصطلح "الانصهار" (fusion) أو "الاندماج" (merger) أو "الوقوع في الشرك" (enmeshment) أو "نقص التمايز" (lack of differentiation) .

وبعد خاصيتي العزلة والاندماج الزائد تأتي الخاصية الثالثة التي تميز الأسرة المنغلقة وهي الجمود rigidity وعدم المرونة inflexibility وتظهر هذه الخاصية الأخيرة في علاقات أفراد الأسرة واتصالاتهم. ففي هذه الأسرة لا يُسمح فيها إلا بقدر ضئيل من التغير ، وتتسم علاقتهم معاً بالجمود، وتظل العلاقات كما هي لا تتغير. وحتى التغييرات الضرورية التي ينبغي أن تترتب على تغير أوضاع أفراد الأسرة وأدوارهم لايحدث فيها تغير، فالطفل الصغير يكبر ويصبح مراهقاً ويصبح بعد ذلك راشداً ومع ذلك فقد تظل معاملته من قبل الوالدين كماهي، وليس هذا الأمر قاصراً على الأبناء بل إنه يشمل كل أفراد الأسرة فالزوجية الصغيرة المدللة قد تظل تسلك على هذا النحو حتى بعد أن تكبر ويصبح أبنائها شباباً (Laing, 1961, 84) . وتظهر سمة الجمود أكثر ما تظهر في علاقات الأم بأبنائها أو بأحدهم حيث تظل تعامله معاملة الابن الصغير حتى يصل إلى مرحلة المراهقة (infants adolescence) ولا تسمح هذه الأم لطفلها بالانفصال الشخصي (النفسي) عنها وتنمو بينهما العلاقة التكافلية التي تكمن كثيرا وراء حالات إصابة الأبناء بالفصام عندما تتهدد هذه العلاقة أو تنقطع. (كفافي، 1997، 219،221).

وتتميز الاتصالات داخل الأسرة المنغلقة بأتها جامدة وميكانيكية و مقررة سابقاً ، كما يميل أفراد الأسرة إلى الحديث نيابة عن بعضهم البعض ، فنقص التلقائية وسيادة شعارات الأسرة "الكليشيهات" المرتبطة بأسطورة الأسرة لاتسمح لكل منهم أن يعبر عن نفسه بالطريقة التي يريدها والتي تعكس مشاعره الحقيقية. وكثيراً ما يقوم أحد أفراد الأسرة بإنهاء الحديث الذي بدأه عضو أخر أو تكميله. وتكون الردود على الأسئلة مقتضبة ومحددة وتفتقر إلى العفوية والتلقائية. وليس كل الموضوعات عرضة لتناولها بينما تشيع الموضوعات المحرمة Taboos . ويزداد سمك وصلابة الحد الخارجي للأسرة ، ولا يقوم بوظيفته الأصلية كمرشح ، ولكنه يصبح كحاجز منيع ، ويبدأ النسق (الأسري) في التقوت على نفسه حتى ليكاد أن يتآكل ذاتياً.

المرجع:
كفافي، د.علاء الدين ؛ الإرشاد والعلاج النفسي الأسري - ط1/ 2012 - دار الفكر العربي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية[2]

1 الحاجة إلى التواصل والحاجة إلى الاستقلالية [1] [1]   كفافي، د.علاء الدين ؛ الإرشاد والعلاج النفسي الأسري ، ط1/  2012  (121:1...